بين المحن والمنح

نحن ما كنا نبكي وأصبحنا نبكي صباح مساء، كأننا كنا ندخر الدمع للوجع الذي لا ينتهي، وأحلامنا أصبحت بضع انكسارات لا تعرف طريقها إلى الواقع، ونومنا غفوة وما أعزها في ليالي البؤس الطويلة. هذه السماء ما زالت تمطر علينا وابلاً من الهم والغم، فأصبحنا كشخص منحوس لا يقف إلا ليسقط مرة واثنتين وثلاثًا، وزد من عندك فأنت تحسن العد والقراءة. هكذا قال صاحبنا وبكى.
الابتلاء لا لون ولا شكل له، يأتيك من حيث لا تدري؛ قد يسقط من السماء، وقد يخرج من الأرض، قد يأتيك من عدو، والأفظع حين يأتيك من صديق وحِبّ وأخ.
لا تلم السماء إذا رمتك بحَجَر ابتلاء، فهذا اختبار رباني، والله ينظر إليك أتصبر عليه أم لا.. ولكن انظر إلى علاقتك مع والديك، مع إخوتك، مع جيرانك، مع كل ذي رحم، مع الآخرين أيًّا كانوا.. انظر إلى نفسك وإلى طريقتك في الحياة، هل أنت راض عنها، وهل أنت راض عن الدرب الذي تسير فيه.
فإذا كانت علاقتك بكل هؤلاء صفحة بيضاء لا تشوبها نقطة سوداء، فاعلم أن هذا نصيبك، ولكل واحد منا نصيبه من الوجع في هذه الحياة.
إن الحزن هو ذلك المؤشر الذي يشعرك بلحظة سبقت، لم تُلقِ لها بالاً كنت فيها سعيدًا فرحًا. الحزن نقطة التحول التي تجرك إلى البحث عن السعادة مرة أخرى بعد أن انقطع حبلها، والبحث عن أسبابها وعن مواطنها في أشخاص صادقين؛ إذا سألتهم صدقوا، وإذا ائتمنتهم كانوا حافظين، وإذا حزنت كانوا لك إكسير السعادة.. يكفي أن يبتسموا حتى ترتسم السعادة على وجهك من جديد.
قد يأتيك الابتلاء بسبب خِلّ وصديق.. من أين ما جاءك وجدت النحس. كذلك بعض الناس في حياتنا متعوس منحوس، إذا وضع يده في البحر جف، لذلك اعرف من تصادق.
قد ترى نصيبك في هذه الدنيا في زهرة، وإذا ما اقتربت وجدتها دفلة(1) لا ربح لك فيها إلا المنظر. فهل أنت جبان إلى درجة أن تتخلى عن طموحك وتَقنع بالرخيص؟ هل أنت ضعيف حتى تغرّك المناظر الخداعة؟ أنت جسور ما يكفي لتتخطى كل العقبات حتى تصل إلى زهرة أخرى هي خير وأبقى، وإن كانت محاطة بالأشواك إلا أنها غنية بما تحمله من جمال وعبير وسحر أخاذ.
قد يأتيك الابتلاء بسبب أخ أو حبيب، وتسود الدنيا في عينيك فتهجر كل مصادر الفرح، وتعاقب نفسك على ذنب لم يكن لك فيه سوى النية الطيبة. أيستحق الأمر ذلك؟ أيستحق الأمر أن تعيش في ظلام وتخاف النور بعد أن وهبك الله حياة تشع نورًا؟ هذا أيضًا ابتلاء والحل بين يديك، فلا تنتظر من يخرجك من قوقعتك بل اكسرها وانطلق فالحياة لم تخلق للجبناء، وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا.
تشجع وانطلق.. لا يهم الانكسار بقدر ما يهم الإصرار على الانتصار، فالنهايات المؤلمة تشحنك بالقوة لتدخل تجربة جديدة بزاد التحدي والقوة. قوة تدفعك إلى الأمام، تحملك إلى أن تفرش طريقك بالورود؛ ورود الأمل والإيمان، ورود النجاح والفلاح، وأَبْشِر؛ فمن جنس العمل يكون الحصاد.
انظر إلى هذا الوعد (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)(التوبة:105)، إنه الخطاب الرباني الذي يحثك على الجد والعمل، على الاجتهاد في إخراج عملك في أحسن صورة، على المثابرة في البحث عن الأسباب والأخذ بها.. فكل مَن على هذه الأرض مسخر لما خلق له، وأنت خلقت لتسعى في الأرض وتضرب فيها، ولم تخلق حجرًا لتستقر حيث وضعت ولا كرسيًّا لتبقى حيث تركت. أنت نفس وروح، نبض ودم، فحرك جناحيك للعلا ولا تكن أجبن من نعامة، تنال الرضى وترى الجزاء.
وتحصن.. فالإنسان يحتاج إلى تميمة ربانية تحميه من الضعف والكسل، والهم والغم، والعين والحسد، والحقد والكراهية، والعصبية والذاتية، والمحنة والابتلاء.. تميمة مبدؤها الإيمانُ بالله، وركنها الأساس اليقينُ التام في قضائه وقدره، عدله وجبروته، جزائه وانتقامه.. ألم يجعلنا فتنة لبعضنا البعض؟ لأجل ذلك لا يكفي أن تصلّّي وتصوم لتحصن نفسك من شر الآخرين؛ إذا لم يقترن ذلك بإيمان كامل بأن رحمة الله هي التي تدرأ عنا البلاء. فالدنيا ليست جنة، فهناك بشر من طينة الشياطين عملهم إفساد سعادة البشر بالتشكيك في قدراتهم، بل حتى في معتقداتهم وإيمانهم. فيكفي أن تنجح في شيء لتحسد، ويكفي أن تفرح بأبنائك لتحسد، ويكفي أن لا تخطئ باب المسجد حتى تحسد.. بسيطة أسباب سعادتنا، وكبيرة عين الشيطان في الحسد.
قد تبتلى بشخص مريض حاسد حاقد لا يحب السعادة للآخرين، فتجده يصافحك بيد ويحفر تحت قدميك بأخرى وبشتى أساليب الشر ما تعرف منها وما تجهل، المهم بالنسبة له أن تفقد إيمانك بالله وتسقط ضعيفًا كافرًا.. فلا أنت نعمت بدنياك ولا فزت بأخراك.
الإنسان لا يدرك قوله تعالى: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)(آل عمران:140)، أيْ يا ابن آدم الدنيا عجلة دائرة بين الناس، وما جعلتني أمرّ به اليوم من سوء كانت أصابعك سببًا فيه، سيصيبك غدًا شئت أم أبيت وستذوق من الكأس ذاتها، إنه حكم الله ألا فانتظر. إنه أمر الله، أليس الصبح بقريب؟ أما كنت تدري (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(الأنفال:30)، أليس هو القائل: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ)(الصافات:24)، أو أتعرف يا بن آدم عما ستسأل؟ ستسأل عن كل ما فعلت.. ستسأل عن كل ما قلت.. وسيأتي ذلك السجل شريطًا أمامك فتقول: يا ويلتي! كما قالوا: (يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا)(الكهف:49)، وستعرف أن الله لا يظلم أحدًا.. فكيف بالمظلوم إذا دعاه؟ أتعلم أن ليس بين الله ودعوة المظلوم حجاب؟ فاحذرْ إن انتقام الله شديد، ولن ينفع أمامه لا مال ولا جاه ولا حسب ولا نسب.
الدنيا حقيرة لا تساوي جناح بعوضة، لأجل ذلك لا تقنط من الابتلاء وتقبله بعين الرضى، فالذي ابتلاك أدرى بك وبما تعيش، وكلما شكرت عوّضك خيرًا.. لا تستهن بقدرته وحكمته، فكل ما يحدث في حياتك لحكمة.. قد تمرض لتعرف حب الآخرين لك، لتعرف أنك لست وحدك.. وقد تفقد عملك ليأخذه غيرك كان أحوج إليه منك، ويبدلك أنت عملاً آخر هو خير لك وفيه رزقك الذي لن يمنعه أحد عنك.. فالحياة ابتلاءات لا تنتهي.. مرض وفقد وفشل.. فكم رأينا من مرض، منه ما برئ ومنه ما اتخذناه رفيقًا مقدرًا.. وكم فقدنا من أحبة وبكينا.. ثم تعودنا الفقد والغياب. وكم كانت سقطاتنا موجعة تعلمنا الوقوف بعدها بثبات.. وما أعظم ما واجهنا من مصائب ومكائد مرت تعلمنا منها دروسا خالدة.. وبعد هذا، أليست المحن منحًا؟ أليست عين الله ترعانا؟
الحياة أكبر من سماء ورقعة أرض.. الحياة التي نعيشها دين ومعاملة، عمل وامتحان، فشل ونجاح، صحة وسقم.. الحياة بسمة ودمعة.. الحياة هدايا فرح وابتلاء.. الحياة مشتل الغد فأحسن الزرع، واختر لنفسك الآن أين سيكون الحصاد، أفي الجنة أم في النار، ولا تفقد الأمل ودق باب الله فلا يرد عند أعتابه طلب.

(*) كاتبة وباحثة مغربية.
الهامش
(1) نبتٌ مرّ، زهره كالورد الأحمر وحَمْله كالخرّوب من الفصيلة الدِّفليَّة يُتّخذ للزينة.