كانت مبادئ فلسفة “رونيه ديكارت” (1596-1650م)، لَبِنة جديدة حاول خلالها إرساء دعائم مغايرة، لِما كانت عليه “الفلسفة المشائية”، نسبةً للمعلّم “أرسطو”، فأخذ على عاتقه انتقاد هاته الفلسفة انتقادًا مباشرًا، لكنه عَدَلَ عن ذلك بعمل يؤدي المهمّة ضمنيا تجلّى في كتاب باللاتينية سنة 1644م، وترجمةٍ بالفرنسية راجعها بنفسه سنة 1647م؛ إذ لمّا فَطِنَ عُقْم الفلسفة المدرسية الأرسطية، وبُعدها عن الحياة العَمَلية، بادر لإصلاح هذا المنهج، في تحدٍّ لطرق تدريسها من ناحية، وتفادي مضيعة الوقت في الجدال، من ناحية ثانية.

أهدى “مبادئه” للأميرة إليزابيث (1618-1680م)، وخَصَّها بكلام متميّز، قال فيه: إنّ أعظم نفع ظفرتُ به مِن المؤلفات التي نشرتها مِن قبْل هو أنني قد نلتُ شرف الالتفات إليَّ مِن سُمُوك، “ويُبلِّغُها هدفَ مبادئه، قائلا: “قصدت فيها إلى أن أضعَ مبادئ جميع الحقائق التي يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفها، ولهذا لن أضع في هذه الرسالة شيئا ما لم تكن التجربة والعقل قد جعلناني مستيقنا منه”.

لكن، خاب أمله مع المثقفين والعلماء، في استيعاب فلسفته رغم وضوحها، وتضمّنها مناهج جديدة، فكان يُمَنِّي نفسه بأن تؤيده هذه الفئة المثقفة على الأقل، يقول مُعطيا مكانة فكرية عظيمة للأميرة: «لهذا أستطيع أن أقول محقا، إنني لم ألق قط إلا ذهن سموك وحده، الذي يستسهل هذه [رياضيات]، وتلك [ميتافيزيقا] على السواء، ولهذا يحق لي أن أصفه بأنه ذهن لا نظير له».

فما هي مبادئ فلسفة ديكارت؟ ما المنهج الذي اعتمد عليه لفلسفته الجديدة؟ كيف سيتعامل مع فكرة الله مقابل حرية الإنسان تماشيا والطبيعة؟ وكيف سيتصرف مع الأخطاء التي تسرّبت للذهن الإنساني؟ وأخيرا، ما هي الإشكالات الجديدة التي أعاد ديكارت صياغتها في منهجه؟

استهل ديكارت مبادئه بالفرنسية، بتقديم أرسله للمترجم يُوضح فيه موضوعها، والهدف منها، ومنفعتها، «وذلك يجعلني أرى أنّ مِن الخير، أنْ أضيف إليها تقديما يُبَيِّنُ لهم [للفرنسيين]، القصد الذي توخّيته، وما المنفعة التي يمكن أن تنال»، وهذا دليل وضوحه، حيث شَرَحَ معنى الفلسفة ثم منفعتها، أي الاشتغال بالفلسفة الحقيقية؛ ثم إصلاح الأخلاق، وهداية السلوك فــ “الحكمة هي القوت الصحيح للعقول”، عكس البهائم، التي تبحث عنه لحفظ أجسامها فقط.

فلاحظ ديكارت هيمنة الأرسطية على مناهج التدريس –آنذاك-، ولم يستسغ أفكارها المدرسيَّة الجاهزة، فحاول اكتشاف طرق ومبادئ، تستجيب لماهية العقل وإدراكه، سيما أنه أوشك على طباعة كتابه “العالَم”، مُعلنًا فيه دوران الأرض حول الشمس الثابتة، لو لم يصله خبر محاكمة جاليليو جرّاء الفكرة نفسها، فيقول موقفه العِلمي تأييدا لجاليليو بشكل عنيف ضد أبيقور، حول حجم الشمس فقط فما بالك بثباتها: “حتى أنه يُقال أنّ أبيقور بلغت به الجرأة في أقواله، أنْ صرَّح خلافا لجميع استدلالات علماء الفلك، بأنّ الشمس ليست أكبر حجما مما تبدو لنا”.

وبما أنّ مبادئه الفلسفية تتضمن معرفة راقية، فإنّه انصرف عن باقي المبادئ القديمة، لأنّها مضيعة للوقت في تحقيق الهدف التعليمي المنشود؛ فيُصرّ ديكارت قراءتها كاملة، حتى يأخذ القارئ فكرة عن مواضيعها، بعد ذلك يعيد القراءة، لملاحظة ارتباط الأفكار واتصالها، ثم يعيد القراءة مرات، وهكذا يجد الحل لكافة الصعوبات.

فاشترط ديكارت في كلِّ مبدأ جديد، يتمّ اقتراحه بدَل فلسفة أرسطو، أولا الوضوح، وثانيا القدرة على استنباط أفكار وحقائق جديدة منه؛ فكان [الكوجيطو]، أول مبدأ واضح ضِمن فلسفته، ومنه استنبط المبادئ الأخرى: وجود الله، وأنّه خالِق العالَم ومنبع الحقيقة، ناهيك عن خَلْقِهِ الفكر الإنساني بفطرة تجعله يُصيب الحُكم على أشياء تصوّرها بوضوح تام، وبهذا ينتقد الشك المطلق ولا يعتبره ضمن منهجه.

كما أكّد أنّ قوله منذ زمان واضح لأغلب الناس، وإنْ جهِلوا أنها مبادئ الفلسفة؛ فالعامّة ستفهم قصْده، بينما الخاصة تحتاج مزيدَ وقتٍ لإدراك خبايا مبادئه جميعها، لأنّه أدمج المسائل العِلمية البحتة في قالب ميتافيزيقي، وعليهم بذل مجهود مضاعف لاكتشافها.

ليس هذا فقط، بل انتقد المتسرّعين للرّد عليه، كَوْنَ الإنسان يقطف الثمرات مِن أطراف الأغصان، لا الجذور أو الجذوع، فكذلك تعتمد منفعة الفلسفة عمّا نتعلّمه آخراً؛ وهي ثمرات عدَّها كالآتي: اكتشاف حقائق مجهولة، استعمال المنهج بالطريقة الصحيحة، وضوح الحقائق ومدى الهدوء والإحساس بالرضى الذي خلّفته، اكتشاف الحقيقة باستخدام المنهج الدقيق لتحصيل المعرفة.

أحسَّ ديكارت تجاوزه الحاضر لأجيال المستقبل، كأنه المُنقذ، فدليل فساد مبادئ أرسطو، أقوى قولا أنّ الناس اتبعوها قرونا بلا فائدة؛ فغيَّرَ كلامه، مِن تواضع سابقا، إلى كلام فيلسوف مُتمكِّن في ختام تقديمه “للمبادئ”، وصاحب مذهب يُطالب الناس بتتبّع طريقه القويم، يقول: «فإني مقتنع بأنه لن يوجد واحد لا يحاول أن يشغل نفسه بهذا البحث المفيد، إنّ أمنيتي أنْ يأتي يوم يشهد فيه خلفاؤنا هذه العقبى السعيدة».

تنقسم مبادئ فلسفة ديكارت، لأربعة أجزاء: -مبادئ المعرفة البشرية [الميتافيزيقا] –مبادئ الأشياء المادية [الفيزيقا] –في عالم الشهادة [دراسة فلكية] –في الأرض المد والجزر وخواص المغناطيس؛ ويبدو جليا مِن العناوين طابعها العِلمي أكثر منه الدِّيني أو الفلسفي، وهو همّ شغَل ديكارت حياته كلها؛ حيث نلاحظ [الإنسان، المادة، الفلك، الأرض، المد، الجزر، المغناطيس]، أبحاثا لم يجد طريقا أسهل مِن البدء بالميتافيزيقا، رغبةَ الوصول لهدفه المُضمَر، تماشيا وقناع الإيمان في التأليف.

فَلِكَي تكون المعرفة كاملة –حسب ديكارت- يجب أن تُستخرَج مِن العلل الأولى، وهي إجمالا العِلم بالله، وهو ما انتبه له حينما قَلَبَ النظام المعهود للمعرفة البشرية، وجعل الميتافيزيقا مدخلا للميكانيك؛ بعدما كان المنطق سابقا بدايةَ الوصول للميتافيزيقا، وهذا قَلْبٌ كوبيرنيكي واضح، فالميتافيزيقا مدخل لفهم الرياضيات، وليس العكس.

في الإطار ذاته، يفصل ديكارت بين الفضائل الحقيقية والرديئة، وبشكل خاص، يُقِرُّ أنّ الفضيلة واحدة لا تتجزأ، فمَن مَلَك فضيلة مَلَك الفضائل كلها؛ ويربطها بالعِلم مُصرِّحا أنهما شيء واحد، كذلك الخطأ والرذيلة لا يفترقان، وأيضا الخير لا يفترق عن الحق؛ فما يداعب نفوسنا مِن فكر هو شيء في مقدورنا، فالبدء مِن الذات لا خارجها أساس المعرفة؛ وترتَّب عليه تغيير رغباتنا عِوَض منظومة العالَم.

يصرّ ديكارت دائما أنّ المعرفة الإنسانية المليئة بالأخطاء، تأتي عن طريق التصورات المُكتسبة بلا تأمل، وتجربة الحواس، وأحاديثنا مع غيرنا، وأخيرا مطالعة الكتب؛ وهذه الطرق نابعة مِن فكر أفلاطون وأرسطو وأتباعهما، والشيء الأفضل هنا أنّ النجاة تكمن في الذهن، لأنّ بَعْدَ أفلاطون وأرسطو نشأ مذهبان؛ الشك المطلق، واليقين المطلق، دون استعمال العقل للتمحيص والمُساءلة في كليهما، فالذين لم يُوظّفوا بداهته «قد تابعوا أرسطو متابعة عمياء، حتى إنهم كثيرا ما أفسدوا معنى كتاباته، ناسِبِينَ إليه آراء مختلفة ما كان لِيُقِرَّ نِسْبَتَها إليه لو أنه عاد إلى هذه الدنيا». ويعطي هنا مثالا لِمسافر يُدير ظهره للمكان المقصود، فحتما سيبتعد كثيرا عن هدفه، «وكذلك شأن الفلسفة، إذَا اصطنعنا فيها مبادئ فاسدة، كان ابتعادنا عن معرفة الحقيقة، ومعرفة الحكمة بمقدار ما نبذل مِن عناية في تعهدهما، وما ننفق مِن جهد في استخلاص مختلف النتائج منهما، ونحن نظن أننا نحسِنُ التفلسف، مع أننا نكون قد أمعنا في الابتعاد عن الحق».

يتابع ديكارت نحت معالِم منهج جديد، مؤكدا الحاجَة لمنطق مغاير، يُوجِّه العقل بالمنهج السليم، بدل منطق قديم يعلِّمُنا كيف نُفْهِمُ الآخر بالجدل؛ فالمنطق يشرح ويعرض ويبسِّط، فإذَا كانت المنطلقات سليمة تكون النهاية سليمة، وإذَا كانت فاسدة تكون النهاية كذلك. أما المنهج، فيُعلِّمُ المرء توجيه عقله لكشف حقائق يجهلها.

لذلك، وللبحث عن الحقيقة يجب البدء بالشك في الأشياء جميعها، حتى التي تقبل أقل شك تُرفض؛ فأبعده ديكارت عن الحياة العَملية، وقيَّده بمسائل الفكر والنظر، فيلزم الشك في الأشياء الحسية للتفريق بين حال اليقظة والنوم، وكذلك الشك في براهين الرياضيات لأنّ الناس أخطأوا وهم يُفكِّرون فيها.

عموما، لِنَحْمِيَ أنفسنا من الضلال –حسب ديكارت-، لابدّ أن نُمارس الشك بحرية، فقدرتنا ايقافَ الوهم والإمساك عن الحُكم، أكبر دليل عمَّا أودعه الله فينا مِن حرية، وقدرة الشك تعني أنك موجود، فحتى لو أسقطنا الأشياء كلها حولنا فنبقى نُفكر باستمرار، ما يعني [أنا أفكر إذاً أنا موجود]؛ فالنفس جوهر متميّز عن البدن ونوجد بها، والجسم واحد مِن الأجسام، فإذاً، يمكن الشك في الأجسام كلها عدا الفكر، إذ ندركه داخِلَنا مباشرة، ويضم الإحساس أيضا، فأنا موجود بالفكرة الحسية، «لأني حين أقول: أنا أرى وأمشي، وإذن فأنا موجود، وحين أقصد مِن الكلام على الرؤية أو المشي عمل عيني أو ساقي، لا يكون استنتاجي استنتاجا يقينيا ينتفي معه كل شك: فقد أظن أني أرى وأمشي دون أن أفتح عيني أو أبرح مكاني، كما يحدث لي أحيانا وأنا نائم، بل ربما يقع لي هذا الظن نفسه، لو لم يكن لي جسم على الإطلاق، ولكن حين أريد أن أتحدث فقط عن عمل فكري أو وجداني، أي عن المعرفة التي أجدها في نفسي، والتي تخيل لي أني أرى وأمشي، تكون هذه النتيجة صحيحة لا أستطيع أن أشك فيها، لأنها ترجع إلى النفس، التي لها وحدها ملكة الوعي أو التفكير».

ممّا سبق يبدو أنّ معرفة النفس أوضح مِن معرفة الجسم، إذ حين نفكر في الأشياء، سواء كانت موجودة أم لا، باطلة أم صحيحة، فنحن موجودون بفكرنا لا بأجسادنا، وهذه المعاني واضحة بذاتها، وتصير غامضة حينما تُفَسَّرُ بطريقة قديمة دون منهج سليم، فحيث يعتقد الناس أنهم موجودون، ويثقون في وجودهم كثيرا، وبفهمِهِم الوجود جسدا لا نفسا، فَهُمْ ينسِبون الخطأ للجسم لا للنفس.

يَعتبر ديكارت مِن جهة أخرى، أنّ مَن جَهِلَ الله لن يعرف شيئا معرفة صحيحة، حتى لو فكّر انطلاقا مِن حدسه مُعتمدا النتيجة دون اهتمام بكيفية حصولها، مُعرَّضٌ للخطأ فيما ظنَّه واضحا مادام يجهل خالقه؛ فوُجود الله مُتَضَمَّنٌ في تصورنا له، لا يشبه الوجود المُمْكن للأشياء فحسب، بل الوجود المطلق الأزلي.

لأجْل ذلك، فمعرفة الله معرفة كاملة، نُدرِكها أولاً عَبْر التمييز بين الماهية والوجود، فالماهية هي الشيء كَمَا في الذهن، أما الوجود هو الشيء مِن حيث وجوده خارج الذهن. وثانياً بمعرفة الفرق بين الله وسائر الموجودات، فالله ماهيته ووجوده متطابقان يستحيل فصلهما، في حين ننظر لباقي الأشياء حَسَبَ فكرتها في ذهننا، ومدى تحقُّقِها في الخارج. وثالثا بمعرفة أنّ الأشياء التي يظهر فيها كمال كثير، لابد من وجود علَّة فيها تفوق كمالَها.

كذلك، فمعرفة الله التي تحدّث عنها ديكارت، فكرة كاملة فينا، وحقيقة يكتشفها الذهن، وليست ثمرة تفكيره، باعتبار الفكر شكلا مِن أشكال الوجود. وبما أننا نعرف عن الله الكمالات اللامتناهية فقط، وهذا سرُّ اطمئنان نفوسنا، فعلاقتنا بالله علاقة اطمئنان؛ فإننا نفهم أنّ فكرة كماله فطرية فينا، فلو كنتُ كاملا لَوَهَبْتُ نفسي مرتبة الله الكاملة، وهذا باطل، فأحتاج لِمَنْ أكمل مني ما دمتُ ناقصا.

يعترف ديكارت أنّ حياة الإنسان كافية لإثبات وجود الله، فليس غيره يضمن استمرارها، فالله كامل مطلَق، ونعرف كماله بفطرتِنا دون وَسَاطَة؛ وفكرة الفطرة هاته سادت إبّان القرن السابع عشر ميلادي، مفادها أنّ الله في داخلنا، ولا نحتاج مَن يدلّنا عليه، بتعبير آخر، التّمرّد على كنيسةٍ تستعبد الإنسان لصالحها، لا مِن أجل الله.

ويتابع، شرح فكرة إنسان يتأثر بالطبيعة، كغيره مِن الأجسام الممتدة القابلة للتجزئة، مؤكِّدا أنها دليل نقصانه؛ ناهيك عن تأثُّر أحاسيسه بانطباعات خارجية، أي يعتمد على غيره، وهذا نقصان آخر، لنستنتج أن الله غير جسماني، ولا يَعرف الأشياء بالحواس؛ فَبَعد معرفة وجود الله اللامتناهي، نعرف كافة المخلوقات المتناهية.

حسب ديكارت، يجب الإيمان التام بتنزيله تعالى، ولو تجاوز مَدَارِك عقولنا، وبما أنه يُفرّق بين اللامتناهي والمحدود؛ فالأول الله، والثاني ما سواه، فإنه لا يؤمن بالغايات، بحجّة أنها اختصاص الله وحده، فـ «لا ينبغي أن نبحث عن الغايات التي أرادها الله مِن خلقه للعالَم، وكل بحث عن العلل الغائية سننبذه نبذا تاما مِن فلسفتنا: لأنه لا ينبغي أن يبلغ بنا الاعتداد بأنفسنا مبلغا يجعلنا نعتقد أنّ الله أراد أن يطلعنا على قراراته»، لذلك، مُهمتنا فهم واستدلال كيفيّة حدوث الأشياء، وماهية الأجسام حسب مستوى تطور فكرنا، ومدى رُقِيّ أنساقِنا المعرفية.

بهذا، يكون الله غير مسؤول عن المكر والشر والخداع عند الإنسان، لأنها تضليل وضعف يستحيل نِسْبَتُه لله تعالى، «ذلك أنه، وإن تكن البراعة في القدرة على التضليل تبدو علامة مِن علامات الذكاء بين الناس، إلا أن إرادة التضليل لا تصدر أبدا إلا عن خبث، أو خوف أو ضعف، ومِن ثم لا يمكن نسبتها إلى الله»، فالشيء الواضح يُعتبر حقٌ أَدْرَكَتهُ فطرتنا؛ وإن حدث العكس، نقول أضلنا الله عن الحقيقة، وهذا مُحال لا يتماشى وفكرتنا عنه المتّصِفة بالكمال المطلق؛ فأخطاؤنا عيب فينا، والله غير وصيٍّ عنها، ولو بحثنا لوجدنا أسبابها، فهذه العيوب نقائص بالنسبة لنا، سيما أنه وَهَبَنَا معرفة وعقلا للتمييز بينها.

وإذَا كان الفكر، كما رأينا، إدراك بالذهن بمعنى التخيل والإحساس، فذاك تصور عقلي محض، ثم تصرُّف وفعل بالإرادة؛ فسنخطئ بحُكمِنا الناقص دائما وقتَ الحُكم عن الأشياء بلا معرفة مسبقة، لأنّ الذهن يُدرك الشيء ويَتِمُّ الحُكم بالإرادة؛ فالذهن والإرادة متلازمان في الحُكم، فيمكن أن أفكر دون تطبيق، والعكس ليس صحيحا؛ لكون الذهن صغيراً في مجال إدراكه، والإرادة متعددة الفِعال، وتكثر فيها الأخطاء. ليؤكِّد مرة أخرى استحالة نِسْبَةِ الله لأخطائنا، يقابل ذلك، أنّ فِكْرَنَا يخطئ، لأنه ناقص ومتناه بطبيعته، ولا يحيط بالأشياء كلها.

نعرف قيمةَ حرية الإرادة إذاً، حين نُجَرِّبُها في الواقع، لذا تجنَّب ديكارت حرية الإنسان مقابل قَدَرِ الله، ويدمجهما بالقول: «لو أردنا أن نُوفِّق بين حرية إرادتنا، وبين أوامر الله، وحاولنا أن نفهم هاتين الحقيقتين، وكأن عقولنا تستطيع أن تتناول حرية اختيارنا، وتقدير العناية الأزلية فتحيط بهما إحاطة»، بمعنى آخر أننا نوفِّقُ بين الحرية الإنسانية والقدر الإلهي المُسبق كون فكرنا متناه وقُدرة الله شاملة، وبعقلنا نعرف هذه الشمولية ونحن لا نملكها، بالتالي فحرّية الاختيار دليل عدم تقيدنا، وقدرة الله تمنحنا هذا الاعتقاد.

أمّا الخطأ فيكون بإرادتنا، مع العلم أننا نرفضه، فكيف نخطئ بإرادتنا مع حرصنا تجنّبه؟ مِن هنا، يلزم التفريق بين الخطأ العمْد، وبين تصديق اعتقادات هي سبب خطئنا؛ كما تصديقنا الخطأ ضرب مِن ضروب التّعمد، وسَبَبُهُ التّلهف لمعرفة الحقيقة والتسرع في الأحكام. بينما لن نخطئَ الحُكم على الشيء الواضح، فالله ليس خدّاعا ومَلَكَة المعرفة التي وَهَبَنَا صادقة.

بالمُقابل، نحكم على ما نجهلُ بغموض، حتى إن لاقى الحُكْم الصواب، ومعناه أنّ الفهم الواضح معرفة ظاهرة أمامنا بجلاء، حيث نحكم عليها بعقل يقظ؛ فَلِكَي نتجاوز أفكارنا المُلقاة، ينبغي فحْصها لنعرف الواضح منها، والنتيجة تكون معرفتنا إما فكرية تخص العقل والجوهر، أو جسمانية تخص الامتداد طولا وعرضا، أو تجمعهما [بمعنى، الانفعالات وتطبيقاتها على الجسم].

كذلك، فالحقيقة تُبنى مِن الإنسان، فلا فائدة مِن تقديمها مهيّأة له، وإلا أصبحت أفكارا مُلقاةً؛ لكن هذا البناء لا يتمّ بالشكل نفسه عند الجميع، ما لم يتحرّروا مِن أحكامهم المُسبقة، رغم كون العقل، أعدل قسمة بين الناس، كما أكّد ديكارت نفسه.

بينما، يختلف معنى الجوهر عند نِسْبَتِه لله، ثم للإنسان، فالأول يتّخذ صفة الكمال، والثاني يحتاج الله لاستمرار جوهره وتفكيره؛ وتناظم عنه أنّ جوهر الإنسان ينقسم إلى نفس وجسد، ثم يكفي الاستدلال بأيّة صفة لهما لِنَتَيَقَّنَ أنهما موجودان، لأن العدم لا صفة له؛ فَلِكل جوهر بالضرورة صفة أولية، فالنفس لها صفة الفكر، والجسد الحيِّز المادي؛ ولكن بالمُقابل يمكننا تصوّر الامتداد دون شكل والفكر بلا شعور؛ لنستنتج أنّ الله جوهر غير مخلوق، ومستقلّ عن الوجود وكامل كمالا مطلقا. بَيْدَ أنّ لوصفِ الأشياء نستعمل طريقين، أوّلُهما، وصف موجود في الأشياء ذاتها، وثانيهما، وصف موجود في فكرنا فقط.

تجدر الإشارة، لكونِ الكلِّيات عند ديكارت هي الأفكار العامّة، بمعنى: «الأفكار التي تقوم في أذهاننا حين نستعمل فكرة واحدة نعقل بها أشياء كثيرة جزئية بينها علاقة معيّنة»، وفي الإطار نفسه، يقترح ديكارت ثلاثة أنواع مِن التمييزات، لتفادي هذه الكلّيات والأفكار العامة، أوّلها التمييز الواقعي بين جوهرين أو أكثر، هنا يُقَدِّم ثنائية النفس والجسد رغم الاتحاد الظاهر بينهما، فكل شيء يفصل الله بينه أو يحفظه منفصلا يكون متميزا في الواقع؛ أما ثانيها التمييز مِن حيث الحال ويكون بنوعين، الأول في الشكل والجوهر، فحين نعرف الجوهر بوضوح نعرف الشكل، والثاني فهو وَجهان لجوهر واحد فيكفي معرفة أحدهِما؛ وثالثها التمييز المنطقي، وبعبارة أخرى التمييز بالفكر، إذ يُعرف الجوهر بصفة مِن صفاته دون عزلها عن باقي الصفات. وبالاستناد لِمَا سبق مِن أنواع التمــيـيزات، فالامتداد جسم بمعنى جوهر جسماني، والفكر نفس بمعنى جوهر عاقل، فالفكر والامتداد هما الجوهر نفسه المُفكِّر والمُمْتد، أي النفس والجسم؛ ممّا يعني أنّ الفكر صفة للنفس وله خاصيات كالفهم، الإرادة، والتخيل؛ والامتداد صفة للجسد وله خاصيات كالأشكال، والأجزاء، والحركات. وهما حالان مختلفان يجتمعان في جوهر واحد.

بيد أنّ، الأحاسيس والانفعالات والشهوات نعرفها بوضوح، ونخطئ إذَا حكمنا عليها لسبب واحد، اعتقاد كوَّنَّاه عنها بداية حياتنا أنها توجد خارج ذهننا، وتشبه أفكارنا عنها؛ يُقابِل ذلك أننا نخطئ الحُكم، كوننا نحس ألماً في بعض أجزاء جسمنا، وأيضا نخطئ في سائر أحاسيسنا؛ فالدغدغة والألم ينتميان لنا في جسمنا، وليس للأشياء المُسبِّبة لهما. لابد مِن القول: أنه يلزم التفرقة في أحاسيسنا بين الجَلِيّ في الذهن، إذَا حكَمْنا عليه بالفكر فقط، وبين الغامض خارج الذهن، بِمَا يقبل الشك والتنقيح.

في سياق متصل؛ فمعرفة الشكل والامتداد أي الحركة، تختلف عن معرفة الآلام والألوان، وغيرهما ممّا يبدو ظاهرا، إذ عموما، لمعرفة الأشياء المحسوسة، جسم مُلَوَّن مثلا، نسلك طريقين؛ الأول نقع فيه بالخطأ، لأننا نجمع اللون الموجود في ذهننا بلون ظاهر نفترض وجوده، ونتوهّم أنه هو هو دون تأكّد، والثاني نتجنب الخطأ، فنرى اللون في الجسم، ونتريث في الحُكم عليه لأننا نجهلُه، فاللون مجموع حركات دقيقة لا تُرى بالعين المجردة.

بناء على ما تقدّم، يُجمل ديكارت أخطاء أغلب الناس، كالتالي: أول وأكبر خطإ، حُكم ناقص تعلمناه في صغرنا نطبِّقه أنه حقيقة، هنا سيتحدث بشكل صارخ، وبوضوح كبير في هذا النص الذي نسوقه لأهميته الشديدة، عن اكتشافاته العِلمية الفيزيائية والرياضية، التي أضمرها سابقا في المرحلة الأولى من حياته، خوفا مِن الكنيسة، «ومتى اعْتَقَدَتْ –أوهام تعلّمناها بداية حياتنا- بأنّ للحجر أو المعادن نصيبا مِن الجوهرية أو الجسمانية أوفر مِن نصيب الهواء أو الماء، لأنها أحست في الحجر والمعادن زيادة في الصلابة والثقل. ولم تكن ترى في الهواء ما يزيد على العدم إذَا لم يتحرك بالريح أو لم يبدلها حارا أو باردا. ولمّا كانت النجوم لا تجعلها تحس مِن الضوء أكثر مما يكون مِن الشمعة المضيئة، فإنها لم تتصور أن كل نجمة أكبر مِن الشعلة التي تبدو في طرف الشمعة المحترقة. ولمّا كانت النفس لم تُدْرِك بعد، أنّ الأرض يمكن أن تدور حول محورها، وأنّ سطحها مُنْحَن كسطح الكرة، فقد حَكَمَتْ أول الأمر بأنها ثابتة، وأن سطحها منبسط وبدلاً مِن أن نسلِّم بأنّ هذه الأحكام قد انعقدت في أذهاننا حين كنا عاجزين عن الإصابة في الحكم، وأنها تبعا لذلك يمكن أن تكون أدنى إلى الزيف منها إلى الحق، تلقّيناها على أنها يقينية، وكأننا عرفناها معرفة متميزة عن طريق حواسنا »، في حين أنّ الخطأ الثاني عجزنا نسيان أحكام تعوّدنا عليها، وإنْ بلغنا مرحلة نُضجٍ وأصبحنا نستعمل عقولنا في الأحكام، فـــ «نَجِدُ مثلا أننا لا نستطيع التخلص مِن تخيلنا النجوم صغيرة جدا، بسبب ما ألفناه مِن تخيل لها إبّان طفولتنا، مع أننا نعرف بأدلة علم الفلك أنها كبيرة جدا. فما أعظم ما للفكرة الأولى مِن سلطان علينا!»، وترتّب عليه الخطأ الثالث، أنّ فكرنا يتعب مِن كثرة النظر مدة طويلة لأشياء نحاول الحُكم عليها، سيما العقلية المحضة؛ لأن الإنسان أَلِفَ التعامل مع الموجود أمامه مِن الأشياء المحسوسة، لا الذهنية الفكرية [الجوهر]، فلا غرابة أن أكثرهم لا يفهمون الأشياء فهمًا صحيحا، لأنهم يجهلون منهجا سليما لقيادة عقلهم، ثم أخيرا الخطأ الرابع عندما نترجم الأفكار بِلُغة غير دقيقة، إمَّا لِقُصورنا اللغوي أو تعلمناها هكذا منذ زمن، وبَقِيَت في بالنا.

في سياقٍ موازٍ، وبعد سرد الأخطاء الشائعة هاته، يعطي ديكارت خطوات التفلسف الصحيح، وهي: التخلص مِن الأحكام السابقة، فمراجعة الآراء التي سلَّمْنا بها سابقا لغربلتها، ثم مراجعة التصورات الجاهزة الموجودة في ذهننا، وأخيرا معرفة أننا نفكر بوجود إله نعتمد عليه.

ليختم ديكارت مبادئه الفلسفية، بالحديث عن الله الضامن للحقيقة والمعرفة، ويؤكد أنّ تنزيله تعالى يقين يعصمنا مِن الخطأ، أما سوى ذلك، فيجب اعتقاد ما أدركناه فقط بعقولنا صحيحا. وهي محاولة قيّمة منه لوضع نظام فكري كامل، على شكل كتاب مدرسي تعليمي سهل التناول، حول ماهية المادة والعقل، وقدرة الله في خلق الكون، وتسيير حركته.