تقوم أنثى العنكبوت التي تحمل في جسدها غدد إفراز المادة الحريرية بنسج وإقامة بيتها، وتستطيع العنكبوت الواحدة أن تنتج أنواع حرير مختلفة لأغراض مختلفة في بناء بيتها، وقد تستخدم أنثى العنكبوت غددًا بطنية ومنافث لإنتاج سبعة أنواع من الحرير(١).

لقد أوضحت الدراسات التي أجريت على شكل وتصميم بيوت العناكب أن كلها منسوجة بخيوط حريرية، وبالرغم من ذلك، فإن أشكالها وأحجامها تختلف حسب نوع العنكبوت الذي يقيمها والمكان الذي يقام فيه.

وعلى الرغم من المجهود الذي تبذله أنثى العنكبوت في بناء البيت بأشكال مختلفة متنوعة، وعلى الرغم من قوة وصلابة خيوط العنكبوت الحريرية في حد ذاتها -كما أوضحت بعض الدراسات الحديثة(٢)– فإنها عندما تنسج معًا على هيئة بيت، فإن هذا البيت من الناحية المادية البحتة هو أضعف بيت على الإطلاق؛ لأنه مكون من مجموعة خيوط حريرية غاية في الدقة تتشابك مع بعضها البعض، تاركة مسافات بينية كبيرة في أغلب الأحيان. وليس للبيت أساس ثابت، بل معلق في الهواء في زاوية مبنى أو بين أغصان شجرة، لذلك فإن النتيجة النهائية تجعل مواصفات البيت وشكله النهائي، لا يقي حرارة شمس ولا زمهرير برد، ولا يحدث ظلاًّ كافيًا، ولا يقي من مطر هاطل، ولا من رياح عاصفة.. كما لا يمنحها أي خصوصية، وتكاد الفائدة المادية الوحيدة لهذا البيت تقتصر على أنه مصيدة لبعض الحشرات الأخرى التي يتم اصطيادها لتتغذى عليها تلك العناكب.

وهذا يعني أن بيت العنكبوت لم يوفر لها الحد الأدنى من مواصفات البيت، وهي الخصوصية والحماية من الظروف الخارجية كالشمس والمطر والريح، أي جاء على عكس ما كانت ترجو من بنائه، ولم تتحقق فيه إلا صفة المصيدة.

العناكب تأكل بيتها

إن بيت العنكبوت بسبب طبيعة مادة بنائه الأساسية (خيوط الحرير)، لا يستمر وجوده لفترة زمنية طويلة أو حتى مقبولة؛ وذلك لفقد خيوطه اللزوجة المطلوبة لتلتصق الفرائس بها فتَقلّ كفاءتها كمصيدة، وهو ما يجب أن يتصف به البيت حتى بالنسبة لعالم الحيوان، وهو ما يتضح لنا إذا ما قارنا بيت العنكبوت ببيوت النحل، أو مساكن النمل التي تدوم لفترات طويلة نسبيًّا.

لقد أوضحت بعض الدراسات وجهًا آخر من وجوه الوهن في بيت العنكبوت، حيث تشير لنا أن هذا البيت لا يستمر طويلاً حتى ينقضي ويذهب إلى بطن العنكبوت نفسه، وذلك لأنه من الثابت علميًّا أن العنكبوت تأكل بيتها بشكل شبه يومي.. يوضح “لوين” ذلك بقوله: “تميل العناكب ذات النسيج الدائري إلى أكل نسيجها القديم قبل بناء نسيج جديد، وتقوم بتدوير ٩٢ إلى ٩٦ بالمائة من بروتينات النسيج”، ثم يبين الفوارق بين بعض أنواع غازلات النسيج من العناكب، إلى أن يصل إلى أحد هذه الأنواع التي يقول عنها: “يظهر أنها تأكل النسيج بكامله قبل أن تبني نسيجًا جديدًا”(٣).

وهنا نرى أن العنكبوت تأكل بيتها بعد ما بذلت فيه من مجهود وطاقة، فيصبح بذلك وكأنه لم يكن موجودًا، أو أن هذا البيت لضعفه إما أن يُزال بفعل الريح أو بفعل الإنسان وبخاصة إذا ما وجده داخل منزله، فينظر إليه على أنه نوع من الوسخ واجب التنظيف والإزالة. وتأكيدًا لهذه المعاني يقول الإمام الرازي في تفسيره: “إن بيت العنكبوت إذا هبت ريح، لا يُرى منه عين ولا أثر، بل يصير هباء منثورًا، فكذلك أعمالهم للأوثان كما قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)(الفرقان:٢٣).. فإن العنكبوت لو دام في زاوية مدة لا يقصد ولا يخرج منها، فإذا نسج على نفسه واتخذ بيتًا يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه والمسح بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت، فكذلك العابد بسبب العبادة ينبغي أن يستحق الثواب، فإن لم يستحقه فلا أقل من أن لا يستحق بسببها العذاب، والكافر يستحق بسبب العبادة العذاب”.

عندما يكون البيت فقاعة من الهواء

من النماذج النادرة لبيت العنكبوت، بيت عنكبوت الجرس الغاطس أو عنكبوت الماء (Aquatic Argyroneta)، وهو النوع الوحید من العناكب المعروف أنها تعیش تحت الماء تقریبًا، وتعیش في الماء العذب أو ماء البرك، وتقضي حیاتها كلها في الماء، ولا تصعد إلى السطح إلا بهدف تنفس الهواء بواسطة فقاعات تمسك بها بواسطة الشعیرات الموجودة على بطنها وساقها، وهي تقوم ببناء بیوت من طراز غریب جدًّا تحت سطح الماء.

وتتغلب العناكب المائیة على مشكلة الحصول على الهواء كما یلي: ففي البدایة تصعد العنكبوت للأعلى مندفعة نحو سطح الماء، ونتیجة اندفاعها یختلط سطح الماء المتحرك مع الهواء الجوي الملامس لها، ومن هذه القطرات المائية المنتشرة في الهواء تصطاد فقاعتین، إحداهما تأخذها تحت صدرها ملامسة لفتحاتها التنفسیة تأخذ منها متطلباتها في التنفس، والأخرى بین قدمیها حتى تبقى فترة أطول تحت الماء، وتتوجه بالفقاعة الموجودة بین قدمیها إلى خیمتها (بيتها) فتطلقها فیها، وتعود للسطح لتنتشل فقاعات أخرى تظل تطلقها في الخیمة التي تشبه جرسًا مقفولاً فتحته لأسفل، إلى أن تمتلأ الخیمة بالهواء. وقد أوضحت القياسات أنها تحتاج إلى الصعود مرة كل يوم لجلب الأكسجين اللازم للحياة داخل بيتها تحت الماء(٤). فهل يوجد بيت أضعف وأوهن من فقاعة الهواء؟ هذا ما أشار إليه القرآن الكريم، حيث يقول تعالى: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ)(العنكبوت:٤١).

الخداع في بيت العنكبوت

إن من أمثلة الخداع في بيت بعض العناكب، أنها تبني بيوتًا على شكل قمع ثلاثي الأبعاد في وسطه لتختبئ فيه من الفريسة، كنوع من خداع الفريسة بحيث لا تراها. وبعض العناكب تستخدم حفرة في الأرض كمصيدة، وتبطن جدرانها بخيوطه، كأحد أشكال التمويه والخداع أيضًا للفريسة، وهو ما يتناسب مع فكرة أن بيت العنكبوت هو بالأساس مصيدة لبعض الفرائس الأخرى كالذباب وغيره، إن من طبيعة العنكبوت وكذلك بيتها أن يتصف بالخداع.

ومن أهم وسائل الخداع التي تستخدمها العديد من العناكب، تظهر في استخدام زخارف على شكل زجزاج حلزوني الشكل تضاف إلى شبكة ونسيج العنكبوت، وتضعها في منتصف البيت لتقف وراءها كي تحميها من عيون الحشرات التي تتغذى عليها.. كما ترجح الدراسات أنها تجعل هذا العنكبوت غير مرئي بالنسبة لفرائسه التي تحوم حول البيت(٥)(٦).

بيت العنكبوت سبب الهلاك

إن الله يجعل في بعض الحالات هذا البيت سببًا في موت وهلاك الأنثى التي تبنيه؛ ففي بعض الحالات تقوم نوع من أنثى العناكب القافزة (Portia genus) بدخول بيت عنكبوت آخر خلسة، وتقوم بهز خيوطها وتحريكها، فتعتقد العنكبوت صاحبة البيت الأصلية أن فريسة ما قد علقت بخيوط بيتها، فتذهب لأكلها فتجد العنكبوت الدخيلة فتقوم بقتلها وافتراسها(٧)، وبذلك يكون البيت في بعض الحالات هو السبب الرئيس لهلاك وموت من أقامه.

لقد أكدت دراسة أخرى فكرة أن يأكل أحد أنواع العنكبوت (Rhomphaea sp) نوعًا آخر من العناكب داخل بيته ونسيجه، حيث يقوم باستخدام مصيدة من نسيج حريري على شكل مثلث لاصطياد العنكبوت الآخر، ثم يقوم بعد ذلك بقتله وأكله(٨).

فاذا ما أضفنا إلى ما سبق، أن فكرة قتل أنثى العنكبوت للذكر بعد الجماع في غالب الأحيان، أو قتل الصغار لأمهم في بعض الحالات ثم التغذى عليها، فإنه بذلك تتأكد لنا فكرة أن البيت في هذه الحالة يكون سببًا لهلاك العنكبوت، بدلاً من أن يوفر لها الحماية.

وقد وجد أيضًا، أن العناكب تأكل أعدادًا كبيرة من الحشرات بشكل استثنائي؛ فقد يأخذ عنكبوت واحدة مئات الذباب الصغير جدًّا في يوم واحد، ويتم لف الفريسة الصالحة للأكل بخيوط الحرير، وغالبًا ما يمكن رؤية بقايا الفرائس المتحللة، متصلة بنسيج البيت لتلك الأنواع من العناكب التي تبنيها، لتجذب إليها الفرائس الأخرى ليتم اصطيادها(٩). وهذا يعني أن هذا البيت المصيدة يكون سببًا في هلاك وموت الكثير من الحشرات.

التواصل بين العنكبوت وبيته

مما يمتاز به بيت العنكبوت عن غيره من البيوت، أن به نوعًا من التواصل بين العنكبوت وبيته المنسوج من خيوط حريرية؛ ففى دراسة حديثة أشارت إليها مجلة “ناشيونال جيوجرافيك” عام ٢٠١٤م بعنوان “العناكب تستمع إلى شبكاتها.. نسیج حریر العنكبوت هو أكثر من مجرد منزل، إنه أیضًا آلة وتَرِیَّة”(١٠)، اتضح أن العناكب تنسج شباكها للقبض على الفرائس، فبینما یمكن للبشر بشكل عام اكتشاف حشرة محاصرة في شبكة، لا تستطیع العناكب ذلك حيث تعاني من ضعف شدید في البصر، مما يعني أنها تعتمد على الاهتزازات الصادرة عن خیوط الحریر لتحدید موقع الفریسة، فعندما تهز العنكبوت خيوط بيتها، ترسل تموجات في كل اتجاه، فیمكنها استشعار الاهتزازات في كل من أرجلها الثمانیة.

وتقول “بيث مورتيمر” (Beth Mortimer) الباحثة بجامعة أكسفورد(١١): “إن صوت الحرير يمكن أن يخبرها عن نوع الوجبة المتشابكة في شبكتها وعن نوايا ونوعية الرفيق المحتمل”.

الخلاصة

إن دراسة الأمثال القرآنية التي وردت في القرآن الكريم وفهمها وتدبرها، تعتبر وسيلة هامة لاكتشاف العديد من الإشارات الإعجازية العلمية التي سبق بها القرآن الكريم العلوم والمعارف الحديثة.

فدراسة المثل القرآني الخاص ببيت العنكبوت، يؤدي إلى كراهية الشرك والمشركين، حيث قد تبين ما يحتويه هذا المثال القرآني العظيم من علم ومعرفة عميقة، ومن جانب آخر يتضح مدى وهن هذا البيت الذى يمثل الأولياء في هذا المثل، فهو لا يوفر للعنكبوت الحد الأدنى من مواصفات البيت، لدرجة أنه يكون في بعض الأحيان فقاعة من الهواء.. وفي نهاية المطاف، فكما أن هؤلاء الأولياء يكونون سببًا في هلاك المشركين، فكذلك فإن بيت العنكبوت يكون سببًا في هلاك ساكنيه.

(*) أستاذ الهندسة المعمارية، كلية الآثار، جامعة القاهرة / مصر.

الهوامش

(١) شباك العناكب وحريرها، فولراث (١٩٩٣)، مجلة العلوم الأمريكية، المجلد:٩، العدد:٣-٤، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت، ص:٢٢-٣٠.

(٢) العناكب كائنات مبدعة، وسمية الحوطي (١٩٨٨)، مجلة العربي، عدد مارس، وزارة الإعلام، الكويت، ص:٨٨-٩٥.

(٣) العنكبوت وخيوطها في القرآن الكريم، عبد الله محمد الشاوي (٢٠٠٦)، دار عمار.

(٤) Roger S., Seymour and Stefan K. Hetz (2011).The diving bell and the spider: the physical gill of Argyroneta aquatic. Journal of Experimental Biology.

(٥) Tan, E. J. and Li, D. (2009). Detritus decorations of an orb-weaving spider, Cyclosamulmeinensis (Thorell): for food or camouflage? J. Exp. Biol. 212, 1832-1839.

(٦) Todd A. Blackledge et al (2011). The Form and Function of Spider Orb Webs: Evolution from Silk to Ecosystems. Advances in Insect Physiology, Vol. 41, published by Elsevier.

(٧) عنكبوت قافزة من بناة الأعشاش، ر.ر. جاكسون (١٩٨٩)، مجلة العلوم الأمريكية، المجلد:٦، العدد:٦، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت.

(٨) Whitehouse,M.E (1987). Spider eat spider: the predatory behavior of Rhomphaea sp. From New Zealand. Journal of Arachnology, 15: 355- 362.

(٩) Bojun T. Bjorkman-Chiswell.et al (2004).Web-building spiders attract prey by storing decaying matter. Nature wissenschaften (2004) 91:245–248.

(١٠) Carrie Arnold (2014). Spiders Listen to Their Webs. National Geographic Magazine. (www.nationalgeographic.com/news/2014/6/140605-spiders-silk-webs-pluck-string-vibrations)

(١١) www.discovermagazine.com/planet-earth/spiders-listen-to-web-tones-to-detect-prey..

About The Author

أستاذ دكتور ومهندس معماري مصري، صاحب أكبر موسوعة في الزخارف الإسلامية، رئيس ومدير دار الفن الإسلامي. و قد حصل على جائزة السلطان قابوس المعمارية عام 2002 م. وله مجموعة من المؤلفات منها: 1. التعمير في القرآن والسنة. 3. موسوعة عناصر العمارة الإسلامية، أربعة مجلدات، مكتية مدبولي. 4. المدخل إلى تصميم مباني المعوقين. 5. تطبيقات على عمارة البيئة: التصميم الشمسي للفناء الداخلي، مكتبة مدبولي. 6. التصميم المعماري الصديق للبيئة، مكتبة مدبولي. 7. المجتمع وثقافة العمران،

Related Posts