من نقطة النهاية تبدأ الرواية، من لحظة الهدم الثوري والطوفان الأعظم يبدأ البناء السردي، إذ  في كلا المشهدين نسمع بجلاء “أصواتُ الاستغاثة والهلع، فالقرية كلها تصرخ، حينما انفجرت عيون الماء، وتدافعت الأسماك المتوحشة من البئر القديمة، لتأكل كلّ شيء. ستُباد القرية بأكملها، لتنتهي الحكاية، وتبدأ أخرى، ولكن بدون غانم ومملكته، وقريته التي طالما حلمتْ باستخراج كنزها الملعون، الذي سيُغير خارطة العالم، ويجعل منها أغنى قرية على وجه البسيطة”.

من لحظة الثورة والهدم يبدأ المؤلف، وكأنه اختيار يُؤكد أن كل بناء جديد يحتاج لهدم القديم، لذلك يبدأ النص وينتهي بالهدم، ثم ينسج بينهما تاريخاً ممتد وعميقاً لذلك المجتمع، فما بين مشهدي الدمار والاندثار في بداية ونهاية الرواية القصيرة – أو “النوفيلا”- “كوم الخادم” بتوقيع الصحافي والشاعر المصري عبد العليم حريص، الصادرة عن دائرة الثقافة بالشارقة –  في 161 صفحة من المقاس المتوسط، نعيش تجربة سرد دائري مليء بالمنحنيات صعوداً وهبوطاً وفق مصائر وأهواء الأبطال، سواء كانوا شخصيات رئيسية أو محورية، حتى تلك الشخصيات الهامشية تظهر بملامح حادة قوية لتُكمل المعمار السردي، والبنائين المجتمعي والفني لمملكة غانم، عبر خيال تعبيري رشيق ومتين، ملون بفضاءات الواقع الذي تُخصبه الأسطورة من دون أن يتخلى المؤلف عن إشارات سياسية يأتي بعضها مُغلفاً برداء شفاف مباشر من الدلالات الرمزية على الأخص ما يتعلق منها بحرب ٤٨، ونكسة ٦٧، وبقايا الملكية والإنجليز، وحكم الضباط الأحرار، وقوانين الإصلاح الزراعي.

نص ميتالغوي 

أما البعض الآخر -من الإشارات السياسية- فيبدو متوارياً، متستراً بقناع الأسطورة أو الأحلام وكأنه يحتمي بهما كي يشي بقضايا شديدة المعاصرة، فالكاتب يوظف تقنية الرمز، فيمزج بين الرمز والأسطورة والتراث والفلكلور، جاعلاً الرمز القادم من أعماق الماضي واضحاً، بجماله وقيمه وبهائه، لكنه ماضٍ لا يخلو من تناقض، وكانت له مشاكله أيضًا.

ليس الرمز هنا رمزاً جزئياً، وإنما رمز كلي، يشتمل الحياة بشتى صورها. فللرمز مقدرة على تجريد الواقع وصياغته في علامة تتخذ من الحكاية التاريخية والأسطورية والشعبية أردية شفافة لها، وهو ما يتضح بقوة مع قضية الاستبداد المطروحة عبر أشكال متباينة ومختلفة داخل متن رواية «كوم الخادم»، كما أن فرض الهيمنة في المجتمع هناك واضحة في طغيانها، فالهيمنة والاستبداد متفشيان بقلب ذلك المجتمع البطريركي الغارق في ذكوريته.

أما لغة النص فواضحة غير معقدة، لكنه أيضاً يمتاز بأنه سرد يمتلك بنية لغوية متعددة الطبقات، حيث يفارق في العديد من المرات أرضية الدلالات اللغوية المباشرة، ليحوم في سماوات رمادية وأجواء فوق لغوية، حيث الدلالات المتكاثفة، التي ما تلبث بعد فكّ شفراتها النصيّة إلى أن يتمّ تأويلها إلى فضاءات رحبة من الدلالات الثنائية لتشكل عوالم شفيفة من المعاني والدلالات. فمثلاً هناك العديد من الاختيارات التي تجعلنا نتساءل ونتوقف أمامها طويلاً: لماذا اختار الروائي “الهدهد” ليسقط في البئر مع هذا الغلام الذي يسكن جسده مملكة من الجن؟ هل يودّ السارد العليم بالأمور إعادتنا لقصة سليمان الحكيم؟ ولماذا اختار لبطله “غانم” أن يُصبح أول ملك على الأرض لا يوجد لديه رعية؟ لماذا جرده من شعبه وأملاكه رغم مملكته الشاسعة ولم يترك له سوى ميراث العدم؟ لماذا قرر أن يحوّل الأسماك من مصدر للخير ورمز الزرق في الثقافة الشعبية، ويستبدلها بصورة كائنات متوحشة تلتهم الأخضر واليابس في القرية؟ لماذا تعمد الروائي أن ينسج العديد من الثنائيات المتناقضة أحياناً، فمثلا هناك ثنائية الابنة التي اختارت أن تقرر مصيرها بنفسها، فاتخذت قرارها بالهرب مع مَنْ تُحب؟ بينما الأم رضخت للسرقة والقبول بالزواج من مغتصبها لأن معاملته لها كانت أفضل من الحياة التي كانت تعيشها بين أهلها، مع مراعاة أن الفكرة ذاتها تتقاطع مع فكرة مديح المحتل والمستعمر وفق ما يطرحه الراوي العليم إذ يُفضل وجود الاستعمار ويعتبره في مصلحة الشعوب المحتلة.

الثنائيات

يعود المؤلف للثنائيات إذ تلوح في الآفق بين فصول العمل بقوة لتؤجج الصراع الدرامي، منها ثنائية الثوري والخانع، فنواف ذاته -الابن الأكبر لغانم والثائر على والده- يجمع بين الصفتين، وكأنه يمثل ضفتي شخصية واحدة اعتبارية، الأخذ في الاعتبار بثنائية متناقضة أخرى تتعلق بشخصية الجازية ومقارنتها مع باقي الشخصيات النسوية، فالأولى تبدو أقرب لعالم الرجال وسطوتهم، وهناك شخصيات أخرى هامشية عديدة -من النساء والرجال- أغلبها كان خانعاً، لكنه الخنوع المُوشى برداء الحكمة والفضيلة، حيث يجعلها المؤلف تبدو وكأنها ثنائية للفكر المستنير في مواجهة الواقع الحافل بالثأر، واللعب وفق حسابات المكسب والخسارة، مثلما تبدو بجلاء ثنائية السلام في مواجهة الدموية، والصراع بين جيلي الآباء والأبناء وما بينهما من منافسة وعدم انسجام، إضافة إلى ثنائية الحلم والواقع، الحرام والممنوع، المباح والمسموح، خصوصاً ما يتعلق بالنظرة إلى اللص ومكانته الاجتماعية، والعلاقة بينها وبين الفتوة في روايات “نجيب محفوظ”. وغيرها من الأمور مثل العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، أو بين التاجر اليهودي والفلاحين، أو بين حرب فلسطين واغتصاب غانم للأرض من أولاد أخيه، واغتصاب صاحب أرض المقام لميراث أولاد أخته أيضاً، وكأنه إسقاط على “القدس” واغتصاب أرض فلسطين… وإلا فلماذا تم الربط بين الواقعتين؟

إن تلك الأقطاب الثنائية -السابقة- المتقابلة تعمل على شحن المسار الدرامي بتوترات جدلية، وطاقات صراع تحفظ للحكاية ديمومتها وتُنشط حيويتها، خصوصا عندما يحكي عن “حازم بيه” ومنافسته للمسيحيين في عهد الملك “فاروق”، مثلما يجعلنا نتساءل: لماذا تمّ تجهيل شخصية صاحب أرض المقام بينما تم تعريف هوية مَنْ تجرأ على شرائها، فالمشتري نصراني مذكور عنه كثير من التفاصيل؟ لماذا التجهيل في مقابل التعريف؟ كذلك صاحب الأرض مجهول الهوية يُحصن نفسه بقراءة فاتحة الكتاب والمعوذتين ثم يستنجد بأم اليسوع، وكأنها إشارة إلى هويته المسيحية أو تغليب لها عن إسلامه “فعند الصباح سمع الخفير ينادي عليه، فخرج معه في هدوء، وهو يحصن نفسه بفاتحة الكتاب والمعوذتين، وأحياناً يردد يا أم اليسوع أنا في حماكِ، حتى أرجع إلى أولادي، فهو لا يدري بأي دعاء سيحفظه الله من بطش حازم بيه”.

السرد الحلزوني

من لحظة ثورية ينهض النص الروائي الذي بُنى، من ناحية، بناءً اجتماعياً حلزونياً، فالبُعد الاجتماعي الذي يحييه الخطاب الروائي، مُعبر بقوة عن تصادم الأهواء والمشاعر بين الشخصيات، حيث تشي بنية الشخصيات وتاريخ المكان بالتحولات الاجتماعية والسياسية عبر لمحات وخيوط رقيقة لكنها كاشفة بقوة الدلالة، وذلك في ظل مهارة الروائي في تجسيد ملامح وأنماط الشخصيات المتباينة، على الأخص شخصية غانم، ونواف، والجازية، إلى جانب شخصيات الراعي والتاجر، والعمدة، كلٌّ بتاريخها الروائي الكاشف للتحول القيمي بالمجتمع، والانحراف عن مبادئه وعقائده، فهناك لمحات لانهيار بعض القيم، ومنها قيمة العمل والكرامة، وتفشي الفساد، والكذب، والخداع. حتى أن الطموح تحول لقيمة سلبية بعد أن بلغ حدود الجشع المغموس في الغيرة المتأججة التي تدفع بالإنسان إلى السلب والنهب والاغتصاب والثأر الأعمى.

يُطرز المؤلف حكاياته بتفاصيل قاسية عن الانتقام، الإلهي والبشري، من الواقع والتاريخ والأسطورة، فيستعيد قصصاً للقتل العمدي المدروس، وأخرى تمت عن طريق الخطأ. إنه عمل روائي ملغم بحكايات الجن وأصحاب الكرامات، لكن المدهش أن مفاصل العمل وعناصره الأساسية المكونة لعموده الفقري تخلط بين الوهم والحقيقة، بين الرواية والأسطورة”. فما يظهر هنا، لا يمثل عُشر الحقيقة، التي تختفي أسفل الأرض، وينطبق هذا على أغلب قرى ومدن صعيد مصر، حيث الحقيقة تختفي، ولا يظهر منها إلا مقدار ضئيل أمام أعين الناس.. وتبقى الحقيقة جزء من الأسطورة، والأسطورة بنت الحقيقة، الرابضة أسفل “كوم الخادم..”

لعلّ أحد الملامح البارزة بالرواية السرد التوثيقي للأسطورة، للتاريخ، للعادات والتقاليد، والفلكلور بتلك القرية التي تكاد تكون تمثيلاً لجميع قرى الصعيد، وربما كثير من محافظات أرض الكنانة؟.. إضافة إلى براعة المؤلف في توظيف تقنية الحلم على قلتها، وكأنه القنطرة التي يعبر عليها الحدث، إلى مزيد من عرض الأحداث، والمواقف، التي تبين الاختلافات والفروقات بين الشخصيات ومصائرها. من هنا يبدو الانقسام الداخلي بين الماضي والحاضر، فهناك توازٍ بين الزمنين، بين تطور الحدث في الحاضر وحركة “الفلاش باك” في ذكريات الماضي، والانتقال بين التاريخ والأسطورة وآنية الواقع.

من زاوية أخري، فالرواية لا تخضع لوحدة الحدث. فحدثها أكثر تشعباً وتشابكاً ومعه تتسع الرؤية. رغم ذلك يتميز السرد هنا، بأنه قريب الشبه من حكايات «ألف ليلة وليلة»، فالمؤلف يُوظف الراوي العليم بالأمور، من دون أن يُحدد هويته، ليحكي بواسطته عدداً من القصص المتناوبة فتبدأ من القصة الافتتاحية لتتلوها حكاية الإطار، ثم يخرج لقصة فرعية تضمينية قبل أن يعود إلى القصة الأولى والرئيسية مجدداً، ليخرج منهما إلى قصة ثالثة ورابعة، مرات ومرات، فيُكرر ذلك بإيقاع جذاب.

وهكذا نجد قواسم مشتركة بين “كوم الخادم” و”ألف ليلة وليلة” في الأسلوب الفني المُعالج به الشخصيات والأحداث حيث يتداخل الزمان والمكان في الحكايات، فهناك حكاية المفتتح عن غرق القرية، والطوفان، ثم الحكاية الإطار وهى حكاية غانم ومملكته الملعونة والمنسوجة بمهارة بالغة وانتقالات شديدة السلاسة مع تلك الحكايات التضمينية التي تتداخل ضمن حكايات الإطار وتتمتع بدلالات فنية ومضمونية مثل حكاية الأولياء الصالحين، والراعي المسيحي، والتاجر اليهودي، والعمدة المعجون بالجشع والطمع والجبروت خصوصاً غانم الذي “لم تكن الحياة معه وردية على طول الطريق، فكانت هناك منحنيات وحفر وسدود، تعيق أو تؤجل أحياناً غانم عن المضي قدماً في طموحاته الاستعمارية، فهو يفكر بذهنية مستعمر لا مصلح”.

لكن اللافت أن دخول الشخصيات الجديدة كان يُنسج بتلقائية، مع المحافظة على الشخصيات الرئيسية، في ظل تغليب لتقنية الوصف الشاعري أحياناً من دون تجسيد مواقف درامية، فالروائي متأثر بحرفته الشعرية، لكن مع ذلك، ورغم كثرة الشخصيات، وزخم التفاصيل والأحداث، فالقارئ يقفز من قصة إلى أخرى عبر الحكايات المتوالدة المتكاثرة، لكل منها بداية ووسط ونقطة صراع متفجر، لكن بعضها لا نُدرك نهاياته، إذ يختفي أبطالها كما في الحياة من دون أن نسبر أغوارهم، ومن دون أن نصل لكشف أسرارهم القابعة في قاع البئر المكين. أو ربما هي خدعة من المؤلف لتوريط القارئ في اختراع نهايات لهم.