التكافل بين المخلوقات

كثيرة هي الشواهد الدالة على “التكافل الطبي”، وتبادل المنافع بين أنواع من الكائنات الحية. وفي هذا المجال يُشار إلى “التكافل التنظيفي/ الغذائي/ الحمائي”. حيث توجد حيوانات وطيور وأسماك تعمل على تنظيف/ التهام الحشرات والطفيليات، وبقايا غذاء شريكه (التكافلي) الآخر. فمن هذه الأمثلة ما يحدث بين التمساح، وصديقه طائر “الزقزاق المصري”/ أو عصفور التمساح (بلوفيانس أنجيتوس)، الذي يلازمه دومًا، جاثيًا بين فكيه لينظف أسنان التمساح، كأفضل ما يكون التنظيف والعناية بالأسنان. ويمكث التمساح هادئًا مطمئنًّا، حريصًا على ألا يطبق فكيه حتى ينتهي عمل صديقه الصغير. والذي يصفق بجناحيه منذرًا، إذا ما رأى عدوًّا، أو أحس خطرًا.. فينساب التمساح إلى الماء هربًا!

ويورد “القزويني” (ت 682هـ) في “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات” تفصيلات أخرى حول هذا العصفور فيقول عند حديثه عن التمساح: “وإذا أكل يبقى في خلل أسنانه شيء يتولد منه الدود، فيخرج من الماء ويفتح فاه مستقبلاً الشمس فيأتيه طائر مثل العصفور ويدخل فاه ويلتقط ما في خلل أسنانه، فإذا رأى صيادًا رفرف وصاح وأخبر التمساح حتى يرجع إلى الماء، فإذا أحس التمساح أنه نقى خلال أسنانه أطبق فاه على الطائر ليأكله، وقد خلق الله تعالى على رأس ذلك الطائر عظمًا أحد من الإبرة فيضرب به حنك التمساح، فيرفع حنكه فيطير الطائر”.

وقد أورد “أبو عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ” (ت 255هـ) في كتابه الأشهر “الحيوان” القصيدة الطويلة للشاعر “بشر بن المعتمر” (ت 210هـ) التي تناول فيها عالم الحيوان وما فيه من صنوف وأشكال وأعاجيب. ولعل هذه القصيدة كانت سببًا في قيام “الجاحظ” بتصنيف مصنفه الأشهر “الحيوان”. ومن ضمن أبيات قصيدة “بشر” يقول:

وتمسح خلله طائر   وسابح ليس لها سحر

ويشرح “الجاحظ” الشطر الأول بهذا البيت قائلاً: “فالتمساح مختلف الأسنان، فينشب فيه اللحم، فيغمه فينتن عليه، وقد جعل في طبعه أن يخرج عند ذلك إلى الشط، ويشحا فاه لطائر يعرفه بعينه، يقال إنه طائر صغير أرقط مليح. فيجيء من بين الطير حتى يسقط بين لحييه ثم ينقره بمنقاره حتى يستخرج جميع ذلك اللحم، فيكون غذاءً له ومعاشًا، ويكون تخفيفًا عن التمساح وترفيهًا. فالطائر الصغير يأتي من هنالك يلتمس ذلك الطعم، والتمساح يتعرض له، لمعرفته بذلك منه”.

وكذلك هناك “منفعة تكافلية متبادلة” بين بعض الطيور والثدييات الكبيرة (مثل الجاموس، ووحيد القرن) التي تخلصها من كثير من الحشرات والطفيليات، وكذلك تحذرها من مخاطر الأعداء المفترسين مقابل ما تقتات عليه من هوام وحشرات وطفيليات تكون على جلد هذه الثدييات.