يا أَبَتِ، إنِّي لا أخْشَى الموتَ؛ ولكنِّي أخشى لقاءَ اللهِ، والزَّادُ قليلٌ؛ بل مُنْعَدِمٌ لا يكفي لغَسْلِ ذُنُوبِي.

يا أبتِ، إنِّي لا أخْشَى الموتَ؛ ولكنِّي أقولُ صِدْقًا: العملُ قليلٌ لا يكفي لسَتْرِ عُيوبِي.

يَا أَبَتِ، إنِّي لا أخشى الموتَ؛ ولكنِّي بَشَرٌ أحْبَبْتُ الدُّنيَا وزِيْنَتَهَا، وضَعيفٌ مَنْ ذَاقَ حَلاوتَها ومَا زَالَ.

آهٍ.. كمْ يبدو هذا الحَرْفُ عَنيفًا: مِيمٌ وَاوٌ تَاءٌ، يَنفجِرُ قويًّا، يُعلِنُ للبَاقِينَ نِهَايَتَنَا، كُنَّا ومَا عُدْنَا، والحَالُ يَقولُ: كَانَ وقَالَ.

يَدخُل أبوابًا غَفلَةً، فلا ترحيب ولا اسْتِئْذَان، يَختارُ ولا يُختارُ، يَأخذُ ما شَاءَ، وكيفَ يَشاءُ، لا يُؤلِمُه الوَجَعُ، ولَا الدَّمْعُ المُنْسكِبُ منَ الأحْدَاقِ.

أَترانِي أخْشَى المَوتَ؟

أنا لا أخشَى المَوتَ؛ ولكنَّ سوادَ الليل يُفزِعُنِي، وخَطْوَ الأقْدامِ يُرهبُنِي، وتصوُّر سؤَالِ المَلَكيْنِ يُعذِّبُنِي: هَلْ أجِدُ جوابًا لكُلِّ سؤالٍ يا أبَتِ مِمَّا كُنتَ تَتْلُوهُ علَيَّ، وتَغْرِسُه فِي ذَاكِرتي قبلَ الحَبْوِ وبَعْدَ المَشْيِ؟ أركانُ الإِسلامِ خَمسةٌ، أرْكانُ الإِيمانِ سِتَّةٌ، أُتْبعُهَا بالنَّاسِ وبالفَلَقِ، وأبْكِي، وبالنَّصْرِ أَختِمُهَا، أُعلِنُ نَصْرِي، وأَهزمُ ضَعْفِي، مَا أَجْمَلَهَا مِنْ أَيَّامٍ!

أَتذكُرُ يَا أَبَتِ؟ أَتُرَاهَا تَشفَعُ لِي؟

أرَاهُ شبَحًا بِبيوتِ الجِيرَانِ، وأَفْزَعُ من نَومِي: الدَّورُ عَلَيَّ؟ لَكِنِّي ما زلتُ أُحِبُّ الدُّنيَا، والقَلْبُ خَرَابٌ تَسكُنُهُ العَناكِبُ، تَخيطُ الأَمَلَ، وتُطَرِّزُهُ بِالأَوهَامِ.

أيُّ تيهٍ هذَا؟ أَتُرَانِي أَتُوبُ؟

مَا كُنْتُ أدْرِي أَنَّكَ تَسمعُنِي حتَّى تَلَقَّيْتُ الجَوَابَ، لا تَسْأَلْ كَيْفَ؟

أَيُّ نُورٍ وأَيُّ صَوتٍ هذا الَّذِي يَحمِلُهُ الفَجْرُ؟ يتَسَلَّلُ عَبْرَ زُجَاجٍ لَا يستُرُ الضَّوْءَ، ويَزِيدُ الصَّوتُ ارْتفاعًا كُلَّمَا دنَا مِنِّي واقْتَرَبَ: إذَا اسْودَّتِ الدُّنيَا في عَينَيْك لَا تُغْلقِ الأَبوَابَ؛ بَل اخْرُجْ إلَى الفَضَاءِ الوَاسِعِ، وارْكُضْ لَا بُدَّ سَتجِدُ حَوضَ مُغْتَسَلٍ وَشَرَابٍ، وَلا تَحْزَنْ، فَإِنَّ معَ العُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا.

وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا؛ فَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، بَارِقَةٌ تَرْفَعُنِي مِنْ طِينِ الأَهْوَاءِ إَلَى مَقَامِ الصالحينَ، تَنْزَعُ غَشَاوَةَ التِّيهِ والضَّيَاعِ.

مَا كُنْتُ أَدْرِي أَنَّ الصلاةَ لِي مِشْكَاةٌ، أنَا لَا أَخْشَى المَوْتَ يَا أَبَتِ، أَنَا لَا أَخْشَى الْمَوتَ.