“الحبُّ – أعزَّكَ الله – أولّهُ هزلٌ وآخرُهُ جد، دقّت معانيه لجلالها عن أن تُوصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وهو ليسَ بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل”.. هكذا وصف الإمام ابن حزم الحُب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس منذ بدء الخليقة.. منذ تلك اللحظة التي قتل قابيل شقيقه هابيل من أجل الحُب”.

تدور حياتنا حول الحُب.. فالحُب هو الحقيقة التي تأبي الفناء.. فلا ينتهي بفناء الجسد.. إنما يبقي، ويستمر علي مر الأزمان، ولذلك لم يثر دهشتي أن يقدم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي(*) روايته البديعة  “مَمُو زين” التي تحكي قصة حُب نبت في الأرض وأينع في السماء.. نقلاً عن التراث الكردي، وتحديداً الملحمة الشعرية التي صاغها شاعر الكرد الأول “أحمد الخاني”.

ثمة اتجاه عام في العقل الجمعي يعتبر حديث رجل الدين عن الحُب أو المشاعر.. جريمة لا تُغتفر ! رغم أن الجميع يبحثون عن الحُب.. وفي هذا الإطار قدم البوطي روايته التي تقوم علي شئ من الميثولوجيا، ليبدد أسطورة أن رجل الدين لا يعترف بالحب، فقدم رواية تراجيدية تنتصر للحُب وتحمل علي المجتمع الذي يُفرّق بين المحبين لاعتبارات سخيفة.

ممو زين.. الميثولوجيا والواقع 

الرواية الوحيدة للبوطي، تقع في 191 صفحة من القطع المتوسط، صدرت عن دار الفكر في دمشق، تقدم الرواية فكرة غرائبية، وفقاً للأسطورة الكردية التى تعود للعام 1393م ، حيث تتنكر شقيقتا الأمير (سيتي و زين) في زي الرجال في عيد الربيع، بحثاً عن شابين يليقان بهما وبجمالهما الخلاب، وفي هذه الرحلة تقع عيناهما علي شابين ( تاج الدين وممو ) تنكرا في زي جاريتين جميلتين، فتنجذب الأميرتان إليهما وتخلعان عليهما خاتمان، ويغشي علي ممو وتاج الدين ويغيبان عن الوعي ! بعدها تبدأ رحلة من المعاناة والاحتراق ، ومكابدة الأشواق حيث تظل روح ممو وتاج الدين تهفو لروح الأميرتين ، ثم تلحظ هيلانة مربية الأميرتين الحالة النفسية لهما ، وأنهما تعانيان منذ ذلك اليوم ، وتبحثان عن ” الجاريتين ” المتنكّرتين، فتنكرت المربية العجوز في زي طبيبة، وجابت القري ، والمدن تبحث عن الشابين اللذين سلبا عقل الأميرتين، وتتوصل إليهما، وتنقل رسائل متبادلة بينهما ، وبالفعل استطاع تاج الدين أن يتزوج من الأميرة سيتي ، أما ممو فلم يتمكن من الزواج من الأميرة زين بسبب وشاية، بكر حاجب الأمير زين الدين، الذي راح يُلفق الاتهامات والافتراءات حسدا حتى لا يتزوج ممو من زين. فيرفض الأمير تزويجها من ممو ، وعندما تتدهور حالته الصحية يذهب الأمير ليخبره أنه وافق علي تزويجه من شقيقته التى اعتلت صحتها وتلفت بسبب حرمانها من حبيبها، لكن ممو يغادر الدنيا ويقضي.. ثم سرعان ما تلحق به الأميرة زين.. فلم يُكتب لهما الالتقاء في الدنيا .. فيلتقيا في الجنة.

هذه أحداث الرواية بتركيز شديد للغاية .

ممو زين .. فانتازيا الحُب 

تُغرق الرواية في الفانتازيا، وتقدم نموذجاً نادرا لحب يكاد لا يكون موجودا في الأرض، وتعتمد في المقام الأول علي الحُب الروحي البعيد عن الشهوات.. حُب الروح للروح.. حُب التعلق، الذي يُشبه حُب مجنون ليلي.. والذي يؤدي للموت كما قال المتنبي :

وَعَذَلْتُ أهْلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ *** فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ 

وَعَذَرْتُهُمْ وعَرَفْتُ ذَنْبي أنّني *** عَيّرْتُهُمْ فَلَقيتُ منهُمْ ما لَقُوا

البوطي وفتنة السرد 

جاءت الرواية في أسلوب رائق ورشيق، ساعد عليه نبوغ البوطي في اللغة العربية والبلاغة، ما أعطي القارئ جرعة كبيرة من الفن، حتى عندما يسهب البوطي في الوصف ، لا تشعر بالملل، من حلاوة اللغة وعذوبة المفردات التي يستخدمها ، وهو ما يدفعنا للقول بأن البوطي لو استمر في كتابة الرواية، لأخذ منزلة كبيرة بين كُتاب الرواية في العالم العربي.

صاغ البوطي الملحمة الشعرية في قالب روائي بديع، حيث تتصاعد الأحداث تدريجيا في عالم عجائبي مدهش يحوطه حُب مقدس يُحدث دويا وصديً  لدي القارئ الذي ينفعل مع الميثولوجيا ويحيلها للواقع .

جزالة اللغة :

” وظهرت ظلال الروابي والأشجار شاحبة متطاولة بين الحشائش والأزهار، وأخذت الشمس ترنو إليهم من فوق منحدرها صفراء ذاوية ، تحييهم تحية الوداع، وتوقظهم من غمرة الخيال الحالم إلي مواجهة الحقيقة.. الحقيقة التي تطبع كل شئ بطابع الزوال والفناء، وتحرمه من عظمة الخلود والبقاء”(ص27) 

” أما ممو فإن انقشاع الحقيقة بالنسبة إليه ما لبث أن أضرم جذوة ناره وزاد في دقات قلبه، وكأنما كانت روحه قبل ذلك تائهة عن الطريق الذي اهتدت إليه، ضالة عن الذات التي شغفت بها. أما اليوم وقد اتضح كل شئ، وظهر إنسان تلك الروح ، فهيهات منها الهدوء ما دامت بعيدة عنه، وهيهات أن لا تثور وتضطرب إلا بعد أن تلقاه وتركن إليه”(ص 38) 

” فمن هو الذي أعجبكما ولم يسجد أمامكما؛ حتى تثيرا الحيرة من أجله، وتذكيا نار القلب من ورائه؟ وهلا أخبرتمانى عنه حتى تعرفا كيف يأتي أسيراً في قيود الهوي، ذليلاً تحت سلطان هذا السحر”( ص 43).

” من الذي –يا بُنيتي– يُصدق أن المرأة لا يتم جمالها إلا إذا كان الرجل هو مرآة ذلك الجمال، ومن الذي يُصدّق أن الرجل لا يمكن أن يكون لجماله معني لو لم تأت المرأة سوي مجنونها؟ وهل كان لشيرين أن يتألق في الدنيا حسنها لو لم ينعكس إليها تاج خسرو وسلطانه ! وهل سمع أحد في الناس أن زهرة قد افتتنت بالزهر، أو أن بلبلاً غني فوق أعشاش البلابل؟! “( ص 45).

“أشد أنواع هذا المرض يا بُني، نوع – لا أذاقك الله إياه – يسري من الألحاظ، ويسلك طريقه في الألحاظ.. ثم يتخذ مستقره في القلوب. هو في أول أمره رعدة في المشاعر، ودقات بين ألواح الصدر، وتلون علي ملامح الوجه. فإذا نما وترعرع، فهو برق يستعر وميضه في الأحشاء؛ تتلظي الجوامح بناره من غير لهب، ويشوي الفؤاد في وهجه من غير جمر . ثم إذا استقر وتمكن فهو نهش وفتك لسويداء القلب ، يجرحه بلا مبضع ، ويمزعه من غير سنان. فهناك يشخب دمه منهمراً من العينين، ويذوب الجسم بين بوتقة الحشا وزفرات الصدر. وهناك لا يغني الطبيب ولا عقاقيره ولا يُجدي سوي أن تتضام الروح وتطفأ النار ببرد الوصال”(ص 54).

“من ذا يستطيع أن يعمد إلي روحه فينتزعها؟! “(ص 57) .

“إن ذلك النور الذي ضاع وراءه قلبك .. هو ذا أمامك اليوم .. فلتترام في أذياله ، كما تفعل الفراشة الملتاعة.. إذ تنثر روحها علي أذيال اللهب” (ص 76)

“فأنا الذي أظل متحاملاً بقلبي علي خنجر قد غُرس فيه نصله ، تراءي لعيني منه ، إذ كان بعيداً ، بريق ماء عذب، ثم استقر منه في فؤادي سمٌ زعاف ليس من دواء له اليوم !” (ص 101) 

“حتى أدركت قلبها رقة شديدة لحالها ، وقامت بين جوانحها عاصفة كبيرة من الحسرة أثارت في نفسها كل ما طوته واستدبرته من آلام وزفرات، وكان قد بلغ بها الضعف والرقة إلي حيث لم تعد تتحمل كل ذلك فاندفعت من صدرها موجة كبيرة من الدماء ، وانطلقت من حلقها مرة واحدة متدفقة إلي الأرض ، بينما راحت هي في غيبوبة كاملة عن نفسها وكل ما حولها ” ( ص 160 ) .

” والعجيب أن قبر ممو وزين يظل محاطاً بسور من ظلال الأشجار والورود ، أما قبر بكر فلا تكاد تبارحه الأشواك التي تعلوه في غزارة ” ( ص 181 ) .

دموع النهايات 

دائماً – أو هكذا تبدو – أن قصص الحُب الصادقة تنتهي نهاية تراجيدية مفزعة أو مزعجة .. وهو ما دفع الراوي في النهاية أن يئن بهذا الدعاء : أى رب .. ! اسألك بيحموم عشق المعذبين ، وبكمال صدق العاشقين ، اسألك بحلاوة الجمال ونشوته ، وبعظمة الجلال ودهشته ، اسألك بداء الهجر وعذابه ، وبشهد الوصال ولذة شرابه . اسألك بلذة حب العاشقين ، وبمرارة عداوة الرقباء والكائدين . اسألك بماء عيون البلابل والأطيار ، وبالندي المتساقط علي الورود والأزهار . اسألك بما خلّفه ممو من وجد وزفرات وبنا أسالته زين من دموع وحسرات . اسألك بكل ذلك يا مولاي ! أن تزيح عن عيني غشاوة هذه الظلال الفانية ، حتى لا أري فوق صفحة الدنيا إلا قوة سلطانك ، ولكي لا أبصر في زجاجة مرآتها إلا رونق جمالك ، ولكي أسكر بالخمر نفسها ، لا بلون الكأس التى تترقرق فيها ” ( ص 182 ) .

الحب للجميع :

لعل أهم ما في رواية البوطي ، التأكيد علي سمو الحُب وروعته ، وأنه مثلما يصنع المعجزات ، يتحدي النهايات ، ولا يتوقف عند فناء الأجساد .. ! تمكن البوطي من اللغة سمح له بتقديم الفكرة بسهولة وفن حقيقي .. وهو رجل الدين الفقيه ، الذي كسر تقاليد مستوردة تعتبر حديث رجل الدين عن الحب جريمة نكراء ، رغم أن الماضي البعيد يؤكد أن العالم تعلم منا الحُب .. حتى أوروبا عادت لما كتبه ابن حزم في طوق الحمامة ، للوقوف علي حقيقة الحُب .. الذي هو حق للجميع مثلما الماء والهواء!.

(*) محمد سعيد رمضان البوطي (1347 – 1434 هـ / 1929 – 2013 م) عالم سوري متخصص في العلوم الإسلامية، ومن المرجعيات الدينية الهامة على مستوى العالم الإسلامي، قُتل في مارس 2013م  في تفجير سيارة مفخخة.