كان الوضع في تركيا قبل حزب العدالة والتنمية، وخاصة في أواخر التسعينات في غاية التدهور والسيولة المجتمعية والسياسية. فبعد الانقلاب الأبيض أوما يسمونه انقلاب ما بعد الحداثة على أربكان في 28/فبراير /1997، اتخذ الجيش إجراءات تعسفية ضد كل القطاعات في المجتمع، وخاصة الحركات ذات المرجعية الدينية وعلى رأسها حركة الخدمة. وعاني الشعب من أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبةـ؛ فالليرة التركية بلغت أعلى معدلاتها من التضخم، والديون الداخلية والخارجية بلغت حدا غير مسبوق، وفشلت الحكومات الائتلافية المتعاقبة في القضاء على هذه الأزمات، وتصاعدت وتيرة العمليات الإرهابية في الشرق التركي، وبات الشعب التركي يستقبل كل يوم توابيت الشهداء من العسكريين والجنود الذين يقاتلون الإرهابيين في الجبال.

العدالة والتنمية أمل المحافظين.

في ذلك الوقت فكر مجموعة من شباب حزب أربكان على رأسهم أردوغان وعبد الله جول بالانفصال عن حزب أربكان ذي التوجهات الإسلامية، وتكوين حزب مستقل أطلقوا عليه حزب “العدالة والتنمية” وفق مبادئ اليمين الوسطي المحافظ، على غرار عدنان مندريس وتورجوت أوزال وسليمان ديمريل؛ يتبنى القيم الديمقراطية الليبرالية القومية التي تتوافق مع مرجعية الشعب المحافظة ذي الأغلبية المسلمة. وتراجعوا عن الخطاب الراديكالي ذي الصوت العالي الذي كان يتبناه حزب أربكان الأم، والذي كان يجهر بمحاربة العلمانية والنيل من أتاتورك، وتسييس الرموز الدينية كالحجاب والمسجد والصلاة.كما غابت قضايا الإسلاميين السياسيين عن الواجهة، كمحاكاة النموذج الإيراني في الثورة، واستعادة قوة العثمانيين وأراضيهم المفقودة منذ عام 1911م، والقضية الفلسطينية ومناصرة القدس، والدفاع عن الأقليات الإسلامية في كل مكان، والعملة الإسلامية الموحدة وغيرها من الشعارات التي كان يرددونها مع أربكان سابقا. وصدروا للناس خطابا ائتلافيا جامعا يتسم بالمعقولية والهدوء ومن ثم انحازت لهم كل أصوات المحافظين التي كانت متوزعة في الأحزاب الأخرى.

كان يُنتظر مضي تركيا قدما نحو مصاف الدول المتقدمة في العالم، وترسيخ دولة الحقوق والقانون وتأسيس العدالة بين أفراد المجتمع والتخلص من القيود المفروضة على الشعب التركي منذ ما يقرب من مائتي عام.

وكان من أهم الوعود التي أطلقها هذا الحزب الجديد، الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، والعمل على تعديل الدستور العسكري الانقلابي الذي أُعد في الثمانينات إلى دستور مدني يوسع من الحريات، والسعي إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتحقيق تطلعات الشعب التركي في رفع التأشيرة، وتحسين العلاقات مع كل دول الجوار وتصفير كل المشكلات، وإصلاح البنية التحتية وإنشاء الطرق والمطارات وزيادة الرواتب والمعاشات، والأهم من ذلك كله السماح للمحجبات بالعمل في مؤسسات الدولة، والدراسة في الجامعات والمدارس وتوسيع نطاق الحريات الدينية، ومجالات العمل المدني.

تحول حزب العدالة والتنمية من حزب يدعو إلى التوافق الوطني على أرضية مشتركة من قيم الديمقراطية والعدالة والحقوق والحريات، إلى حزب سلطوي يتهم معارضيه وأي حركة مدنية اجتماعية ترفض الخضوع له بالتآمر والعمل على تخريب البلاد.

وبسبب من هذه الوعود المعلنة لاقى الحزب دعما من كل طبقات المجتمع، خاصة وأن لغة الخطاب باتت تتسم بالروح التوافقية، والبعد عن اللغة الاستفزازية التي تستدعي النزاع والخصومة وتوسع هوة الاستقطاب المجتمعي.

ونظرا لأن أغلب هذه القيم هي عينها التي تنادي بها حركة الخدمة فكانت إلى جانب هذا الحزب الوليد، شأنها في ذلك شأن فئات اجتماعية أخرى.

 بداية مثالية والتفاف شعبي.

لم يخيب هذا الحزب الوليد ظن داعميه في بداية سنواته الأولى، فضم إلى حكومته وزراء من جميع التيارات، وسعى بجدية إلى إصلاح البنية التحتية وتوسيعها، وإنشاء الجديد منها سواء أكانت طرقا أم مطارات، وحل مشكلات المياه والكهرباء والغاز في كثير من المدن الكبرى، وأوصل الفحم إلى بيوت الفلاحين في القرى البعيدة والنائية للتدفئة وهي من أهم المشكلات التي كان يعاني منها المواطن التركي، وقدم الدعم للمزارعين من خلال قروض طويلة الأجل مما عمل على تحسين القطاع الزراعي وزيادة إنتاجيته وعودته بالفائدة والربح على المزارعين.

كما أسهمت حركات المجتمع المدني وعلى رأسها حركة الخدمة التي وجدت مناخا ديمقراطيا إيجابيا في دعم المجالات التعليمية والصحية والاستثمارية، وسارع التجار المنتسبون لهذه الحركات في جذب فرص الاستثمار إلى بلادهم ودعم اقتصاد البلاد بكل ما يوفر لهذه الحكومة البقاء والاستقرار إيمانا منهم بأنها تعمل لصالح البلاد.

كما عملت الآلة الإعلامية الضخمة التي كانت تملكها حركة الخدمة في دعم هذه المشاريع الإصلاحية، والدفاع عن الحكومة في وجه من يعملون على عرقلتها عبر آلة الدعاية السوداء المضادة، وباتت الخبرات البيروقراطية، والكوادر الوظيفية المهنية التي اقتنعت بمصداقية هذا التوجه تعمل على تقديم النصح والاستشارات الإيجابية التي تعين هذه الحكومة على تجاوز أزماتها. وأسهم ملف التقدم لعضوية الاتحاد الأوروبي وتنفيذ اشتراطاته في الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي في تحجيم المؤسسة العسكرية عن التدخل في الشئون السياسية حتى لا تفقد حاضنتها الشعبية في حال اعتدت على مثل هكذا حكومة.

وتولت الشرطة إلى جانب الجيش ملف العمليات الإرهابية داخل المدن، وتلقى أفرادها تدريبات على أعلى مستوى في أمريكا والغرب في الكشف على العمليات الإرهابية قبل حدوثها. وعاش المجتمع التركي في العشرية الأولى من الألفية الثالثة في هدوء واستقرار كان قد حرم منهما منذ فترة طويلة.

وساعد هذا الهدوء على جذب مزيد من الاستثمارات الخارجية والأفواج السياحية، وأسهم الإصلاح في المرفق السياحي وزيادة الوعي الشعبي بأهميته إلى وصول عدد السياح في بعض السنوات إلى ما يقارب الثلاثين مليون سائحا من مختلف أنحاء العالم.

وقد كافأ الشعب التركي هذه الحكومة مرات عديدة بزيادة الالتفاف حولها فزادت نسبة الأصوات وتمكن الحزب طوال تاريخه من الحكم منفردا دون الحاجة إلى الائتلاف مع أحزاب أخرى.

ومع استقرار العملة المحلية وارتفاع قيمتها بين العملات العالمية وتخطي أهم الصعوبات التي واجهت الحكومة خلال سني حكمها الأولى، وتعاون الشعب وخاصة السلك البيروقراطي مع الحكومة استطاعوا قطع أذرع المؤسسة العسكرية، ونجحت الشرطة في إحباط التخطيط لعملية انقلابية ورأى الشعب بأم عينه جنرالات وقادة عسكريين كبار يقادون إلى السجون والمعتقلات بعدما كان ذلك من المستحيلات التي لا يمكن أن ترى حتى في المنام بحسب تعبير أحد المواطنين الأتراك. بعد ذلك كله زادت ثقة الحكومة متمثلة في حزب العدالة والتنمية في نفسها، ورأوا أنفسهم فجأة في قلب الدولة وهم المسئولون عنها وحراسها، بعدما كانت من قبل تعتقلهم وتحرمهم من أبسط حقوقهم وتذيقهم ألوانا شتى من الاضطهاد والمعاناة.

تحول حزب العدالة والتنمية من حزب يدعو إلى التوافق الوطني على أرضية مشتركة من قيم الديمقراطية والعدالة والحقوق والحريات، إلى حزب سلطوي يتهم معارضيه وأي حركة مدنية اجتماعية ترفض الخضوع له بالتآمر والعمل على تخريب البلاد.

 الهيمنة في الداخل والتوسع في الخارج

كان يُنتظر بعد كل ذلك مضي تركيا قدما نحو مصاف الدول المتقدمة في العالم، وترسيخ دولة الحقوق والقانون وتأسيس العدالة بين أفراد المجتمع والتخلص من القيود المفروضة على الشعب التركي منذ ما يقرب من مائتي عام، والعمل على تشريع قوانين تضمن حرية الرأي والتعبير وتسمح للأحزاب المعارضة وحركات المجتمع المدني بالعمل السياسي والاجتماعي بحرية. لكن بدلا من ذلك كله سيطرت على الحزب عامة وأردوغان خاصة فكرة السيطرة على أجهزة الدولة بالكامل، بتأييد من فئة معينة من المجتمع وجهودها الساعية لتصفية معارضيها، ولذلك سعوا إلى إخضاع الآخرين تحت هيمنتهم. ولو كان الأمر منحصرا في مجالات إدارة الدولة فقط لربما كان مقبولا، لكن السلطة وصلت في طغيانها حد الرغبة في السيطرة كذلك على المجالات المدنية التي كافح الشعب التركي طوال عقود عديدة في سبيل استقلاليتها. وقد أعادت هذه السياسة التسلطية للأذهان التي تسعى للتملك والتحكم في كل شيء السياسة التي كان يمارسها الاتحاديون في أواخر الدولة العثمانية مما ممكنهم من التدخل في كل المجالات الدينية بكل سهولة ويسر، كما وضح ذلك الكاتب التركي الشهير على بولاج (المعتقل الآن في سجون أردوغان على خلفية محاولة الانقلاب) في أحد مقالاته بجريدة الزمان (التي صادرها أردوغان قبل محاولة الانقلاب الأخيرة هي ووسائل إعلامية أخرى معارضة).

وساعد على تغول السلطة أكثر اكتشافها لقوة المال فعملوا على جمع كثير منه عبر عمليات فساد مشبوهة في الأراضي، ومناقصات المشارع الكبرى، وغسيل أموال إيران أثناء الحصار الاقتصادي، وشراء النفط المهرب من داعش وإقليم كردستان. وبهذا المال الذي جمعوه تملكوا معظم مجموعات وسائل الإعلام الكبرى التي كانت تابعة لمعارضيهم، وأغلقوا أخرى لم يستطيعوا تملكها، وصار الإعلام التركي الذي كان يتسم بالتنوع والتعدد لا يعبر إلا عن صوت واحد فقط هو الصوت الحكومي ولا سيما أردوغان وأسرته وحاشيته المقربة.

وبناء على ذلك تحول حزب العدالة والتنمية من حزب يدعو إلى التوافق الوطني على أرضية مشتركة من قيم الديمقراطية والعدالة والحقوق والحريات، إلى حزب سلطوي يتهم معارضيه وأي حركة مدنية اجتماعية ترفض الخضوع له بالتآمر والعمل على تخريب البلاد. ومن ثم يسعى أولا عبر آلته الدعائية الضخمة إلى تشويههم واغتيالهم معنويا، ثم القضاء عليهم تحت شعار “حماية الدولة” من المتآمرين دون احترام للدستور أو مراعاة للقوانين.

وصار مبدأ الحزب بعد ذلك ضمنا: “الحق للقوة، وليست القوة للحق”، وتراجعت أولوية قيم الصدق والأخلاق في السياسات الداخلية والخارجية، وحل محلها قيم القوة والمال والبراجماتية الميكيافلية. وهذا التحول هو الذي أشار إليه الأستاذ كولن في مقاله الأخير الذي نشرته واشنطن بوست بتاريخ 16/5/2017 بقوله:” إن تركيا التي كانت في يوم من الأيام بلدا واعدا بترسيخ ديمقراطية متكاملة وعلمانية معتدلة، باتت غيرها اليوم تحت حكم رئيس يسعى بكل طاقته ليجمع كافة السلطات في يده، ويقمع جميع المعارضين الذين يحاولون إثناءه عن هذا السعي”.

أما سياسته الخارجية فقد تحولت من صفر مشاكل إلى صراع على كافة الجبهات، ورغبة في السيطرة على المنطقة وفرض زعامته عليها، مما كان سببا في ظهور ما يسمى بالعثمانيين الجدد أو تركيا الحديثة. وبدلا من أن تهدف تركيا إلى تبني قضايا الأمة والعمل على رفعة شأنها، تبنت الفكر الإمبريالي الذي يطمح إلى الاستيلاء على المنطقة بأسرها، وهو ما أعلن عنه صراحة أحمد داود أوغلو خلال عمله وزيرا للخارجية التركية في تصريح صحفي له في مدينة قيصري بتاريخ 21/يناير 2012 قائلا:”…سنعود مجددا إلى الدول التي انسحبنا منها، وسنفتح من جديد الأراضي التي فقدتها الدولة العثمانية بين عامي 1911 -1923، وهذه مهمة حتمية تاريخية ملقاة على عواتقنا”.

وهذا التوجه السلطوي الأخير داخليا وخارجيا كان نقطة فارقة بين حزب العدالة والتنمية من جهة وحركة الخدمة من جهة أخرى، فالتوافق بين الحزب والحركة لم يكن بهدف تجيير السلطة لصالح شخص بعينه، وليس لاستعادة الهيمنة الإمبريالية العثمانية على أراضيها المفقودة، وإنما بهدف استعادة منظومة القيم الأخلاقية للأجداد العثمانيين في عصور ازدهارهم وتقدمهم. وقد فطن كل من الحزب والخدمة إلى أن هذه النقطة بعينها هي نقطة الانفصال بلا رجعة؛ فقد كانت الخدمة تنتظر من حزب العدالة والتنمية أن يقدم من خلال “تركيا الحديثة” رؤية أخلاقية جديدة يفاجئ العالم بها؛ تُعد نموذجا بديلا لرؤية الغرب الإمبريالية الاستعمارية. أما الحزب فقد وجه غايته صوب فكرة “التمكين” وتراجع عن خطابه التوافقي، واستعاد “ضبط المصنع” القديم الذي بسببه قرر الانفصال عن حزب أربكان الأم، وبالتالي فقد أدرك أن الذين رافقوه في رحلة النجاح التوافقية السابقة لن يواصلوا معه المسير، ومضى في مسيره غير مكترث بهذا الانفصال، معتبرا أن ما حصله من قوة، وما جناه من مال كافيين للاستغناء عن رفقاء الدرب، بل اعتبر هؤلاء الرفقاء أعداء قرر القضاء عليهم إن لم يبايعوه ويتبنوا معه هذه الرؤى.

كانت الخدمة تنتظر من حزب العدالة والتنمية أن يقدم من خلال “تركيا الحديثة” رؤية أخلاقية جديدة يفاجئ العالم بها

وهذا المعنى عينه هو الذي أفاده عزيز بابوجي في 31/مارس/2013 رئيس شعبة حزب العدالة والتنمية بإسطنبول حيث قال:” الذين رافقونا في دربنا في العشر سنوات الماضية لن يكونوا معنا في العشر سنوات القادمة…لأن إنشاء تركيا الحديثة ستقوم على قيم مختلفة عن القيم التي تقاسمناها في العشر سنوات الماضية، لذلك من المؤكد أنهم لن يكونوا معنا، بل سيكونون ضدنا”.

مراحل الخلاف والتصعيد مع الخدمة

في هذه النقطة سندع الحديث للأستاذ كولن شخصيا، ليحدثنا عن خلفية الصراع ومراحل تصعيده من خلال جزء من الحوار الذي أجرته معه جريدة الوطن المصرية ونشرته على جزئين بتاريخ 9-12/أبريل/2017 حيث يقول فيه:” لقد كان يتوقع منا أن نروّج له في العالم الإسلامي على أنه قائد المسلمين وخليفتهم، وكان يأمل أن نُجَيِّر مؤسساتنا التعليمية والخدمية المنتشرة في أكثر من 160 دولة لصالح هذه الطموحات، ولكننا أصررنا على استقلاليتنا ورفضنا رفضا قاطعا أن نكون أداة في مشروعه هذا، فأثار ذلك حفيظته وهو معروف عنه –كما صرح بذلك أقرب مستشاريه- بأنه رجل حقود، إذا خالف أحد أوامره أو لم يوافقه في تطلعاته اتخذه عدوا وبدأ يفكر في التنكيل به والقضاء عليه، ولذلك لم يواجهه أحد من أعضاء حزبه ممن أقصاهم لأنهم يعلمون عنه طبيعته تلك.

لقد بلغ بهم الحقد مبلغًا جعلهم يدبرون مع بعض الأمريكيين خطة للوصول إليّ هنا في مقر إقامتي والعمل على خطفي مما يبين لك مدى العقلية التي تحكم تركيا الآن، وأنها تدير الأمور كما تدار عصابات المافيا.. تخيَّلْ مسئولين حكوميين ومنهم دبلوماسيون وأصهار لأردوغان يديرون البلد هكذا. طبعا كل هذا لا يمكن أن يتم بدون تعليمات مباشرة من أعلى.

كانت الخدمة تنتظر من حزب العدالة والتنمية أن يقدم من خلال “تركيا الحديثة” رؤية أخلاقية جديدة يفاجئ العالم بها

بل ظهر آخَرُ يدعو الحكومة أن تقصف هذا المقر في بنسلفانيا بالطائرات على غرار قصفهم لحزب العمال الكردستاني في جبال قنديل بشمال العراق، ولذلك ليس عجيبًا أن تجدهم يدعمون كل الفرق المتطرفة بكل وسائل الدعم من مال وسلاح وتسهيلات للمرور عبر أراضيها، من أول داعش إلى سائر المنظمات الإرهابية الأخرى.

لقد قدمنا لحزب العدالة والتنمية في بداية أمره دعمنا، شأنُنا في ذلك شأن كل الفئات الأخرى الداعمة للمسار الديمقراطي التوافقي عندما كان يظهر أنه مدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، ويبدي جدية حقيقية في ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي، ويحاول تصفير المشاكل مع جيرانه ومحيطه الإقليمي.

ولكنه عندما أحس بالتمكن وشعر بالقوة بدأ لا يقبل أي انتقاد ويرفض أن يتحدث أحد عن أخطائه أو أخطاء حكومته، وبدلا من أن يقوم بإصلاح الأخطاء أو الكشف عن الفساد وتقديم المتهمين إلى المحاكمة اتخذ طريق الهجوم، وقمع كل صوت معارض، ثم تبين لاحقًا أنه كان موقعا على خطة ضمن قرارات مجلس الأمن القومي في سنة 2004 للقضاء على الحركات المدنية المعتدلة ذات المرجعية الدينية وعلى رأسها حركة الخدمة هو وبعض من وزرائه، ولما وُوجِهوا بهذا لم ينكروا وقالوا إنهم كانوا مجبرين على التوقيع.

ولكنه بدأ في تنفيذ مخططه هذا على مراحل، فبدأ بتصفية كثير من البيروقراطيين في قطاعات الدولة المختلفة بذريعة انتسابهم للخدمة، ثم روّج لعمليات القبض على الوزراء الفاسدين في حكومته في 17/25 ديسمبر2013 على أنها انقلاب مدني على حكومته المنتخبة، وزاد من جرعات التنكيل ضد مواطنين وموظفين وشرطيين وقضاة بحجة انتسابهم لما أسماه “الكيان الموازي”، ثم كانت أحداث هذه المسرحية الانقلابية التي سماها منحة إلهية من الله، والتي فرض على أثرها قوانين الطوارئ، وبلغ التنكيلُ بالخدمة وبكل معارض كل مبلغ.

والآن لا تستطيع أي حركة أو مجموعة مدنية في البلاد أن تفتح فمها أو تنبس ببنت شفة، وإلا لاقت مصيرًا محتومًا من السجن والطرد من الوظائف والنفي أو التشريد من البلاد أو الحرمان من بعض المكتسبات التي منحها لهم من أموال الدولة.

ولكن سيأتي يوم تتكشف فيه كل هذه الحقائق دفعة واحدة، وسيشهد العالم مدى ما ارتكبه هذا الجنون من انتهاكات وخروقات، كما كان الحال مع كثير من الطغاة الذي حكموا العالم في فترة سابقة”.

انتهى كلام الأستاذ كولن ومعه انتهى مقالنا الذي ألقينا فيه ضوءا على تاريخ هذه المرحلة وسنتابع في المقالات القادمة توصيات الأستاذ كولن وتنبيهاته وإشاداته لأبناء الخدمة، خلال هذه الأزمة في مراحلها المختلفة بداية من المرحلة الأولى وحتى بلوغ الصراع ذروته فانتظرونا..

مفاتيح المقال

كان الوضع في تركيا قبل حزب العدالة والتنمية، وخاصة في أواخر التسعينات في غاية التدهور والسيولة المجتمعية والسياسية.
انفصل أردوغان ورفاقه عن حزب أربكان وأسسوا حزبا جديدا أطلقوا عليه اسم حزب العدالة والتنمية.
أسس الحزب الجديد على مبادئ “يمين الوسط”، وتبنى خطابا توافقيا، وتراجع عن الخطاب الراديكالي لأربكان، وأطلق وعودا إصلاحية فجمع إلى جانبه كل أصوات المحافظين الموزعة على الأحزاب الأخرى.
أسهمت البدايات الأولى الجيدة وتنفيذ جزء كبير من الإصلاحات الاقتصادية وملف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في تضافر الجهود المجتمعية والبيروقراطية حوله، وتقليم أظافر المؤسسة العسكرية مما أدى إلى مزيد من الالتفاف الشعبي.
شعور الحزب بالقوة والهيمنة وتملكه للمال والإعلام أدى إلى قمع المعارضين وتغير لغة الخطاب من التوافق إلى الصدام، وتبني الأفكار الراديكالية القديمة التي ثار عليها من قبل.
هذا التحول في الرؤية والهدف كان سببا لخيبة أمل حركة الخدمة والناشطين في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان في حزب العدالة والتنمية.
اتخذ الحزب وعلى رأسه أردوغان قرارا بالقضاء على كل من يمثل عقبة في طريق مشروعهم الخفي ومن ثم بدأت ممارسات أردوغان الممنهجة في الداخل والخارج للقضاء على مشروع حركة الخدمة المدني السلمي الاجتماعي.
يتوقع الأستاذ كولن أن تتكشف الحقائق يوما ما، وينكشف الستار عن النوايا الخفية لهذا الرجل، ويشهد العالم مدى ما ارتُكب من انتهاكات وخروقات.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.