تقنيات فن التحنيط على العديد من المخلوقات وليس على البشر فقط

قصة التحنيط والأدوات التي كان يستخدمها المصري القديم لحفظ الجثث

متحف التحنيط ب الأقصر هو الأول من نوعه في العالم حيث يحكي قصة التحنيط والأدوات التي كان يستخدمها المصري القديم لحفظ الجثث. تم افتتاح هذا المتحف عام 1997م والذي يهدف إلى توضيح أهم تقنيات التحنيط التي كان يستخدمها الفراعنة وتم بناؤه في جهة الشمال من معبد الأقصر على كورنيش النيل بمدينة الأقصر وقد قام القدماء المصريون بتحنيط العديد من المخلوقات وليس الإنسان فقط.

كان يمكن أن يظل هذا المتحف مجرد صالة للعرض رغم ما يملك من إمكانيات. كان يمكن أن يظل مجرد فاترينة رائعة تقدم فنون التحنيط الفرعوني، ويجلس موظفوه يجترون أحاديث الحياة اليومية المتكررة والمملة، ويخرجون في نهاية يوم العمل بعد تثاؤب عميق إلى منازلهم في انتظار يوم عمل جديد ممل أيضًا. ولكن الأثري المتدفق حيوية أحمد صالح مدير متحف تحنيط الأقصر ومساعده الأثري محمد يحيى ورفاقهم استطاعوا أن يطوروا رسالة المتحف من مجرد صالة للعرض إلى ساحة للترويح والسياحة والتعليم، والثقافة والبحث العلمي والإعلام.

لقد تحول متحف التحنيط بالأقصر إلى جامعة مفتوحة، تذخر بمركز متطور للمعلومات وندوة أسبوعية للثقافة الأثرية والقومية والعامة، ومحاضرات شتى عن القصة القصيرة في الأدب الفرعوني ومعبد دندرة والإله سوبك وفن الكاريكاتير في مصر القديمة وفنون الأزياء والماكياج في التاريخ الفرعوني ومدى تأثر البطالمة بفن المقبرة الفرعونية…إلخ.

على كورنيش النيل بالأقصر ترى مجموعة بيضاء بارتفاع “متر أو متر ونصف” تقترب منها فترى لوحات الفسيفساء لجداريات مصرية قديمة، تنزل السلم فترى باب زجاجي وراءه شاب أسمر نحيل تجلس معه فيقول لك: إن هذا هو متحف التحنيط، ويأخذك من يدك إلى داخل قاعة مظلمة إلا من إضاءة خفيفة مسلطة على فاترينات العرض وفي هذه الفاترينات ترى مومياء لرجل متوسط الطول أسمر اللون أيضًا ملفوفة بثوب “كتان”، ومومياء لـ”نعجة” اسمها الإله “خنوم” و”بطة” و”أنوبيس” حارس الجبانات ورمزه “ابن أوى” و”قرود” وأجسام عجيبة جدًّا.

فكرة التحنيط

التحنيط ببساطة يعني: حفظ الجسد البشري أو الحيواني من عوامل التحلل، وأصل كلمة التحنيط عربي خالص وقد ظهرت عندما رأى العرب الأجساد المحنطة لونها أسود ويقال: إنها مشتقة من كلمة “حنوط” أي المواد التي يستخدمها الحانوطي وليس “الحانوتي” في غسل الجسد.

وفكرة التحنيط تدخل في الإطار الديني لأنها لدى المصريين القدماء مرتبطة بالتقسيم الذي عرفوه، وهو أن الإنسان يتكون من “روح” و”جسد”، ولأن الروح من وجهة النظر المصرية القديمة ستخرج من الجسد لتعود إليه فكان لا بد من طريقة للحفاظ على ملامح الجسد لتستطيع الروح التعرف إليه.

وبدأ المصريون يفكرون في “التحنيط” منذ زمن مبكر في تاريخهم وأقدم مومياء فرعونية محنطة يرجع تاريخها إلى أوائل الأسرة الخامسة “القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد”، ولكن هذا لا يعني أنهم عرفوا التحنيط بدءًا من ذلك التاريخ، بل سبقته تجارب وخبرات عرفها المصريون من البيئة والطبيعة، فكان هناك ما يسمى “بالتحنيط الطبيعي”، ولأنهم كانوا يدفنون موتاهم في مقابر جماعية فكانوا في كل مرة يفتحون المقابر يرون أن بعض الجثث ما زالت بحالة جيدة وملامحها موجودة فكانت هذه بداية فك اللغز. عرفوا أن الحرارة تساعد على تجفيف الجسد من الماء والرطوبة، ثم أضافوا إلى رصيد خبرتهم فكرة الملح ودوره في التجفيف بدليل قيامهم بالاستعانة به في تجفيف وحفظ الأسماك.

وهناك أقدم مومياء فرعونية محنطة بالتحنيط الطبيعي في المتحف البريطاني ويرجع تاريخها إلى عصور ما قبل الأسرات حوالي “القرن الرابع والثلاثين قبل الميلاد”. إذن التحنيط نشأ في البيئة المصرية ونتيجة للخبرات والأفكار المصرية، وساد في طريق التطور حتى وصل على درجة الاكتمال في عصر الأسرة “الحادية والعشرين” أي سنة 1000قبل الميلاد.

أنواع التحنيط

على الرغم من قلة المصادر والمعلومات المتوافرة حول عملية التحنيط إلا أن مصدر المعلومات المتوافر هي الأوراق القليلة والبرديات المصرية وأقوال المؤرخين الكلاسيكيين الذين زاروا مصر اعتبارًا من القرن الخامس قبل الميلاد، بالإضافة إلى الفحوص والدراسات التي تجري على المومياوات المصرية سواء الآدمية أو الحيوانية. وعندما زار “هيرودوت” مصر عام 500 قبل الميلاد لم يكن يعرف اللغة المصرية ولم تكن لدى الكهنة الرغبة في التعاون معه فجاءت معلوماته عن التحنيط وصفية وليست تحليلية وقد ذكر هيردوت معلومات عن التحنيط فقال: إن هناك ثلاثة أنواع منه أو ثلاثة طرق له: الطريقة الأولى: كانت خاصة بكبار رجال الدولة والمرتبطين بالبلاط الملكي وهم الذين يملكون المال لذا فقد كان الكهنة يعرضون عليهم النموذج الأرقى ويتكلف مبالغ كبيرة ثمنًا لمواد التحنيط التي يتم استيرادها من لبنان واليونان والصومال. الطريقة الثانية: للطبقة الوسطى وتستلزم حقن الجسد بحقنة “زيت الأرز” باعتبارها مادة حافظة بالإضافة إلى التجفيف فقط أما الطريقة الثالثة وهي الخاصة بالفقراء فكانت عبارة عن تجفيف الجسد فقط بدون حقن بمواد حافظة ولا دهان، لهذا لا يمكن العثور على مومياء بحالة جيدة لمصري فقير من عصور الفراعنة.

كانت هناك ورشة مخصصة يمكن أن نسميها بـ “غرفة عمليات” مجهزة بالأدوات والمشارط والمقصات الطبية والإبر والمواد الحافظة التوابل وملح النطرون والأواني المستخدمة.

أما عن الخطوات فقد كانت تبدأ باستخراج أنسجة المخ من الجمجمة ــ لأن وجودها يهدد الجسم المتحلل ــ ثم عمل فتحة في الجانب الأيسر للجسم لاستخراج أعضاء جسم المتوفى “المعدة والأمعاء والرئتين والقلب والكبد” ثم تجفيف الجسد لتخليصه من الماء وهذه العملية كانت تستغرق “أربعين يومًا”، ثم حشوا الجسم بالمواد المجففة وسد أنسجة الجلد بزيت الأرز، وبعد مرور سبعين يومًا يوضع المتوفى في التابوت الجنائزي.

مقتنيات المتحف

يضم المتحف الذي تبلغ مساحته نحو 2035 مترًا مربعًا أكثر من 150 قطعة فرعونية قديمة، من بينها “سرير التحنيط” الذي يستخدم في عملية التحنيط والذي تم العثور عليه مكسورًا في المقبرة رقم 63 بوادي الملوك. فضلاً عن وجود عدد من الأدوات الخاصة بالتحنيط المتواجدة بالمتحف – الأزبيل لتفتيت المخ – الأسبتيولة والملعقة للتنظيف الداخلي – الموس لعمل فتحة بالجانب الأيسر من البطن -المقص والملقاط والمشرط لفصل واستئصال الأحشاء – الفرشاة للتنظيف الجاف الداخلي – الخرازة لترميم العظام عند الضرورة – الإبرة لخياطة البطن – ملح النطرون ونشارة الخشب الذي كان يستخدم كحشو مؤقت في التجويف الصدري والبطني – وأخيرًا قطعة من جلد قديم”. ويضم المتحف أيضًا مناظر تحاكي تمامًا برديتي “حونيفر” و”آني” اللتان يرجع تاريخهما إلى 1200 سنة قبل الميلاد، فيما يستقر الأصل في المتحف البريطاني. هذا بالإضافة إلى “سرير التحنيط” الذي يتكون من 3 حمالات خشبية منفصلة ملفوفة بالكتان ومزينة برأسي أسد.

وينقسم المتحف إلى قاعة العرض التي تضم بدورها قسمين الأول: وهو الطريق المنحدر حيث توجد عشر لوحات معلقة تبين تفاصيل طقوس الموكب الجنائزي والإجراءات التي تتبع من الموت وحتى الدفن من واقع برديتي “حونيفر وآني” المعروضتين في المتحف البريطاني والثاني ويبدأ في نهاية الطريق المنحدر وتعرض فيه أكثر من 60 قطعة في 19 نافذة عرض زجاجية وقاعة محاضرات وغرفة الفيديو.

ويوجد بالمتحف مومياء الأمير “ماسحرتي” في تابوته “ابن الملك بانجم الأول والذي كان كبيرًا لكهنة آمون وقائدًا للجيش”، وهي المومياء البشرية الوحيدة الموجودة بالمتحف ويوجد أيضًا صناديق أحشاء الملكة حتب والدة الملك خوفو بالإضافة إلى قطعتين حديثتين هما عينة حديثة من ملح النطرون من وادي النطرون غرب الدلتا، والبطة المحنطة حديثًا التي حنطها المصري زكي إسكندر في محاولة للوصول إلى طريقة تجفيف الجسد وتحنيطه.

ويضم المتحف عدد من الحيوانات والطيور المحنطة التي ربما كانت تعيش في عصر الفراعنة فقط مثل مومياء طائر “أبو منجل” ومومياء لقرد في الناووس، فضلاً عن مومياء تمساح حديث الولادة ومومياء سمكة قشر بياض وجدت في إسنا، ومومياء لقطة كان يرمز بها في مصر القديمة بـ”باستت”، وكبش محنط مغطى بقناع مذهب من الكرتوناج وجد في جزيرة الفنتين. علامة “العنخ” رمز الحياة عند المصري القديم والعمود “جد” رمز الثبات والاستمرار.

ويوجد أيضًا تمثالي “نفتيس” و”إيزيس” إلهي حماية المتوفى كما يوجد نموذج لمركب جنائزي لنقل جثمان المتوفى عبر النيل إلى البر الغربي، وغيرها من المقتنيات القديمة التي توضح مظاهر الحياة الدينية والاجتماعية عند المصريين القدماء وكيفية تقديسهم للإله وحرصهم على أداء الشعائر والطقوس الدينية المختلفة.

وتتمحور معروضات متحف التحنيط حول 11 موضوعًا أساسيًّا هي: آلهة مصر القديمة ومواد التحنيط والمواد العضوية وسوائل التحنيط والوسائل المستعملة في عملية التحنيط، وأوان كانوبية لحفظ الأحشاء الداخلية للمتوفى وكانت تتخذ شكل أبناء حورس الأربعة وهم “إمست” و”حابي” و”دواموتف” و”قبح سنوف”.

ويوجد نموذج لمركب جنائزي لنقل جثمان المتوفى عبر النيل إلى البر الغربي وكانت توضع في المقابر أو صور على جدرانها، حيث كان يجب على كل مصري سواء في حياته أو مماته أن يستخدم مركبًا ليقوم برحلة أبيدوس حيث مقر دفنة “أوزوريس” إله العالم الآخر ومومياء لتمساح والذي كان يرمز في مصر القديمة للمعبود “سوبك” رب الماء والخصوبة، حيث عثر عليه في مقصورة بمعبد “كوم امبو” إذ كانت المدينة أهم مراكز عبادته وكان المصري القديم يربيه في بحيرات ضمن ملحقات المعبد والإله “سوبك” هو رب مدينة التماسيح بالفيوم عند المصري القديم، وعبد هناك وكرس له جزء من معبد عظيم وعبد في منطقة الدهامشة في أرمنت بالأقصر، وروى عنه المؤرخ “هيرودوت” أن هذه التماسيح كانت تزين وتطعم وتضع لها أقراط من الذهب أو الأحجار الصناعية في آذانها، كما توضع الأساور في أقدامها الأمامية ويقدم إليها طعام خاص، وكان يعتنى بها اعتناء خاص أثناء حياتها وعندما تموت تحنط وتوضع في توابيت مقدسة.