المكتبات التراثية عبر العصور

منذ أن دوى في غار حراء اقرأ لم تزل الأمة الإسلامية تبحث عن كنوز العلم، وتسهر الليالي لمعرفة الحق والوجود، وتمخر عباب البحر وتهزم سراب الصحراء بحثًا عن الشيوخ والعلماء، وخرجت من مدارسها المختلفة آلافًا من العلماء العباقرة الذين صنعوا للدنيا مجدا وشرفا، ولم تدخر الأمة الإسلامية أي جهد في طلب العلم، بل كانت رفيقة الحروف، وأنيس الكتب، وكانت المساجد تغذي العقول والقصور تثريها وتمدها درهمًا ودينارًا، مشروع اصطف فيه الأمير والفقير، شعراء غنوا بالحب والحرب، وعلماء عاشوا بين الحبر والكتب، هكذا كانت الأمة الإسلامية في ماضيها، منهم من قال “كم يرفع العلم أشخاصًا إلى رتب، ويخفض الجهل أشرافًا بلا أدب” ومنهم من قال” في ازدياد العلم إرغام العدا وجمال العلم إصلاح العمل”، ومنهم من ولد في كنف الكتب إنه ابن الكتب جلال الدين السيوطي ومنهم من توفي في أحضانها إنه شهيد الكتب أبو عثمان عمرو بن بحر المشهور بالجاحظ،  فبنوا المكتبات التي تضم آلافًا من الكتب، جلبوها من الإغريق والفارس والهند، وترجموها إلى العربية لتنفجر الثورة العلمية الكبرى التي تملأ الآفاق. وكانت المكتبات الإسلامية تسمى بأسماء مختلفة مناسبة للغة كل منطقة، منها كتب خانة أو كتب هانة كما في التركية أو دار الحكمة وبيت الحكمة، وتنافست الملوك في اقتناء الكتب وبناء المكتبات، وأولت اهتمامًا كبيرًا لتحفيز العلماء والأدباء، فتزاحمت العلماء والشعراء في البلاط تقدم بواكير أعمالها للملوك هدية، فنشأت الحضارة الإسلامية بمحيطها وخليجها تحتضن العلماء وتربي عقولاً راقية وأمة واعية، والتقت بغداد آسيا وفسطاط إفريقيا وقرطبة أوربا في نقطة اقرأ، واشتهرت شرقًا وغربًا بمكتباتها الضخمة.

المكتبات الإسلامية، عطاء مستمر

منذ أن اكتشف العالم علم الطباعة تزاحم العرب إلى احتضانه، وتعرف العرب على الطباعة من الفارس ليعرفوها في الهند وما حولها من الديار، من هنا تبدأ الحكاية، وتاريخ الأمة التي قرأت وارتقت، سنتعرف على أهم المكتبات الإسلامية عبر العصور.

مكتبة القروين، هدية أم البنين      

تعد هذه المكتبة من أقدم المكتبات في العالم وأولها في إفريقيا، أسستها فاطمة بنت الفهرية المشهورة بسيدة القرويين والملقبة بأم البنين، كانت بنت أب ثري، بارعة الجمال، وعالية الهمة، ينتهي نسبها إلى فاتح الشمال الإفريقي عقبة بن نافع، ورثت عن أبيها أموالاً طائلة إلا أنها استمثرتها في إعمار العقول والفكر وكما قيل: إن إعمار الفكر أفضل وأولى من إعمار الحجر، فأسست أول مكتبة في إفريقيا ولا زالت حية إلى يومنا هذا، وتقوم هذه المكتبة شامخة لتحكي لنا عن أمهاتنا اللاتي أعيين الرجال، وسبقنهم بهمتهن وإرادتهن، إنها أم البنين، صاحبة مكتبة القرويين، وتضم هذه المكتبة نوادر الكتب العربية والمخطوطات، فمن أهمها مقدمة ابن خلدون من القرن الرابع عشر الميلادي، والمصحف الذي كتب في القرن التاسع الميلادي، وقد درس هنا العالم الصوفي الشيخ ابن العربي كما كان لابن خلدون حضور فاعل في هذه المكتبة، فرغم تقلبات العصر وتغيرات المناخ التي تعرضت لها المكتبة تقف أبية برصيدها العلمي الثري، وقد كلفت حكومة مغرب المهندس الكندي عزيزيا تشاهوني المغربي مولدًا بترميم هذه المكتبة التاريخية وإحياءها بمجدها من جديد.