إن أكثرنا يجهل تاريخنا في الهند، وتاريخ الإسلام في الهند يعدل ربع التاريخ العام، ذلك أننا حكمنا هذه القارة الهندية نحوًا من ألف سنة (علي الطنطاوي).

وللهند رصيد ثري في إثراء المكتبات الإسلامية وفي اقتناء المخطوطات العربية والأردية والفارسية، وقد تألق اسمها بمكتباتها الضخمة التي ما زالت تخدم الأمة، ولسلاطين المغول وقبلهم سلاطين دهلي الحظ الأوفر في بناء مجتمع قارئ واعٍ، إذ كانوا شغوفي الكتب والفنون، ومحبي العلم والعلماء، ويجدر هنا ذكر السلطانة رضية الملقبة بعالم نواز، وهي أول مرأة تتربع على عرش مسلمي الهند، إذ كانت توفر كل التسهيلات والسبل للعلماء، وتمدهم بعطايا ثمينة، فمن أبرز السلاطين المغول الذين اهتموا بالكتب والكتاب، مؤسس السلطنة المغولية ظهير الدين بابر الذي أول من أسس مكتبة في الهند، إذ كان من أصول أزبكية، وأوزباكستان مشهورة بعواصمها العلمية من بخارى وسمرقند، وكان بلاطه معمورًا بذوي الخبرات العلمية،

وللسطان أكبر مسيرة استثنائية في اقتناء الكتب، إذ حافظ على إرث جده بابر حفاظًا يليق ملكيًّا، وأسس مكتبة جديدة في مدينة فتح فور سكري، وكانت تضم أربعة وعشرين ألف مجلد، وخصص مكتبًا خاصًّا للترجمة، وقد كلف كل كاتب أن يرسل نسخة واحدة إلى المكتبة الملكية، وشكل لجنة للفهرسة وبلغ في عصره فن التجليد ذروته، وأصبح المجلدون يصممون أغلفة جميلة وأنيقة، وفي عهد جهانكير الذي كان شغوفًا بعلم الرياضيات واللغات والعلوم ازدهرت العلوم وتبلورت، وأصدر قرارًا بنقل تركة المتوفى إلى المدارس في حالة لم يوجد أي وارث، ويعتبر عصر الملك شاهجان العصر الذهبي للمغول حضارة وإدارة، إذ كان رفيق العلماء والشعراء، وكان بلاطه ممتلأً بذوي الخبرات والموهوبين، يقدم لهم هدايا قيمة شأن الخلافة الأموية والعباسية، وكانت مدينة لاهور وجونبور وأحمد آباد زاخرة بمدارس ومعاهد علمية، وفي عهد أورنكزيب كذلك، اهتم بعلماء الدين، وإليه ينسب الفتاوى عالمغيرية المشهورة بالفتاوى الهندية التي جمعت على المذهب الحنفي ليكون إليه المرجع، وجاء ترتيب هذا الكتاب على منوال كتاب الهداية شرح بداية المبتدئ للإمام المرغيناني، وتم طباعته من القاهرة في ست مجلدات ضخمة، فكل مجلد يضم أكثر من خمسين مائة صفحة، وإلى جانبه أن السلطان أورنكزيبا كان ماهرًا في فنون الخط، وكان كاتبًا بارعًا، حفظ القرآن واستعمل الآيات القرآنية في خطه، وباختصار أن المكتبة المغولية الإمبراطورية حبلى بأندر المؤلفات والمخطوطات التي تقف خير شاهد على خدمات السلاطين المغول للمعرفة والفنون، وفي زمن المغول كانت النساء أيضًا تكتب وتقرأ، وتقرض الأشعار وتفهرس الكتب، فمن الأسماء اللامعات سالم السلطانة بيغم (1612) وغول بادان بيغم (1603) ونور جهان بيغم (1645) وممتاز محل (1631)، وتكاد تكون عنوانهن العالمة بنت السلطان أورنكزيب زيب النساء بيغم، التي تضلعت في العلوم الدينية إلى جانب أنها كانت تغني وتلحن للأغاني، وقدم لها العلماء مؤلفاتهم، ولها تفسير “زيب التفاسير”.

ولم تقتصر هذه التفاعلات العلمية في العاصمة دهلي فقط بل كانت لها صدى واسع في مناطق بلكرام ودارياباد ومرشداباد، وكانت مساجدها مملوءة بالكتب التي أهداها إليها العلماء لتكون المساجد مكاتب عامة،

 ولا يخفى أن المعاهد العلمية والتفاعلات المعرفية وتحركات العلماء هي التي تثبت على أن الممالك والإمبراطوريات إلى حد ما تهتم بالعلوم والثقافة، فللإمبراطوريات الإسلامية نصيب أوفر في هذا المجال، كانت ربة العلوم وحاضنة الفنون ليكون العالم الإسلامي سباقًا إلى التحضر والتقدم.

فحين كانت جل جهود السلاطين المغول في شمال الهند خبا ضوء جنوب الهند قليلاً إلا أنه الآخر في خدمة العلوم والعلماء ولا سيما في عهد تيبو سلطان الذي بسط نفوذه في ميسور في ولاية كرنادكا التي تقع جنوب الهند، وكان ملكًا صالحًا عادلاً شجاعًا، واشتهر بأسد ميسور، خاض معارك عديدة ضد الاحتلال الإنجليزي، وكانت في مكتبته الخاصة أكثر من ألفي كتاب، بعضها ألفها بنفسه والآخر اشتراها من أوربا، فكل كتاب مختوم بسلطنة خداداد (السلطة الموهوبة من الله)، وبعض الكتب تم تجليدها بالجواهر والدرر لتكتشفها الإنجليز وتصدرها إلى بلدهم أيام احتلالهم.

وفي ولاية رامبور الهندية كانت لواليها محمد سعيد خان (1840-1855م) مكتبة خاصة تسمى بكتب خانة رياسة رامبور، وكانت ثرية بالكتب الفارسية والأردية والعربية، وهي زاخرة بالمخطوطات.

والمكتبة الأخرى التي ما زالت في خدمتها مع استخدام الآليات الحديثة هي مكتبة خدا بخش التي بناها خدا بخش خان، ولي مقال عن هذه المكتبة العجيبة وقلت فيه: “إنه من الجدير أن نضيف أعجوبة أخرى في قائمة عجائب الدنيا التي أبهرت الأمم وأعيت الأيام على هزيمته” هكذا اختتم كلام الشاعر الأردي شميم كاكوري وهو يتحدث عن مكتبة خدا بخش التي ضمت في جوانحها ملايين الكتب وآلاف المخطوطات النادرة التي استقطبت كل عشاق الآثار العلمية واستوقفتهم ماضيًا وحاضرًا، فقصة خدا بخش ليست هي حكايات عن مكتبة احترست الكتب ورابطت على ثغور الآثار العلمية واكتفت بحمايتها ورعايتها بل هي تمتد إلى ظاهرة لا تتكرر، إنه العلامة خدا بخش خان، عاشق الفنون والعلوم الذي أفنى شبابه واستثمر صحته وطاقته في تحقيق هذه المهمة الصعبة التي لا يحلم بها الكثير، فإنها حكايات من المخاطرة ، وحياة على متن التضحية والتفاني في سبيل خدمة العلم والأقلام وحفاظة التراث من غبار الأيام.

مكتبة خدا بخش : حقائق تدهشك

أكثر من 282904 مطبوعات،2136 مخطوطات نادرة قيمة، مجلات أكاديمية لا تحصى، وجرائد تتكدس، وتسجيلات صوتية تدهش، ودمغات تاريخية نادرة، ونقوش جذابة ورسوم تنبض، وخرئط جغرافية كثيرة، ومقتنيات ثمينة تنتمي إلى العائلات المالكة، هذه هي صور تختزل عن مكتبة علمية ربما لم تصل إلى آذان الكثير، لتكون أعجب عجائب الدنيا وعنوان قائمتها الواضح، فمكتبة خدا بخش تقع في عاصمة ولاية بيهار الهندية، كمنارة تطل على الأزمان، تحكي الأجيال عن المجد الذي مر بها وتتحدث عن والد كريم وولد بار حاملة ذكرياتهما في كنفها الظليل. وينبغي أن تذكر بصدد هذا، دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد ومتحف سالار جنك ومؤسسة مولانا أبو الكلام آزاد بتونك راجستان الهندية للبحث العربي والفارسي، فكلها أفضل مثال لرعاية مسلمي الهند بالتراث العربي والإسلامي، وكلها قدمت خدمات جليلة في إخراج المخطوطات النادرة من الظلمات إلى النور.