مرحبًا أيها الإنسان… إذا سمحتَ أريد أن أتحدث إليك قليلاً، وأقدِّم معلومات عن نفسي كطائر من الطيور الكبيرة حجمًا… أنا البطرس… أقضي معظم حياتي ما بين طيران وسباحة… أقتات على السمك وغيرها من الحيوانات البحرية… ولأني أقوم بالاصطياد في البحار ثم أعود فأطير في الهواء، زوّدني ربي بمنقار طويل يتمتع بفتحتين على شكل أنبوبين طويلين.

لا نخرج نحن طيور البطرس إلى البرِّ إلا في أوقات الإنجاب والتكاثر، إذ أمضي 70% من حياتي في السباحة والطيران… لذلك مَيَّزني ربي عن سائر الطيور البرّية والثدييات بآلية عجيبة تلبّي حاجتي إلى الماء. إن جميع الحيوانات البرية -كما تعلمون- تشرب المياه الحُلْوة. وكذلك بنو جلدتكم يشربون المياه الحلوة، علمًا بأن الذين يلجؤون إلى شرب مياه البحر المالحة باستمرار، يموتون بعد فترة نتيجة ذلك؛ لأن كمية الملح في دمائكم وفي سوائل أجسامكم أنتم البشر، تُضبط عن طريق الكُلى بشكل دقيق، أيْ وإنْ تناولتم الطعام مالحًا أو غير مالحٍ، فإن كمية الملح تُنظَّم من قِبَل أقسام في الكُلية إما بامتصاص الكمية المطلوبة لتوازن الجسم أو بإمساكها ثم طرحها إلى الخارج. إن الملح في الجسم مهم للغاية، علمًا بأن توازن المحلول الكهربائي داخل الخلية وخارجها والذي يلعب دورًا هامًّا في حركة الأعصاب والعضلات، يتحقق باستخدام أيونات الصوديوم والكلور الكائنة في الملح الذي تناولتموه. لذا فإن اختلَّ التوازن في كمية الأملاح بشكل مفرط زيادةً أو نقصانًا، وإنْ لم تتمكن أجهزة طرح الفضلات من تحقيق التوازن المطلوب، يفقد الجسم توازنه الداخلي، ويؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى موت الكائن الحي.

أجهزة معالجة المياه المالحة

إن صاحب الرحمة الأبدية الذي زوَّد كل مخلوقٍ بجهازِ طرحٍ للفضلات وفقًا للمحيط الذي يعيش فيه، وضَع في أنوفنا نحن طيور البطرس نظامَ استقلابٍ يصفّي أملاح المياه التي نشربها. وذلك أننا عندما نقوم بأكل ما اصطدناه من البحر، تدخل مياه البحر إلى معدتنا شئنا أم أبينا، ولكن نتجاوز هذه المشكلة بسهولة بفضل نظام الاستقلاب التي وضعه الله تعالى في أنوفنا.

ثم إن الخلايا التي تتشكل منها غدد الملح في أنوفنا تقوم بمصّ الملح الوارد إليها عبْر الدم، وعندما تتراكم كمية الملح عليها وتتكاثف، تبدأ عملية الطرح ويُلقى الملح من فتحات أنوفنا إلى الخارج. إنها عملية تستحق الدراسة أليس كذلك؟ فكثيرًا ما سمعتُ من علمائكم وهم يتحدثون عن أزمة مياه الشرب في المستقبل، وبالتالي علمتُ وجودَ دولٍ أنفقتْ المبالغ الضخمة لتصفية مياه البحر واستعمالها في الشرب… لذلك أدعوكم إلى التأمل جيدًا لتكتشفوا سرَّ نظام التصفية الموضوع في أنفي، ولتقيموا المصانع التي تنتج لكم المياه الصالحة للشرب وبتكلفة أقلّ بكثير مما تنفقونها.

حياة تقوم على الحركة

نَعْبُر المحيطات على شكل مجموعات كبيرة لانتقاء الجزر التي نضع فيها بيضاتنا. والطيران الجماعي هذا يمنحنا فائدة كبيرة. فمعظم أنواعنا تعيش بين خطَّي عرض 450-700 من ناحية الجنوب للكرة الأرضية التي تكثر فيها رياح المحيطات. وفضلاً عن أنواعنا التي تعيش في المياه الدافئة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، تعيش ثلاثة أنواع منا في شمال المحيط الهادئ أيضًا. أما طائر البطرس المتموج (Phoeabastria irrorata)الذي يعيش في جزر غالاباغوس (Galapagos)يبني عشّه في منطقة الإكوادور في أمريكا الجنوبية ليضع فيه بيضاته.

ولا يوجد أي نوع من البطارس تبني أعشاشها في شمال الأطلنطي. أما أنا -البطرس الجوال- وصديقي البطرس الملك، فإننا نبني أعشاشنا في الجزر القريبة من دائرة القطب الجنوبي وجنوب المحيط الأطلنطي. أقوم بالتجول في جنوب المحيط بالقرب من خط عرض 300 درجة خارج فترة التكاثر. أما الحكمة في متابعتي التيارات الكبيرة للمحيطات، هي كثرة الأمطار التي ينزّلها الرزّاق تعالى على أمريكا الجنوبية، وأسترالية، ونيوزيلاندة.

أبطال التحليق

لا يأخذ بكم الظن أن أبداننا الضخمة تعيق علينا التحليق في السماء وتُجبرنا على استهلاك طاقة كبيرة… فقد خلق لنا ربّنا عظامًا مُجوَّفة من الداخل، وزوّد تجاويف أجسامنا بأكياس الهواء كما عند سائر الطيور، ولكن ميزتنا هي العضلات التي تمكننا من بسط أجنحتنا وإبقائها مبسوطة أثناء الطيران، والتي تساعدنا على التحليق في السَّماء ساعات طويلة بلا تعب، إذ نكون قد استثمرنا تيار الهواء في أجواء المحيط، وركبنا الهواء ساعات طويلة. إن الطرف الأمامي من جناحَيَّ أطول مما عند فصائل الطيور الأخرى؛ فبينما يتألف جناح الطيور الأخرى من 10 إلى 12 ريشة، يتراوح عدد هذه الريشات لدينا من نوع إلى آخر ما بين 25 إلى 34 ريشة. وبفضل أجنحتنا الطويلة والضيقة هذه، نتمكّن من التحليق في الهواء وإنْ كان التيار فيه خفيفًا. وأما في الأجواء الساكنة التي لا يتنسّم فيها الهواء فأفضّل السباحة على سطح المياه، كي لا أعاني من حمل جسمي الثقيل أثناء الطيران كثيرًا.

ترتيبنا في شجرة الطيور

نحن من طيور العواصف (Procellariiformes)، ننتمي إلى الأنواع الأربعة التي تكوِّن فصيلة “Diomedeidae”، المتوزعة إلى 21 نوعًا. سِتُّ أنواع من فصيلة “Diomedeidae”تشكّل كبرى أنواعنا. فأنا البطرس الجوال، يبلغ مسافة جناحَيَّ المبسوطين 340 سم. وقد تبلغ هذه المسافة عند ذكورنا المُسِنّين 363 سم. وتِسْعٌ من أنواعنا صغيرة الحجم تنتمي إلى جنس “Thalassarche”، كما ينتمي أربع أنواع لنا إلى الـ”Phoebastria”، وتعيش في المحيط الهادئ الاستوائي أو الشمالي.

أما المسافة بين الجناحين المبسوطين عند البطرس أسود الحاجبين فتبلغ 230 سم، وتبلغ عند البطرس ذي الساق السوداء مِتْرين، وعند البطرس المَلِك 315 سم. هذا وقد يتميز البطرس السُّخامي بذيله القصير، وجناحَيه اللذين لا يتجاوزا 215 سم، كما أنه لا يعدّ من فصيلة الـ”Diomedea”.

عائلة نموذجية

نقوم بطقطقة مناقيرِنا من أجل التعرّف على الإناث التي سنختارها رفيقة لنا في الحياة. تقوم الأنثى التي تُعِدُّ نفسها للأمومة بإقامة عشها على شكل طاسةٍ تفرشها بالطين والطحالب والأعشاب.

ذكور البطرس أوفياء لأزواجهم. فالافتراق لا يحدث إلا في حالة عدم الإنجاب، وإن ثمن الافتراق باهظ للغاية، إذ تحتاج الأنثى بعده إلى عام أو عامين للزواج مرة أخرى.

حين تبيض الأنثى بيضة واحدة نتناوب نحن الإثنين على حراستها واحتضانها، إن نمو الفراخ عند أنواعنا الضخمة يحتاج إلى فترةً أطول من فراخ أنواعنا الأخرى؛ إذ تبلغ فترة احتضان البيضة عند أنواعنا الصغيرة 65 يومًا، بينما تصل عند الضخام 85 يومًا. ويتراوح وزن البيضة المُرقَّطة بالنقاط الحمراء ما بين 200-510 جرامًا، وذلك يساوي نسبة 5-10% من وزن الأم.

العناية بالفراخ

يعتني الزوجان بصغيرهما أثناء احتضانه 356 يومًا، ثم سنة واحدة أخرى حتى ينتهي من تبديل رشيه. وهذا يعني أننا نقضي عامين كاملين برعاية صغيرنا حتى يغدو طيرًا صحيح الجسم.

نقوم بتغذية الفرخ الذي يفقس من البيضة جيدًا في الأيام العشرين الأولى، ثم يتناوب الذكر والأنثى في زيارة صغيرهما وحمل الطعام له بانتظام. تتمكن الفراخ التي تنمو ذيولها وأرياشها في مدةٍ تمتد من ثلاثة شهورٍ إلى عشرة شهور، من مغادرة العش لفترات قصيرة. فبينما يغادر فرخي العش بعد 278 يومًا، يتمكن فرخ البطرس ذو المنقار الأصفر (Thalassarche Chlororhynchus)الذي يصغرني حجمًا والذي يعيش في المحيط الأطلنطي، من مغادرة العش بعد 120 يومًا. نمضي فترة الشباب التي تمتد من خمسة أعوامٍ إلى عشرة أعوامٍ في تعلّم السباحة وصيد الأسماك.

إننا نقوم بتصرفاتنا كلها بتقدير إلهي، مُبرمجين وراثيًّا لنحافظ على حياتنا ويستمر وجودنا على مسرح الحياة. وعلى الرغم من بعض العثرات، فإننا نقوم بكل ما يحتاجه جنسنا من أنشطة وأعمال بإذنه سبحانه وحده. تبتعد فراخ البطرس ذات السيقان السوداء عن العش نحو 25 أو 30 مترًا لتسبح في حرية تامة، ثم تعود إلى أعشاشها عند عودة آبائها أو أمهاتها حاملَين لها الطعام، كما لا يبتعد المراهقون من صغارنا كثيرًا عن أعشاشهم.

تظهر أولى علامات البلوغ عندما يبلغ المراهقون الثالثة أو الرابعة من العمر، ولا يتمكنون من بناء أعشاشهم حتى يبلغوا السادسة أو السابعة. وربما يمتد ذلك عند بعض أنواعنا إلى الخامسة عشرة من أعمارهم ولا يستطيعون بناء أعشاشهم قبل هذه المدة.

السعي في سبيل الرزق

نتغذى على ما يطفو على الماء… كما أن حيوانات البحار الجريحة أو الميتة أو أسماك الحبار والقُشِريّات هي الطعام المفضل لنا. وأصبح اتباع السُّفُن في السنوات الخمسين الآخيرة مُغريًا لنا، لأن بقايا الأطعمة التي تلقى منها تكون مصدرًا جيدًا لغذائنا. بالإضافة إلى ذلك تقوم بعض أنواعنا بالبحث عن غذائها في أعماق المياه. فالبطرس ذو الرأس الرمادي -على سبيل المثال- يغطس حتى ستة أمتار ليصل إلى فريسته… والبطرس السخامي ذو المعطف يستطيع أن يصطاد في عمقٍ يصل إلى 12 مترًا. ولكن معظمنا يبقى على الغذاء الذي يطفو على سطح الماء. زد على ذلك فإننا نملك قدرة على الصيد في ظلام الليل، ويساعدنا في ذلك بريقُ كثيرٍ من الكائنات البحرية كأُمِّ الحِبْر على سطح البحر. نحن طيور البطرس الجوالة نأتي في المرتبة الأولى بين طيور المُعَمِّرَة؛ إذ نعيش 30 عامًا، كما يعيش بطرس “Diomedea epomophora” 62 عامًا.

ما نتوقعه لمستقبلنا

إن سألتم عن عدونا الأكبر، فهو الإنسان مع الأسف في ظل العديد من الشركات التي تتعقبنا في سبيل الحصول على ريشنا، ثم بيعها بأثمان باهظةٍ للمترفين من الأغنياء ليحشوا بها وسائدهم أو فرشهم. وبسبب ذلك أوشك البطرس ذو الذيل القصير على الانقراض، وقد قُتل مئات الآلاف من إخواني خلال الأربعينيات من القرن العشرين، مع أن الله سبحانه قد يَسَّر لكم القطن والصوف. وبسبب هذا الترف، بتنا اليوم نحن طيور البطرس مهدَّدين بالانقراض والغياب عن مسرح الحياة.

كما أن تلوث البحر بالنفايا النفطية، وتسرب البترول نتيجة الحوادث التي تتعرض لها ناقلات النفط والمنشآت النفطية البحرية، أدى كل ذلك إلى فساد غذائنا بشكل مخيف وبالتالي إلى موت الكثير منا… وقد علمتُ مؤخرًا من علمائكم المتخصصين بأبحاث البيئة، أن عدد الموتى من إخواني الذين علقوا بشباك صيد السمك أو قُتلوا برصاص بنادق الصيادين، بلغ 44 ألف طير.

إن عددنا اليوم يُقدَّر بمليوني زوج، 600 ألف زوج من هذا العدد، من البطارس ذات الأرجل السوداء… كما تتوزع الأخرى إلى 14 نوعًا بمعدل 20 ألف زوجٍ لكل نوعٍ، تسعى جميعها إلى هجرة دائمة من محيط إلى محيط لتبقى على قيد الحياة.

ولكن كلُّنا آملٌ في تكاثر عدد الذين يؤمنون بأن هذه الطبيعة أثر من آثار الصانع الخبير ذي القدرة المطلقة؛ ستستيقظ الإنسانية من سباتها العميق وتنهض من جديد… وعندها تنجو الطبيعة من التخريب وينجو نسلنا من الانقراض إن شاء الله.

 (*) جامعة 9 أيلول / تركيا. الترجمة عن التركية: مصطفى حمزة.

About The Author

أستاذ محاضر في البيولوجيا بجامعة 19 أيلول بمدينة إزمير. تركيا

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.