بين ردهات المشفى يسير دامعًا، لا يفكر إلا في ابنه الذي انتظره عشر سنوات ولم يرَ الحياة، بُهِتَ أمام كلام الطبيب: علينا أن ننقذ المولود أو الأم. تردد لسانه بين الأم والمولود الذي رسم حياته المستقبلية به؛ أعدَّ غرفة له، علق بطاقات التهنئة بقدومه في كل مكان، اختار ملابسه بعناية، اشترى كاميرا جديدة يسجل بها ذكرياته، نبَّهه الطبيب من غفوته، قال بفزع: نعم، معك، الأم.

انصرف عنها قبل أن تفيق من العمليات، هرب بآلامه من صوت بكائها حين تعلم مصير طفلها، تركها لأهلها يخففون عنها. في إحدى الطرقات جلس وقد هدَّه التعب، وضع وجهه  بين كفيه وبدأ يبكي، اقتربت منه يدٌ صغيرة ناعمة، ربتت على كتفه، هزته هزات خفيفة ثم توقفت قبل أن يرفع وجهه، تخيله ابنه الذي لم ير بريق عينيه، يقف أمامه، يحاول رفع وجهه بيده الصغيرة، ينظر في عينيه، يمسح الأب دموعه، يبتسم، يسأله الطفل: لماذا تبكي؟.

لا شيء.

أتبكي على ماما؟

لا يا حبيبي، ماما في مكان أجمل من مكاننا.

لكنها ذهبت قبل أن أراها!

هي الأخرى انتظرتك كثيرًا وذهبت قبل أن تراك.

انتبه من خياله على يدها الناعمة التي ربتت مرة أخرى على كتفه، اهتز جسده، فتح عينيه، فتاة في حوالي السابعة من عمرها؛ وجه مستدير، غمازتان يزينانه، شعر ناعم يغطي ظهرها، وكأن القمر نزل من عليائه متخفيًا في وجهها.

أخذها بين يديه: ما اسمك؟

اسمي نور.

اسمك جميل، و وجهك كأنه البدر، كم عمرك؟.

سبع سنوات، لماذا تبكي؟

لرحيل بعضهم.

ولماذا لا تذهب إليهم؟

مكانهم بعيد، لا أستطيع.

تود أن أساعدك؟

حلت الابتسامة على وجهه: لكنكِ لا تستطيعين.

أنا أستطيع الكثير، ماما دائمًا ما تقول لي: أنتِ تستطيعين فعل كل شيء، أنتِ ساحرة.

ولماذا أنتِ هنا يا ساحرة ؟

أنا هنا منذ أيام.

أتزورين بعض المرضى من عائلتك؟

هم من يأتون لزيارتي.

كيف؟

أنا هنا لأتعالج من سرطان الدم، أمي تقول إن السرطان مرض مخيف كالأشباح التي نراها، تخطفنا وتخفينا بعد أن نجري كثيرًا للاختباء منها دون فائدة، لكن أنا لا أراه هكذا، إنه لطيف لأنه جعل الجميع لطفاء معي، ما يجعلني أخاصمه حقًا الآلام التي أشعر بها، كما أنه يجعل أمي تبكي كثيرًا، وتقول لي: أنتِ طفلة صابرة، لا أعرف لماذا تناديني أمي بالطفلة الصابرة ؟

ضمها بين ذراعيه، أخفى وجهه بشعرها وزاد بكاؤه، ابتعدت عنه لتنظر في وجهه.

عمو! لماذا تبكي؟

لا شيء، أسألك ماذا تحبين؟

لا شيء، أود فقط أن تكف أمي عن البكاء، وعن تمشيط شعري.

أيؤلمك تمشيطه؟

لا، لكن أمي تمسكه كثيرًا وتضعه على وجهها وتبكي.

وقف صامتًا، ساهمًا، ضعيفًا أمام قوتها، ثم سألها: أخبرتيني أن عمركِ سبع سنوات، متأكدة أنتِ من عمرك؟ ربما لا تجيدين الحساب.

ضحكا سويًا، ثم حملها بين ذراعيه وجرى بها إلى حديقة المشفى والضحكات تملأ المكان.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.