يتم تحري بصمة الوجه والعينين مرارًا وتكرارًا في حياتنا اليومية. فعبر “توقيع الوجه”، يمكن فتح الهواتف الذكية، والوصول إلى أرصدة الحسابات المصرفية، والإذن والسماح بدفع مستحقات أو تحويلات مالية، وصلاحية الدخول إلى المرافق الخدمية والوظيفية والعمالية.. كذلك بهدف زيادة “التدابير الأمنية”، وتحقيق الأمن الوقائي، ومن ضمن إجراءات الأمن الجنائي.. ففي أغلب المطارات والمرافئ ونقاط تماس حدود البلدان، يتم التعرف على بصمة وجه وهوية القادمين والمغادرين، فضلاً عن المشتبه بهم، والمطلوبين دوليًّا. وفي كثير من الدول، تستعمل بصمة العين، وبخاصة للأفراد في المجالات العسكرية، ولموظفي تأمين خزائن البنوك. ولتفردها، يتجه العالم إلى استخدام “بصمة حدقة العين” في جميع مؤسساته من بنوك مصرفية، ومطارات ومرافئ بحرية، ووزارات حكومية، ومستشفيات صحية، وسجون عمومية.

كيف يتم تحري بصمة الوجه والعينين؟

لم يعد الوجه يمثل فقط “صورة جمالية، ومرآة عاكسة لكثير من بواطن النفس البشرية”، بل صار “معرّفًا بيومتريًّا” لتحديد الهوية عبر القياس والاستدلال الحيوي، حيث يتم التعرف على الأشخاص من خلال سمات وجوههم -عيونهم وأنوفهم وأفواههم- وهذه ملامح لا تتغير مع الوقت أو عبر التقدم بالسن. فيتم التقاط صورة الوجه مع تحديد موضع العينين والأنف والفم. ويتم تحليل صورة الوجه عبر فحص خمسين نقطة خاصة بالعينين، والحاجبين، والأنف، والفم، وبعض أجزاء الوجه، ثم تحويل الصورة لتدرج رمادي واقتصاصها، ثم تحويلها إلى قالب يستخدمه محرك البحث لإعطاء نتائج مقارنة الوجه. ويتم البحث عن الصورة مطابقتها باستعمال خوارزمية متطورة لمقارنة هذا القالب بقوالب أخرى مخزنة حاسوبيًّا. أما بصمة العين فمتفردة جدًّا، حيث تتميز شكل حدقة العين من شخص لآخر حتى في التوائم المتطابقة، فلا يوجد عينان متشابهتان في كل شيء. ويحدد مواصفات تلك البصمة نحو 50 عاملاً تجعل للعين الواحدة بصمة أمامية وأخرى خلفية. ويُطلق على هذه التقنية “المسح الحدقي” (İris Scan)، وتعتمد على المميزات الخاصة بحدقة كل إنسان. وتبدأ بتصوير العين بالفيديو، ثم تحويل ما يقرب من 266 ميزة خاصة بالحدقة (بقع وهالات ودوائر وتجاويف وغيرها إلى شفرة رقمية بقوة 512 بايت باستخدام علم الخوارزميات).

ويتميز المسح الحدقي عن غيره من الوسائل، بعدم وجود حدقتين متشابهتين في حدق البشر حتى في التوائم المتماثلة، بل إن الحدقة اليمنى ذاتها مختلفة عن اليسرى في الشخص الواحد. بالإضافة إلى أن رسم الحدقة ثابت طوال العمر، حيث يتكون رسمه بعد 6 أشهر من الولادة، ويثبت بعد عام من عمر الطفل، ويستمر في ثباته حتى الوفاة. فضلاً عن أن التعرف إلى البصمة الحدقية للشخص لا يستغرق إلا ثوان معدودة، حيث إن تسجيل البصمة لأول مرة لا يأخذ أكثر من ثلاث دقائق، والنظارات والعدسات اللاصقة -حتى الملونة منها- لا تؤثر على عملية المسح. وهذه العملية لا تحتاج إلى التصاق مباشر بالكاميرا، فلا تحتاج سوى بعض التعاون من الشخص. ولبعض الأجهزة، ذاكرة تتسع لصور (1200) شبكية للعين. وعمومًا، لا يرتكز نظام التعرف إلى الوجه على إنشاء صور، بل يخلق نماذج (Templates) تستخدم الخوارزميات الحسابية. فمع التقاط صورة للوجه يتم خلق تصميم لبنيته، ومن ثم قراءة هندسته، وهي قراءة المسافة بين العينين، والبعد بين الجبهة والذقن، وتخزين نموذج “توقيع الوجه” ووضع “كود” له في سجل قد يشمل جميع المعلومات والبيانات التي تم جمعها عن الشخص. وعند الحاجة، يتم مطابقة الصورة الملتقطة -لشخص ما- من كاميرا المراقبة أو من فيديو لحشود من الناس، مع صوره من قاعدة بيانات الوجوه، ويتم تحديد هوية الشخص في أقل من ثانية.

بزرت‭ ‬مناشدات‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬العلمي‭ ‬والبحثي‭ ‬تبغي‭ ‬وضع‭ ‬ضوابط‭ ‬ومعايير‭ ‬التحكّم‭ ‬في‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭ ‬والأنظمة‭ ‬الرقمية،‭ ‬لمنع‭ ‬سوء‭ ‬الاستخدام‭ ‬لبصمات‭ ‬الناس‭ ‬واستغلال‭ ‬بياناتهم‭ ‬الشخصية‭.‬

مستويات أربع

توجد أربع مستويات من برمجيات تحري بصمة الوجه والعينين، وهي الاكتشاف، والتوصيف، والتحقق، والتعرف. فالاكتشاف هو مسح عام لإيجاد الوجه “المراد” وتمييزه، والسماح للكاميرا بالتركيز عليه. أما التوصيف فتقوم الكاميرا بجمع معلومات أكثر تفصيلاً عن المرحلة السابقة، لكن بدون إنشاء سجل شخصي، ومثال ذلك توصيف لوحة الإعلانات التفاعلية فوق محطات الحافلات، حيث يمكنها وصف نوع الجنس والعمر التقريبي والمؤشرات العاطفية (مبتسم، متجهم، حزين الخ)، ومدة النظر إلى الإعلان ..إلخ. ومن ثم توفير معلومات توصيفية عن ردود أفعال المتسقين واستجاباتهم يمكن توظيفها فيما بعد تسويقيًّا. بينما التحقق نظام مطابقة بين ما هو حادث وما هو مخزن سلفًا، كما يحدث عن فتح الهاتف الذكي أو في المطارات، فيتم فحص الوجه ومطابقته مع ما هو محفوظ مسبقًا. وأخيراً يأتي التعرف عبر فحص صور في قاعدة البيانات (أصحاب سوابق جنائية أو غيرها) فيعرف الشخص المجهول، لكن يرجع القرار النهائي للعنصر البشري في مراجعة وتقويم أي تطابق اقترحه النظام، ومن ثم اتخاذ القرار النهائي عما إذا تم التعرف على الشخص بنجاح أم لا. وتحتاج عملية التعرف مزيدًا من الوقت الكافي، حيث يختلف مستوى الدقة المطلوبة في أي نظام وفق التطبيق والسياق. فبالنسبة لجهاز أيفون -على سبيل المثال- ونظام التعرف على الوجه (Face ID)، يتم الاعتماد على كاميرا تعمل بالأشعة تحت الحمراء، ومستشعر، وجهاز عرض للنقاط لرسم 30 ألف نقطة على الوجه، وإنشاء مسح ثلاثي الأبعاد بهدف عملية التعرف تلك. وتعد التقنية ثلاثية الأبعاد إحدى الطرق التي تمنع أي شخص آخر من فتح الهاتف.

جدل مستمر

يعد “أمن المعلومات” وأخلاقياته من أكثر المواضيع -العلمية والمهنية والأمنية- إثارة للجدل بين المهتمين بأنظمة تحري بصمة الوجه. وتبرز عدة جوانب لافتة لهذا الأمر؛ مثل مدى إمكانية انتحال الصفة وصلاحية الوصول بدون وجود وجه الشخص الفعلي، والاختراق والوصول لملفات مخزنة من النماذج وقوالب المقاييس الحيوية لبصمات الوجوه. مما قد يُمكن من إعادة “هندسة” القوالب والصور الأصلية لأغراض أخرى تعود بالضرر. ومن المعلوم في عالم التقنية أنه لا يوجد نظام مثالي، فأي نسبة صغيرة من المخرجات غير الصحيحة، كفيلة بجعلها محفوفة بمخاطر كبيرة. ويؤكد المهتمون بأخلاقيات تحري بصمة الوجه بمدى “دقة وجودة البيانات”، ومراعاة الاختلافات الديموغرافية (وفق العرق، ونوع الجنس ..إلخ). فالطرق التي أخفقت فيها بعض نظم التعرف إلى الوجه، أدت إلى تحفظات كبيرة حول “الثقة بها” من منظور الخصوصية والعدالة الاجتماعية والحريات المدنية. أما “التسجيل الخاطئ” فيمكن أن يؤدي إلى وضع أبرياء على قوائم الترقب والاشتباه، بل والجزاء الجنائي. وهذا ما أكدته دراسة المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST) التي دعت لبذل الجهود للتخفيف من الآثار المترتبة حيال ذلك. فمنذ نشأة هذه التقنية منتصف الستينيات، وقد كثر الحديث عن احتمالية “إساءة الاستخدام” لها.

ويشار إلى أن الحكومة الصينية -وهي الأكثر استعمالاً في العالم لتقنية بصمة الوجه- اتخذت تدابير خاصة لتنظيم “أمن البيانات الحيوية” التي تم جمعها، وبخاصة في ظل جائحة كورونا. فهذه البيانات البيومترية تعدّ محمية تحت مسمى “أمن المعلومات الشخصية”، وتنص التدابير على أن جمع المعلومات الشخصية ينبغي أن يكون “لأغراض قانونية ومبررة وضرورية ومحدودة، كما يتطلب في كثير من الأحيان الموافقة الشخصية عليها”، كما يجب الحرص على أن تظل “آمنة”. إلا أن الواقع الحالي، حيث توضع كاميرات في الأماكن العامة، يفتقد عنصر الموافقة المسبقة، أو الالتزام بحماية أمن وسلامة البيانات البيومترية لبصمات الوجوه كما ينبغي.

وقد تستعمل شركات تجارية تقنية بصمة الوجه لجمع معلومات قياسية حيوية بدون موافقة الأفراد. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، أصدرت المحكمة الفيدرالية حكمًا بتغريم منصة “فيسبوك” مبلغ 650 مليون دولار في أكبر تسوية من نوعها لصالح سكان من ولاية “إلينوي”. وذلك لتوظيف فيسبوك، تقنية التعرف على الوجوه وجمع البيانات البيومترية الخاصة بهم دون موافقتهم. ويعدّ قانون خصوصية المعلومات الحيوية في ولاية “إلينوي” (BIPA)، من بين أكثر القوانين صرامة في الولايات المتحدة. ويتطلب من الشركات التجارية الحصول على إذن مسبق، وموافقة صريحة من المستهلك، قبل جمع أو تقاسم أو مشاركة أي معلومة بيومترية. وهذا يتعلق بالتعرف على الوجه، ومسح بصمات الأصابع بغية تحديد هوية العملاء. لذا قام “فيسبوك” بتجديد إعدادات “اقتراحات الإشارة” (Tag suggestion) الخاصة به، لعدم السماح التلقائي بتطبيق تقنية التعرف على الوجه في الصور أو مقاطع الفيديو. كما قد تعمد شركات تجارية أخرى لتوظيف تقنية التعرف على الوجه للتميز غير العادل، وغير القانوني في عمليات البيع أو التخفيضات أو تقديم خدمات أخرى لفئات بعينها. وفي هذا الصدد يشار إلى أن البيانات القياسية الحيوية “معلومات شخصية حساسة ومحددة للهوية” على عكس كلمة المرور أو اسم المستخدم، إذ لا يمكن تغيير بصمة الوجه بسهولة.

وقد خلصت توصيات هامة في هذا المضمار، إلى أنه ينبغي رفع كفاءة وجودة التطبيقات المستخدمة في هذه التقنية الضرورية، وتحديد مستوى “الأمان” المرافق لعمليات إدخال البيانات البيومترية مع زيادة كفاءة المبرمجين والمطورين للتقنية. وكذلك توصيف وتحديد عناصر الخصوصية الضرورية الواجب حمايتها للأفراد، وزيادة عدد الدول (نحو 80 دولة حاليًّا) التي يجب عليها إنشاء وسن قوانين مرتبطة بخصوصية البيانات لحمايتها وحماية مواطنيها من سوء استغلالها. ويجب أن تستند “أخلاقيات” تقنية تحري بصمة الوجه إلى مسألة تحقيق التوازن المطلوب بين “الأمن العام” بكافة صوره، وبين حماية خصوصية الأفراد الأبرياء، وبياناتهم الشخصية.

الخلاصة

يتفرد كل شخص بـ”بصمة” وجه لا يشاركه فيها غيره، فريدًا بذاته وسط مليارات من البشر، هي “بصمة” تشهد بدقة التصميم وانتفاء الصدفة، ودليل براءة أو إدانة في الدنيا والآخرة. وقد أَوْجد الاستخدام المكثّف لتقنية تحري بصمة الوجه تحديات “أخلاقية”، ومخاوف شخصية مرتبطة بحدود الخصوصية ومدى الالتزام باحترام بيانات هذه البصمة في الحقل التكنولوجي. وبزرت مناشدات في الوسط العلمي والبحثي تبغي وضع ضوابط ومعايير التحكّم في تكنولوجيا المعلومات والأنظمة الرقمية، لمنع سوء الاستخدام لبصمات الناس واستغلال بياناتهم الشخصية.