من هو الشيخ المجدد أمين الخولي؟

إذا ذكر الطهطاوي والكواكبي والأفغاني ومحمد عبده وكل من تأثر بخطهم وأفكارهم في التجديد الديني والسياسي والاجتماعي، حضر في الأذهان مباشرة، أن الحديث عن النهضة والتنوير والإحياء وأهم رواده ومؤسسيه، بل وأصبحت هذه الكوكبة من العلماء والمفكرين والمثقفين في شتى ميادين النهضة، علمٌ على هذا التيار تُعرف به ويُعرف بها، فهو الجيل الذي أسس لمفاهيم التجديد والعقلانية العربية والإسلامية المعاصرة منذ أواخر القرن 19 وبداية القرن العشرين، ولكن قد لا تعرف الأجيال الجديدة – وهذا مؤسف، بل مخجل – من هو الشيخ المجدد أمين الخولي (1895- 1966 م). وهو الذي عاش متربعًا على قمة الهرم الفكري في مصر ووطن العروبة وعالم الإسلام لأكثر من خمسين عامًا، هي جل عمره الذي تجاوز السبعين.

أن أمين الخولي كان صانع رجال، وصانع أساتذة، بأكثر مما كان مؤلفًا للكتب ومحققًا للمخطوطات على نفاسة ما كتب من كتب.. ودقة ما حقق من مخطوطات. ووصفه تلميذه ماهر شفيق فريد قائلاً: ” كان عظيمًا في إيمانه بكرامة الإنسان من حيث هو أنسأن، وفي رفضه كل ألوان المذلة والخنوع، أوليس هو القائل: (الوثنية الاجتماعية والسياسية كالوثنية الدينية، اعتقادية وعبادية، كلتاهما تجسيم وسطحية، تعوزها الآفاق السامية والمعاني الكريمة، فتلوذ بالشكليات والماديات. ولئن كانت الإنسانية على طول التاريخ قد شقيت بالوثنية الاعتقادية وتفاهتها، فأنها لأشد شقاء بالوثنية الاجتماعية وأنها لأعنف شقاءً بالوثنية السياسية خاصة لأنها تفسد في النفس كل مقومات الشخصية وكرامة الحرية) كان الشيخ الخولي مدركًا لخطورة الاستبداد السياسي والديني وسطوة التقاليد والعقائد الزائفة، وخطر هذه السلطات الثلاث على الوعي المجتمعي. وتحدث عنه صديقه في مدرسة القضاء الشرعي أحمد السنهوري منبهرًا ومتأثرًا بشخصيته قائلاً: ” كان جبار العقل، عميق الفكر، حلو المنطق، قوي الحجة، رصين الكلام، وكان غزير العلم، وفي أدب عظيم، وكان أمة وحده” بهذه الشهادات من تلامذته ومعاصريه، استطاع الخولي أن يكون استثناءً بين صناع التجديد والتنوير، بل أن يكون نسيجًا وحده.

الشيخ الخولي ونشأته الدينية والعلمية:

ولد الشيخ أمين الخولي 1 مايو 1895 بمحافظة المنوفية بمصر، وتوفي 9 مارس 1966. حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره. وتخرج في مدرسة القضاء الشرعي سنة 1920م، ليكون عضوًا بهيئة التدريس فيها، وكانت يومئذ إحدى مؤسسات التجديد للفكر الإسلامي.. أنشأها سعد زغلول سنة 1907، تحقيقًا لمقاصد الإمام محمد عبده في تجديد القضاء الشرعي. تتلمذ الشيخ الخولي- في مدرسة القضاء الشرعي- على يد عميدها محمد عاطف بركات وتأثر كثيرًا بمنهج الإمام محمد عبده في التجديد الفكري والاجتماعي. وكان الجدل الفلسفي والفكري يستهوي “الشيخ أمين”، حتى اشتهر به وبرع فيه.. حتى كان يبرهن لطلابه به على صحة الشيء ونقيضه!!

ولقد أسهم في ذلك اطلاعه الموسوعي على المذاهب الفلسفية اليونانية كالسفسطائيين، والأبيقوريين، والطبيعيين، والعقليين، والأفلاطونيين، ولقد خاض العديد من المعارك الفكرية، وخاصة مع شيوخ الأزهر في عصره.

وكان صاحب أسلوب متميز بالفحولة والعمق، كما كان واحدًا من شيوخ تحقيق التراث الإسلامي، وكان الشيخ أمين وطنيًّا ثائرًا، شارك في الحركة الوطنية المصرية، كما شغف بالمسرح، وكتب له خمس مسرحيات، وكون مع زملاء له جمعية فكرية أطلقوا عليها اسم “إخوان الصفا” ثم ” جمعية الأمناء” التي ضمت تلاميذه من خريجي كلية الآداب. في سنة 1923م عُين الشيخ أمين إمامًا للمفوضية المصرية بروما، ثم بالمفوضية المصرية ببرلين، فتعلم الإيطالية وبعضًا من الألمانية، ثم عاد إلى مصر سنة 1927 ليشغل وظيفة المدرس بكلية الآداب- جامعة فؤاد الأول – القاهرة حاليًا، وفيها تدرج حتى أصبح رئيسًا لقسم اللغة العربية، وتولى وكالة الكلية ثم اختير مدرسًا للفلسفة بكلية أصول الدين. فكتب لطلابها فصولاً عن “نشأة الفلسفة” وعن “الملل والنحل” كتب الشيخ الخولي في فنون المعرفة، منها في التفسير، والتشريع، والفلسفة، والأدب والنحو، والبلاغة. ومن آثاره الفكرية تاريخ العقيدة الإسلامية.. بحث تاريخي اجتماعي وكتاب الخير ونظرات الإسلام الاجتماعية.. أمس واليوم وغدًا والمجددون في الإسلام ومناهج التجديد وكناشة في الفلسفة وتاريخها وفن القول والجندية والسلم ورسالة في آداب البحث والمناظرة وأبو العلاء المعري ورسالة الأزهر في القرن العشرين وصلة الإسلام بتجديد المسيحية وغيرها من الأبحاث والمحاضرات. كان لمدرسة القضاء الشرعي دور كبير في بلورة شخصية أمين الخولي من خلال المناهج التدريسية التي كانت تمزج بين علوم الدين والدنيا أو العلوم النقلية والعقلية متجاورتين. فالتكوين الديني للشيخ الخولي تقليدي، إلا أن المقررات التعليمية في هذه المدرسة يدرس فيها التلميذ معارف الدين: كالتوحيد، والفقه والتفسير، والحديث… مضافًا إلى الجبر، والهندسة، وعلم الهيئة، ومبادئ الفلك والطبيعة، والكيمياء، والتاريخ، والجغرافيا، وأصول القانون وشرح لائحة المحاكم الشرعية ونظام المرافعات.

امتد عمر مدرسة القضاء الشرعي (23) عامًا فقط بسبب الصراع مع شيوخ الأزهر كون الشيخ الإمام محمد عبده وتياره الإصلاحي كان وراء فكرة أنشاء هذه المدرسة، فكما يقول الشيخ رشيد رضا: “ومازال الأزهر بعد أنشاء مدرسة القضاء الشرعي في أمرٍ مريج” استمر أثر هذه المدرسة في الفكر والفقه الإسلامي طويلاً وأنجبت علماء وأئمة ومفكرين عِظام من أمثال الشيخ مصطفى عبد الرازق، وإبراهيم مدكور، وأحمد أمين، وعبد الوهاب عزام، والفقيه الإمام محمد أبو زهرة، وعبد الوهاب خلاف، والشيخ المجدد أمين الخولي.

وكان من أهم أهداف هذه المدرسة أن يتلقى الطلاب التجربة السياسية والعلمية والاجتماعية التي أرادتها مدرسة التجديد الديني الحديث من تلامذة وأنصار محمد عبده وعلى رأسهم الزعيم الوطني الثائر سعد زغلول.

وأفاد الشيخ الخولي من خلال تواجده في أوروبا أن اطلع على الحياة الدينية والثقافية وجهود مفكري النهضة والتنوير اضافة إلى جهود المستشرقين ودراساتهم عن الإسلام وحضارته. هذه هي المناخات والسياقات التي شكلت شخصية الخولي على المستوى الديني والسياسي والفكري وأثرت أيّما تأثير في نزعته التنويرية ومشروعه التجديدي.

شيخ الأمناء وفكرة التجديد:

أسس الشيخ الخولي جماعة الأمناء عام 1944م لتكون مدرسة “الأدب والحياة” أو مدرسة “الفن للحياة”

شعارها ” كريم على نفسي”. ومعنى هذه التسمية “جماعة الأمناء” أن الذين ينتمون إلى هذه الجماعة كانوا من الذين استطاع الأستاذ أمين أن يطبعهم بطابعه الخاص، ولعلهم جميعًا يعترفون بذلك الطابع، فقد كان كل واحد منهم يذيّل توقيعه في آخر ما يكتب بعبارة (من الأمناء) ليؤكد هذا الانتماء، وليتميز به عن غيره من الكاتبين. هذا يوحي أن أمين الخولي جعل تلامذته أمناء على الثورة الفكرية التي كان يخطط لها ويدعمها في كل امتدادات التجديد والتطور في الدين والفكر والفن والاجتماع، بل والحياة برمّتها.

أن ما يثير الدهش والإعجاب في سيرة شيخ الأمناء أنه جمع في عمله الإبداعي بين التجديد في الدين وبين التجديد في الأدب واللغة وفي أساليبهما، وبين كتابة المسرح والاهتمام بالموسيقى. وكان يؤمن أن التغيير سنة الحياة، والتطور والتجديد ناموس العمران، والتحول دستور المجتمع. فهو يدرك أن اهتمامه بالبحث في التجديد في الدين لا ينبع فقط من إيمانه بالعقل وبالتطور. بل هو يعتبر في مقال نشره في مجلة “الرسالة” بعنوان “التجديد في الدين” أن في الدين فكرة واضحة عن التجديد تبين ناموسًا كونيًّا وتنبه إلى سنة اجتماعية مطردة لا تتبدل إذ ورد في الحديث النبوي الشريف (أن الله يبعث لهذه الأمة، على رأس كل مائة سنة، من يجدد دينها) يمثل هذا الحديث دستورًا كاملاً لحركية الدين وديناميته في مجال صيرورة الزمن فهو تجدد دائم يدوس أصنام الصيغ التي أعاقة انطلاقة العقل المتشوق للخلق والإبداع والتجديد. لأن التجديد حاجة دائمة، وسيرورة اجتماعية وسياسية وثقافية، بدونه تتجمد الحياة وتفقد رونقها، وتدخل الثقافات نفق الاندثار والموت.

وحول فكرة التجديد وأهميتها في الحياة يقول الخولي: “قد ملك النفس شعور الحياة بالحاجة الماسة الملحة إلى تجديد تطوري يُفهَم به الإسلام، الذي يقرر لنفسه الخلود والبقاء، فهمًا حيًّا، يتخلص من كل ما يُعرّض هذا البقاء للخطر، ويعوق الخلود إذا ما صح العزم على هذا الفهم الجديد، الذي مضت سنوات في تقرير أصوله وأسسه درسًا وتعليمًا وتدوينًا. ومن حق الحياة أن نحرص على سلامة هذا الفهم، وبقائه، ونجاته كذلك من المهاترات وما تُحدثه من خسائر، تكبدتها الحياة في كثيرٍ من خطوات سيرها التي لا مفر لها منه ما دامت حياة”

ومن أهم المقولات التي كان شيخ الأمناء يتبناها ويحض تلامذته على تمثّلها في منهج التجديد الديني هي قوله:

“أول التجديد قتل القديم بحثًا وفهمًا ودراسة ” أما إذا مضى المجدد برغبة بالتجديد مبهمة، وتقدم بجهالة للماضي وغفلةٍ عنه، يهدم ويحطّم ويشمئز ويتهكم، فذلكم تبديد لا تجديد. مقولة سديدة للغاية موفقة للغاية. توحي بأن الخولي على وعي كبير بأهمية التجديد وخطورته في نفس الوقت.

يُصر الشيخ الخولي على أن للمفسر دور مهم في عملية أنتاج المعنى من النص وأن شخصيته مؤثرة في هذا السياق وغير ملغاة، ثم ألا يكون النص خادمًا لرؤية أحادية. وعن طريقته في “التفسير الأدبي للقرآن” يقول الخولي: “إن التفسير اليوم -فيما أفهمه- هو الدراسة الأدبية، الصحيحة المنهج، الكاملة المناحي، المتسقة التوزيع، والمقصد الأول للتفسير اليوم أدبي محض صرف، غير متأثر بأي اعتبار، وراء ذلك … وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه، هذه هي نظرتنا إلى التفسير اليوم وهذا غرضنا منه”. إن “مقصد التفسير الأدبي عند الخولي ليس أدبيًا أو فنيًّا، لأنه يرفض أن يكون الأدب للأدب، أو أن يكون الفن للفن” لأن النص القرآني يتغيا الهدى والرحمة، وليس الهدف الأدب بوصفه أدبًا، أو الفن بوصفه فنًا، ويتلخص منهج التفسير عند الخولي بـ “أن يفسر القرآن موضوعًا موضوعًا، لا أن يفسر على ترتيبه في المصحف الكريم سورًا أو قطعًا”.

الدفاع عن نظرية التطور وتوظيفها إسلاميًّا

لم يكن شيخ الأمناء بدعًا في تبني نظرية التطور الداروينية والدفاع عنها ونقلها من عالم الأحياء والبيولوجيا إلى حيز الاجتماع والدين بوصفها فلسفة اجتماعية وفلسفة للتنوير والتقدم. فقد كان التطور مقولة رفعت لواءها المدرسة العلمية العلمانية المناوئة لكل الخطوط السلفية والأصولية والدينية، وهي مدرسة سلامة موسى وشبلي شمّيل واسماعيل مظهر. فحاول أمين الخولي توظيفها اسلاميًا وتسخيرها لخدمة الفكر الديني وضرورة التجديد فيه. بل وأصر على منحها مشروعية، في ضوء ما يحاكيها ويقاربها من إشارات في “رسائل إخوان الصفا” وآثار ابن مسكويه، وابن سينا، وابن طفيل، وابن حزم، وعالم الاجتماع وفيلسوف العمران ابن خلدون، وغيرهم ممن ألمحوا أو صرحوا بتصنيف الموجودات في سلّمٍ تراتبي. لم يعتبر الخولي أن ناموس التطور خاص بعلم الأحياء، بل أكد على أن مفهوم التطور هو الناموس الشامل في الخلق والحياة فكتب يقول: “صار كل باحثٍ يتصدى لدرس شيءٍ من ذلك ويتقدم إليه مُسَلّمًا بعمل ناموس النشوء فيه، فيما مضى وفيما هو آت، ولم يعد الباحثون يقبلون القول بظهور كائن كامل الوجود دفعةً واحدة، فكرةً كان أو لغةً أو فنًا أو حضارة… أن ظهور الفكرة الجيدة يشبه في تطور الحي ظهور صفات جديدة في نوع من الأحياء تخالف الصفات القديمة، وقوة يقين أصحاب الفكرة الجديدة بصحتها وصلاحيتها تقابل درجة قوة الصفات الجديدة في الحي على البقاء، وأن صلاح البيئة الاجتماعية لحياة الفكرة الجديدة ومعاكستها لحياة الفكرة القديمة، تقابل حالة البيئة الطبيعية بالنسبة لصفات الكائن الحي الجديدة. وأن قوة اقتناع أصحاب الفكرة الجديدة بها، وترسيخهم لها، في أذهان الناس، تشبه قوة الحي على إفناء منافسه وإبادته. واقتناع الناس رويدًا رويدًا بالفكرة الجديدة وانسلاخهم من الفكرة القديمة يشبه موت الأفراد الضعاف في التناحر المادي. وأن تأصّل الفكرة وثباتها في نفوس معتنقيها يشبه تأصل صفات الحي الجديدة في نسله ورسوخها في البيئة”. أصبحت نظرية التطور هاجسه الدائم ومثلت له منهجًا للترقي والتدرج ثم التقدم نحو الأصلح والأنسب للبقاء في كل مناحي الحياة المادية منها والمعنوية.

ويذهب الخولي في توسيع وشمولية فكرة التطور عنده، حتى تصل إلى إمكانية تطور العقائد والعبادات وغيرها من أصول الدين وفروعه فيقول نصًا بأن: “تطور العقائد ممكن، وهو اليوم واجب لحاجة الحياة إليه، وحاجة الدين إلى تقريره، حماية للتدين، وإثباتًا لصلاحيته للبقاء، واستطاعة مواءمة الحياة، مواءمة لا يتنافر فيها الإيمان مع نظر ولا عمل” إذن التطور عنده يمس حتى أصول العقائد نفسها، وهذا ما يسمى في المصطلح الفلسفي، التجديد في علم الكلام والذي قال به بعض المفكرين المعاصرين كشبلي النعماني وأحمد خان في الهند ومن المتأخرين كذلك اهتم المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي بهذا العلم في كثير من كتاباته ومحاضراته. هنا يعبر الخولي عن نمط تجديد نوعي وتطور جذري يستجيب لاحتياجات الواقع وتحدياته. فيقول: “إن ذلك التجديد- التطور- الجذري في رؤوس القرون هو العمل الثوري الكبير الذي تحتاجه الأمة، كأنما هو ثورة اجتماعية دورية”.

الشيخ الخولي وتدشينه للهرمنيوطيقا

لا بد أن الفترة التي مكث فيها أمين الخولي في ألمانيا أتاحت له فرصة تعلم اللغة الألمانية ثم الاطلاع على جهود المفكرين والفلاسفة الألمان وبالتحديد فيما يتعلق بالهرمنيوطيقا ودراستها والتعرف على أهم رموزها، فالهرمنيوطيقا في العصر الحديث ألمانية المنشأ. استطاع أمين الخولي وتلامذته من خلق تيار حداثي في قراءة النصوص التراثية وأهمها ما يتعلق بالنص القرآني وقراءته وفق مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة، تتجاوز المناهج والمفاهيم والأدوات التراثية في فهم هذا النص. عبر توظيف الهرمنيوطيقا في فهم القرآن وتفسيره، ويذكر المفكر عبد الجبار الرفاعي أنه: “عند اطلاعي على التعقيب الذي كتبه أمين الخولي على مقالة “التفسير” في: “دائرة المعارف الإسلامية” وجدته يتحدث عن أفق مختلف ومنهج بديل لتفسير النص القرآني وتأويله، في ضوء أدوات ومفاهيم جديدة، يستعيرها من الهرمنيوطيقا الألمانية” ويؤكد الخولي من خلال منهجه الجديد في قراءة النص الديني بأن يكون هناك علاقة تبادلية وتكاملية بين النص القرآني من جهة والمفسر من جهة أخرى، على خلاف الصورة التي كانت موجودة في التراث الإسلامي حول تفسير القرآن، بأن يصبغ المفسر النص بأيديولوجيته العقائدية أو المذهبية فيأتي بالنص ليدعم مذهبه الكلامي أو الفقهي أو اللغوي، فيغدو النص لخدمة الأيديولوجية وليس العكس.

ومن هنا يتحدد مدخل التجديد عند الخولي والمدرسة الحديثة كلها في وظيفة المفسر أولاً، وفي مكانة النص ثانيًا، فليس مقبولاً عند الخولي أن يظل التفسير المعاصر أداة لاختيارات مذهبية وتوظيفات دعوية مهما كانت أهميتها.

فيجب أن تكون العلاقة بين النص والقارئ له، علاقة حوار مستمر يجعل النص مفتوحًا دائمًا لفهم جديد وتأويل جديد، من هنا تغدو النصوص معاصرة دائمًا، لا تنقضي عجائبها ولا تخلق على كثرة الرد. اشترط الخولي بأن يأتي المفسر أو المؤول للنص متسلحًا بفنون المعرفة الإنسانية من فلسفة وعلم نفس وعلم اجتماع وغيرها من العلوم الحديثة. وأعلن مرة أن أنفس ما يقتبس عن الغرب في الدراسات الشرقية والإسلامية إنما هو أساليب البحث العلمي، وطرائق النقد الدقيق الحر المنظم.

وفي هذا السياق استطاع أمين الخولي كرجل دين مستنير أن يؤسس للاتجاه الأدبي في تفسير النصوص والدينية منها على وجه الخصوص، فهذا ما أشار إليه المستشرق الألماني المعروف شيفتان فيلد بتحرير كتاب “القرآن كنص” وفي مقدمته لهذا الكتاب أشار فيلد إلى أن المجدد المصري أمين الخولي كان أول من دعا في ثلاثينيات القرن العشرين إلى “منهج التفسير الأدبي للقرآن”. وخلاصة رؤية الخولي ومنهجه في التفسير الأدبي للقرآن، أن “أصبح التفسير في رأيه عملية حوار وإنتاج متبادل للمعنى، يشترك فيها المفسر مع النص وما عبر عنه “بأفق المفسر وذلك ما شرحته الهرمنيوطيقا الحديثة، بوصفها “فنًّا للفن” أو قراءةً للقراءة، أو فهمًا للفهم، أو تفسيرًا لكيفية تلقي المفسر للنص، وطريقة إنتاجه للمعنى المقتنص منه، في ضوء: أفق انتظاره، ورؤيته للعالم، وإطار ثقافته، ومسلماته وأحكامه المسبقة، وبذلك يصبح التفسير لدى الخولي مقاربة هرمنيوطيقية للنص”.

ختامًا

إن أهم ما يميز شيخ الأمناء وتلامذته الجرأة والأصالة معًا، فكما كانوا أوفياء للتراث لأنه يمثل العمق الثقافي والحضاري لأمتهم، كذلك كانوا أمناء مع كل الحقائق العلمية والمعرفية التي أنجزها العقل الغربي بعد عصر النهضة والتنوير. خصوصًا فيما يتعلق بالدراسات اللغوية ونقد النص الديني، فلم يترددوا في تَمثّل “الهرمنيوطيقا” وتوظيفها في الفضاء الثقافي الإسلامي، لتخرج النص الديني من الفضاء الضيق إلى الفضاء المتسع، وتحريره من سلطة المعنى الواحد.

كتب الدكتور لويس عوض أستاذ الأدب الإنجليزي على صفحات الأهرام (11/ 3/ 1966) يرثي الخولي تحت عنوان “فقيد كبير”، فقال: “عرفته لأول مرة منذ خمس وعشرين سنة، وكان أستاذًا كبيرًا وكنت مدرسًا صغيرًا وما وقعت عيني على أمين الخولي قط إلا وطافت في مخيلتي صور الخالدين من فقهاء الكوفة والبصرة وقاهرة المعز لدين الله، كان مجادلاً لا باللفظ والنبرة ولكن بالفكر والمنطق والعلم الغزير، كل من جلس بين يديه يتلقى العلم عليه ارتبط به ارتباط المسحور بالساحر، من عرفه لا يمكن أن ينساه لا لعلمه وقوة عقله فحسب، ولكن لأن شباب فكره أثبت لجيلنا أن القديم يمكن أن يتجدد بماء الحياة فيطاول أحدث الحديث.