إذا كان لا بد من التضامن والتآزر والتساند الإنساني، فإن ذلك سيكون خلال الجوائح التي تضرب البشرية جمعاء دون التمييز بين دولة وأخرى، وشعب وآخر، وصغير وكبير، وغني وفقير.. وما كورونا إلا إحدى هذه الجوائح التي كان ينبغي أن يظهر فيها التضامن الإنساني والتآزر في أعلى مستوياته.

بدأت الجائحة في ديسمبر ٢٠١٩، وانتشرت حتى الآن في ١٨٥ دولة، ولا يزال العالم إلى الآن عاجزًا عن إيجاد علاج محدد لها. تقوم الدول في هذه الأيام ببروتوكولات العلاج الخاصة بها، وتؤكد على أهمية الإجراءات الاحترازية وضرورتها في مكافحة هذا لفيروس. فإذا ما تشاركت هذه الدول نتائج الدراسات التي أجريت من أجل العلاج، لازدادت معلوماتنا في هذا الصدد.

من خلال التجارب السريرية، يمكننا التعامل مع مرض كوفيد-١٩ في ثلاث صور سريرية مختلفة:

١– الحالات الخفيفة: هم المرضى الذين لا يعانون أية مشاكل في الرئتين، ويظهر عليهم فقط أعراض ارتفاع درجة الحرارة، والتهاب الحلق، والسعال، وآلام العضلات، ويكفي في هذه الحالات، الرعاية المنزلية.

٢– حالات الإصابة المتوسطة: هم المرضى الذين تظهر عليهم أعراض عدوى في الرئة، ومعظمهم بحاجة إلى الأكسجين.

٣– الحالات الحرجة: هم المرضى الذين يعانون من عدوى حادة بالرئة، وتستجيب هذه الحالة للعلاج أو تتطور بسرعة -على الرغم من العلاج- مصحوبة بصدمة إنتانية أي تسمم الدم (Septic shock) وفشل أعضاء متعددة، وارتفاع معدل الوفاة.

نهج العلاج العام لكوفيد-١٩

إن الأفراد الذين تجاوزوا سن الخامسة والخمسين الذين يعانون من الأمراض المزمنة كالفشل الكلوي، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، وغيرها من الأمراض، يجب متابعتهم عن كثب تخوفًا من المضاعفات المحتملة. فينبغي تحديد إستراتيجيات العلاج لهؤلاء المرضى وفقًا لمسار الحالة السريرية في غضون ٤٨-٧٢ ساعة، ويجب مراعاة عنصرين أساسيين في نهج العلاج:

١- تثبيط تكاثر الفيروس بمضاد الفيروسات في فترة العلاج المبكرة.

٢- أما في حالات الإصابة الشديدة، فينبغي السيطرة على تطور متلازمة عاصفة السيتوكين التي يشير إليها ارتفاع نسبة إنترلوكين-١ (IL-1)، وإنترلوكين-٦ (IL-6)، ومتلازمة ضيق النفس الحادة (ARDS).

إن اختيار الدواء الذي سيستخدم مع الحالات الحرجة ووقت البدء فيه مهم للغاية. وقد يصاب الشخص بفيروس كورونا، رغم التزامه بكافة التدابير الاحترازية التي توصي بها السلطات الصحية من غسل اليدين، والتباعد الاجتماعي، واستخدام قناع الحماية، والعزل وكذلك الحجر الصحي.. بالإضافة إلى اتخاذه التدابير اللازمة لتقوية الجهاز المناعي للجسم، ثم التزامه بعد ذلك ببروتوكولات التداوي والعلاج، سيكون قد قام بدوره في حماية حياته المستودعة لديه.

توصيات لزيادة مناعة الجسم للفيروس

نشرت منظمة الصحة العالمية بعض التوصيات لزيادة مناعة ومقاومة الجسم في مكافحة الوباء. لقد أصبح من المعلوم جيدًا، أن حالة تغذية الفرد -بصرف النظر عن نقص المغذيات الدقيقة المرتبط بالعمر- يمكن أن تصبح عاملاً كبيرًا في خطر الإصابة، وتؤثر كذلك في مسارها السريري ونتائجها. يمكننا تلخيص هذه التوصيات على النحو الآتي:

١- الحرص على شرب الماء باستمرار من ٨-١٠ أكواب يوميًّا.

٢- التقليل من تناول العصائر المضاف إليها السكر، والمشروبات الغازية.

٣- التقليل من تناول الدهون المشبعة والدهون المهدرجة والأطعمة الجاهزة (المصنعة).

٤- تناول الدهون غير المشبعة.

٥- الحرص على عدم استهلاك أكثر من ملعقة صغيرة واحدة من الملح يوميًّا، كما يجب تقييد استهلاك الصودا وغيرها من المشروبات الغازية.

ويمكن تلخيص الأطعمة والمكملات الغذائية الموصي بها أثناء فترة تفشي الوباء على النحو الآتي:

أ- الفيتامينات والمعادن

“فيتامين د”، هو فيتامين قابل للذوبان في الدهون، ويزداد امتصاصه في الجسم عند تناوله مع الدهون. وهو عنصر مهم في تقوية المناعة عن طريق زيادة تخليق البروتينات المضادة للميكروبات في الجسم، وزيادة تأثير مضادات الأكسدة. ونظرًا لقلة تعرض الشخص للشمس أثناء إجراءات الحجر الصحي والإقامة في المنزل المفروضة في جائحة كوفيد -١٩، فإن مكملات “فيتامين د” خلال هذه الفترة، هي أكثر أهمية من الظروف العادية. فيُنصح بتناول مكملات “فيتامين د” بجرعات أعلى من الظروف العادية -مرتين أو ثلاث مرات- خلال جائحة كوفيد-١٩.

“فيتامين ج”، وهو فيتامين أساسي يجب تناوله من الخارج، وهو أحد مضادات الأكسدة الطبيعية. وهو فيتامين مهم لجهاز المناعة الطبيعي والمكتسب، حيث يعمل على تطوير وإصلاح الأنسجة التي تعمل كحاجز صدٍّ ضدَّ مسببات الأمراض. من المعروف أن “فيتامين ج” يحول دون تحول التهابات الجهاز التنفسي العلوي، إلى التهابات بالجهاز التنفسي السفلي. كما أن أعداد الدراسات التي تظهر أن إعطاء جرعات عالية من “فيتامين ج”، له نتائج ناجعة لدى المرضى الذين يعانون من عدوى كوفيد-١٩ المتوسطة والشديدة.

كذلك يوجد النارنجين بشكل طبيعي في قشور ثمار الحمضيات، مثل اليوسفي والليمون والبرغموت، ويوجد كذلك في الطماطم والتين. يوصى باستخدام قشور الأغذية الغنية بالنارينجين؛ للتصدي لعدوى كوفيد-١٩ نظرًا لما له من مضادات الأكسدة، وتقوية الحمض النووي، ومضاد للسرطان، ومضاد للبكتيريا والفيروسات، فضلاً عن خصائصه المضادة للبلغم والالتهابات، إلى جانب حفاظه على صحة القلب.

يقوي “فيتامين أ” الجهاز المناعي لما له من خصائص مضادة للالتهابات، كما أنه يساهم في نمو الخلايا والحفاظ على الأنسجة الطلائية، ويساعد أيضًا في حماية الأسنان والعظام والأنسجة الرخوة والجهاز التنفسي وصحة العين. بالإضافة إلى ذلك، له تأثير علاجي في بعض الأمراض المعدية، والتقليل من قابلية التأثر بالعدوى.

الزنك” عنصر له بصمة مهمة في تنظيم عمل الجهاز المناعي. وثبت أن نقص الزنك، يزيد من خطر الإصابة بالالتهاب الرئوي، بينما تقلل مستويات الزنك المرتفعة، من خطر الإصابة. فالزنك عنصر دقيق وقائي ضد الالتهاب الرئوي الناجم عن كوفيد-١٩، ويقلل من مدة الالتهاب الرئوي.

والعدس والفول الأخضر، من الأغذية الغنية بالزنك، وهي تحتوي على مركب عطري يسمى “كينون”. يلفت هذا الجزيء النشط بيولوجيًّا -الذي يعتمد على مادة الكينين- الانتباه باعتباره عنصرًا غذائيًّا مهمًّا لمرضى كوفيد-١٩ نظرًا لميزاته المشابهة للأدوية المستخدمة في علاج الملاريا. ومع ذلك، يجب على الأفراد الذين يعانون من حساسية الفول تجنب استهلاكه، بسبب خطر الإصابة بفقر الدم الانحلالي (فقر الدم المدمر).

“الكيرسيتين”، وهو مادة نباتية من مجموعة البوليفينول، وهو موجود في الأطعمة مثل البصل والتفاح والطماطم والبروكلي، وكذلك مادة الكاتشين الموجودة في الفراولة والكرز والتوت الأسود والأحمر والشاي الأخضر والأسود.. تلعب دورًا كبيرًا في الحد من تأثير فيروس كوفيد-١٩. كما أنهما (الكيرسيتين والكاتشين)أيضًا يعملان كمضادين للفيروسات من خلال خصائصها المضادة للفيروسات والأكسدة والالتهابات والإنزيمات.

كما ثبت أن مركب الريسفيراتول الموجود بوفرة في قشر العنب الأحمر، والفول السوداني، والبوليفينول الطبيعي، يزيد من مقاومة الخلايا المصابة بالفيروس ويمنع العدوى.

نبتة الشاي

أظهرت الدراسات الإكلينيكية، أن شاي عشبة القنفذية المعروف بشاي الشتاء أو شاي نزلات البرد، يقلل التهابات الجهاز التنفسي المتكررة، والمضاعفات اللاحقة؛ مثل الالتهاب الرئوي والتهاب اللوزتين والتهاب الأذن الوسطى. ومع ذلك، يجب ألاّ يتناول من قبل الأفراد المصابين بأمراض المناعة الذاتية، مثل السل والتصلب المتعدد والتهاب المفاصل الروماتويدي والسكري والذئبة والحساسية من الفصيلة الأقحوانية. يشار إلى أن استخدام عشبة القنفذية، يجب ألا يتجاوز أسبوعًا واحدًا، ويجب أن تكون الجرعة القصوى ٩٠٠ مجم يوميًّا، ويجب تناول الجرعة سواء كانت شرابًا أو كبسولاً، وفق توصيات الطبيب المعالج. من ناحية أخرى، هناك دراسات تفيد بأن عشبة القنفذية يمكن أن تحفز إنتاج بعض المؤشرات الحيوية التي يمكن أن تؤدي إلى تفاقم مرض كوفيد-١٩، لذلك ينبغي ألاّ تستخدم إلا تحت إشراف الطبيب.

البروبيوتيك

اكتسب عنصر البروبيوتيك أهمية كبرى خلال فترة جائحة كورونا، نظرًا لأن له تأثيرًا إيجابيًّا على الجهاز المناعي، ويقلل من أعراض نزلات البرد بدرجة ما. وقد أكدت الدراسات على أن استهلاك الأطعمة التي تحتوي على البروبيوتيك، مثل الزبادي والفطر الهندي والبوظة والمخلل خفيف الملح، وعصير اللفت، سيساعد في دعم جهاز المناعة ضد الالتهابات الفيروسية.

المكملات العذائية

اللاكتوفيرين؛ عنصر موجود بشكل طبيعي في جميع سوائل الجسم، بما في ذلك الدموع والدم وحتى لبن الأم، ولا غنى عنه من أجل التعافي. يلعب اللاكتوفيرين، المتوفر بكثرة في اللبأ، الذي يُفرز لأول مرة بعد الولادة، دورًا شديد الأهمية في حماية الأطفال حديثي الولادة من الأمراض. لقد وجد في الوفيات الناجمة عن كوفيد-١٩، أن مستويات بعض المؤشرات الالتهابية لجهاز المناعة قد ازدادت بشكل أكبر بسبب الاستجابة المفرطة للجهاز المناعي. والحل في هذه الحالة يكمن في اللاكتوفيرين الذي يساهم في إعادة هذه الاستجابة المفرطة للجهاز المناعي إلى مستوياتها الطبيعية. ومن ثم تم إعطاء مشروب مضاف إليه اللاكتوفيرين لمجموعة مرضى كوفيد -١٩ لمدة عشرة أيام، وتبين أن الأعراض مثل الصداع وآلام العضلات والضعف والسعال الجاف قد خفت بدرجة كبيرة.

بيتا جلوكان؛ وهو متعدد السكاريد الموجود في الأطعمة مثل الشوفان والشعير والفطر. وتم التوصية به لعدائي الماراثون وكبار السن والأطفال والأفراد المجهدين، على أنه يحسن الصحة العامة، ويوفر الدعم المناعي، ويقلل من أعراض عدوى الجهاز التنفسي العلوي ويقصر مدته. ونظرًا لأن كوفيد-١٩يضر أيضًا بأعضاء الجهاز التنفسي مثل الكلى، فمن الملاحظ أن مرضى الكلى، يجب أن يستخدموا الحبوب الكاملة التي تحتوي على بيتا جلوكان أثناء الوباء.

يجب أيضًا مراعاة أن جرعات معينة من هذه المواد النشطة بيولوجيًّا، يمكن أن تسبب آثارًا جانبية. ولا يزال العالم بحاجة إلى دراسات علمية وتجارب سريرية جديدة، لتحديد المستويات العلاجية الناجعة والآمنة.

(*) كاتب وأكاديمي تركي. الترجمة عن التركية: خالد جمال عبد الناصر زغلول.