من البديهي أن يسعى الإنسان إلى تحقيق ذاته، والشعور بالنجاح والانتصار؛ فكما يقال دائمًا في محاضرات التنمية البشرية، إنه “لا يوجد أصعب من الشعور بالهزيمة للإنسان”، ولعل في قصة العجوز والبحر لإرنست همنجواي عبرة، فصراع الصياد مع سمكة القرش التي ظلت تطارده لتنال منه وهو يصارع الموت المحقق مستخدمًا ما لديه من أدوات مثل الحربة والسكين، متشبثًا بقاربه الصغير حتى أوشك على النهاية بعدما أنهكته الجراح، إلا أن ذلك الصراع قضى على سمكة القرش بإصراره ونجا من الموت قائلاً كلماته الخالدة التي باتت أيقونة تلك الرواية الحائزة على جائزة نوبل: “إنه يمكن لك أن تدمر الإنسان، لكنك لا تستطيع هزيمته”، “A man can be destroyed but not defeated”.

فمفهوم الهزيمة ليس الموت أو التحطم، بل الاستسلام والشعور بأنك مهزوم غير قادر على مجابهة ظروفك؛ فقد أثبتت التجارب أن تكرار المحاولة هو أقوى وسيلة للنجاح، فجميع البشر يمتلكون مقومات النجاح، واعلم أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض وأن المال يأتي لمن يخدم الأرض من أعمال نافعة مهما كانت صغيرة فالتاجر والصانع والعالم والعامل والحاكم كلهم إذا عملوا بنية خدمة المجتمع والكون، فإن المال والعز والجاه يأتيهم راغمًا.

ولعل في حادثة مبارزة علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم غزوة الخندق،  كانت عبرة في مشهد قيل: إنه أعظم مبارزة في التاريخ،  فبعد إحدى وعشرين يومًا من حصار عشرة آلاف مقاتل لألف مقاتل من المسلمين في المدينة، انسحب منهم سبعمائة وبقي ثلاثمئة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد تسلل عمرو ابن ود العامري من ثغرة في الخندق وقال: “يا محمد إنكم تدعون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار، فإنني اشتقت لدخول النار فهل منكم من اشتاق إلى الجنة فينازلني” وكان عمرو بن ود قد بلغ الثمانين عامًا ولم يجرؤ أحد على منازلته لقوته وضخامته فعرض الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر على الصحابة ثلاث مرات ولم يخرج منهم أحد إلا علي رضي الله عنه، كان يخرج في كل مرة فيرده الرسول وفي الثالثة يسمح له وتثور الغبار بين علي وعمرو، ولا يُرى منهما أحد من شدة الغبار، وبعد ساعة كبر علي فظنوا أنه قُتل وإذ به يخرج باسم الوجه منتصرًا ويقول صلى الله عليه وسلم: شرى نفسه (أي إن ضربة علي يوم الأحزاب تعدل أعمال أمتي إلى يوم القيامة)، فنلاحظ في هذه الحادثة إصرار عليٌ على قتل عمرو مما يدل على أهمية العزيمة والإيمان بالأهداف وأن هناك رؤية واضحة لا بد من أن تتحقق إذا عمل الإنسان من أجلها.

ومن هذا المنطلق لا بد للإنسان أن يكون له وجهة يتجه إليها وغاية يسعى لتحقيقها، لكن الوصول يحتاج إلى العمل، والعمل يحتاج إلى خطة والخطة يجب أن تحتوي على استراتيجيات وطرق وأساليب، وهذا ما يلزمنا تعلمه، إذ كيف نتغلب على الظروف ونصنعها لتصبح لصالحنا رغم كل الشدائد لأجل بلوغ الأهداف المرجوة؛ فيصبح لدينا الوقت نملكه ولا يملكنا، بالإضافة إلى أن يصبح قدرة على امتلاك المال، فهو لا يملكنا، وبذلك نشعر بالسعادة حين بلوغ الغايات، لأن السعادة هي السيطرة على النفس وقيادتها إلى النجاح، وعدم السماح للظروف السيئة أن تسيطر على حياتنا وتفكيرنا.

ولعل، البدء يجب أن يكون ببناء الأحلام، وهو فن وعلم تحويل أحلامك إلى واقع، وقد سمعنا كثيرًا تلك المقولة التي تحفزنا من أن الفرق بين الناجح والفاشل، هو أن الأول ينام ويظل يحلم بواقع وردي، بينما يذهب الثاني ليحقق أحلامه على الأرض. لذلك يجب التركيز على أفكار مبنية على خبرة علمية وتجارب واقعية يمكن للجميع الحصول عليها اليوم في ظل العولمة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والعمل على تحليل التجارب والتعلم من السابقين، بحيث تكون واقعية تتناسب مع ثقافتنا العربية عامة؛ فالتطور في العلوم الذي حدث في العالم هو ناتج عن جهود دولة الإسلام التي أنجبت ابن سينا والبيروني وابن النفيس وغيرهم الكثير.

إن الحكمة ضالة المؤمن، فلا يصدنك التعصب أو الكبرياء من أن تتعلم من أي شخص أو مصدر من مصادر العلم، حتى لو كان عامل نظافة أو موظف صغير لديك أو طفل، فتطوير الذات فطرة إنسانية ومنهج رباني سار عليه الصحابة والمسلمون من بعدهم، وهذا ما ذكره صاحب نهج البلاغة علي بن أبي طالب حين قال: “ما زال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإن ظن أنه علم فقد جهل”. لذا إن بناء الذات وصناعة الكيان الإنسان هو رديف الإيمان والوعي والنهضة.

ونختم بما قاله هنري فورد ذات مرة: “سواء كنت تعتقد أنه يمكنك فعل شيء أم لا، فأنت على حق”. لذلك، دعونا اليوم نوسع حدود قدراتنا.