إن الدارس للفكر التربوي في العالم العربي والإسلامي، يجده في جوانب كثيرة منه متأثر بالفكر الغربي، وكثيرة هي القضايا التي تهتم بالتربية والتعليم، استمدت أصولها الفلسفية من الفكر الغربي ومفكريه، دون الرجوع أو مجرد الإشارة إلى الفكر التربوي الذي أقامه علماء الإسلام، وكأن التجربة الإسلامية لا تحوي في طياتها نظرية تربوية إسلامية، فصارت الأمة تستورد المناهج التعليمية والفلسفات التربوية والطرق البيداغوجية، بل في أحيان كثيرة تستورد المعلمين والمدرسين، مع العلم أنهم لم يعطوا لأنفسهم فرصة البحث في تراثهم وثقافتهم ومعارفهم، لهذا كان لزاما علينا معرفيا وأخلاقيا الرجوع لدراسة تراث الأمة بعين ناقدة، باحثين ومنقبين عما أبدعه العقل المسلم في هذا المجال .

إن دراسة التراث حق مشروع، وواجب تقتضيه الحركة العلمية التي تستشرف المستقبل، ولا يحق لأحد أن يحرمنا منه، ولعل في تجارب الأمم الأخرى مثال لذلك، فالنهضة الغربية الحديثة التي فتحت آفاقا جديدة أمام الإنسان الغربي، إنما هي في حقيقتها عودة إلى التراث اليوناني والروماني، ومحاولة كبرى لاستكشافه واستلهامه بما يفيد العقل الغربي في نهضته.

من هذا المنطلق وإحساسًا بالمسؤولية نحاول استلهام بعض المعالم والخصائص المنهجية للتربية والتعليم في النظرية التربوية كما جسدتها التجربة الإسلامية.

إن مراجعة الفكر التربوي الإسلامي، نجده يملك نظرية متكاملة في شأن المسألة التعليمية، أسبق في وجودها من النظريات التربوية المستحدثة، والتي تحاول اليوم ترقيع نظامنا التربوي بأفكار متفرقة ومستوردة إما من الغرب أو الشرق، وأن هذه النظرية المدونة في المحتوى الداخلي للنصوص الإسلامية، قد وجدت طريقها إلى التطبيق خلال تجارب تربوية سابقة عاشتها الأمة في عصور مختلفة، وأثبتت خصائصها الحضارية، فنظرية التعليم والتعلم كما هي في النص الإسلامي وحيا وتجربة نبوية، هي بالتأكيد بديلنا الحضاري التربوي، المتميز عن هذا التيه في دروب تجارب تربوية لأمم أخرى تختلف عن تجربتنا الخاصة، وهذا لا يعني أبدا الاستغناء عن تجارب الآخرين والإفادة منهم، خاصة في الجوانب الإيجابية من هذه النظريات التربوية الحديثة، شريطة أن تقبل الحياة والنمو الطبيعي في  بيئتنا، فالفكر والعلم تراث إنساني لا يحق لأحد ادعاء ملكيته فهو ملك للإنسان.

من مزايا النظرية التربوية في التجربة الإسلامية، أن المسلمين أدركوا أن التعليم فن وصناعة، لا بد من التمهر في اكتساب مداخله، والتمكن من طرقه البيداغوجية والمعرفية، وهذا مقصد عظيم وخاصية أساسية  بلورتها التجربة التربوية الإسلامية، لكي يصير المدرس مؤهل لحسن التواصل مع متعلميه، وقادر من إيصال العلم إلى عقولهم بكل يسر وسهولة، فيساهم بذلك مساهمة فعالة في إنجاح العملية التعليمية، بشكل يحقق أهداف البرنامج التربوي وغاياته العليا. يقول ابن خلدون “والتعلم صناعة تحتاج إلى معرفة ودربة ولطف، فإنه كالرياضة للمهر الصعب الذي يحتاج إلى سياسة ولطف وتأنيس، حتى يرتضاه ويقبل على التعليم”، إن علماء الأمة ومربيها أدركوا هذا المنحى التربوي، وبذلوا قصارى جهدهم في إنتاج آراء تربوية وقواعد تعليمية، تحتاج منا إلى إعادة اكتشافها من جديد.

فالنظرية التربوية كما تجلت في التجربة الإسلامية، حددت مبادئ أساسية التعليم والتعلم، التي نجد النظريات التربوية الحديثة تتحدث عنها. مثل مبدأ استمرار التعلم، ومبدأ الرفق بالمتعلم، ومبدأ التدرج في التعليم، ومراعاة الفوارق بين المتعلمين، والإشفاق على المخطئ، ومبدأ الحافزية والتشجيع للمحسن منهم، واستخدام الوسائل الديداكتيكية المعينة، وغيرها من المبادئ التربوية.

ونحن إذ نشير إلى أن تجربتنا التربوية، قد أبدعت كثيرا من الخصائص والمبادئ التربوية، ليس من باب القول بأسبقية المسلمين على غيرهم في اكتشاف هذه القواعد والمبادئ، فمثل هذه الأقاويل والادعاءات ليست من مقاصد هذه الورقة، إنما كان الغرض استفراغ الوسع والبحث في تراثنا، في محاولة لاكتشاف معالم النظرية التربوية كما احتوتها النصوص الإسلامية وعملت على تطبيقها التجربة الإسلامية في محطات وأزمنة مختلفة.

فإبراز بعض هذه القواعد والخصائص التربوية، للاسترشاد بها اليوم، خاصة ونحن نعمل على بناء وإيجاد نظرية تربوية تعليمية إنسانية، تكون بديلنا التربوي الذي لا يقتصر نفعه على أمتنا الإسلامية فقط، بل يسع الإنسانية كلها وتجد فيه ضالتها، قبل النظر فيما أنتج الآخر الذي لا محالة سنستفيد من تجاربه الخاصة والقابلة للنمو والتطور في بيئتنا العربية والإسلامية .

بعض معالم النظرية التربوية الإسلامية:

فهذه بعض الخصائص والمبادئ التربوية، التي أنتجتها النظرية التربوية من خلال التجربة الإسلامية، وكانت هذه الإشراقات تؤشر على مدى النضج البيداغوجي والتربوي، الذي راكمه علماء التربية المسلمون، فوضعوا القواعد العلمية لضمان نجاح العملية التعليمية، وتحقيق مقاصدها العليا، وفي مقدمتها إنتاج عقول قادرة على الإبداع والابتكار، والمساهمة في تنمية الأوطان والأمصار. وعيا منهم بأن العملية التعليمية صنعة تحتاج إلى ضبط طرائقها وأصولها، وهي بهذا المعنى بعيدة كل البعد عن الارتجال والعشوائية وإن حسنت النية والمقصد.

ومن أهم هذه الإبداعات التربوية نذكر:

– مبدأ التـــــــــــــدرج:

وهو توزيع المدرس للمادة التعليمية، إلى خطوات متتابعة ومتتالية، تتطلب من المعلم حسن الانتقال من مرحلة إلى أخرى، فهو تنظيم للجهود المرتبطة بالعملية التعليمية، لتحقيق الأهداف التربوية المرجوة.

النظريات التربوية المعاصرة، تؤكد ضرورة اعتماد المدرس على مبدأ التدرج لضمان نجاح العملية التعليمية.

فنجد الباحث الإنجليزي هربرت سبنسر في كتابه Education يقول: “التربية هي إثارة الرغبة لدى الأطفال، وتوجيه نشاطهم نحو تحقيق هدف أو غرض واضح ومحدد بدقة، وليتم ذلك لا بد من التدرج:

أولا: التدرج من المعلوم إلى المجهول، وربط القديم بالحديث لتثبيت الحقائق، وإثارة المكتسبات.

ثانيا: التدرج من السهل إلى الصعب، والسهل هو ما يرتبط بحياة المتعلم، والقريب إلى واقعه وما تدركه حواسه.

ثالثا: التدرج من البسيط إلى المركب، لأن العقل يدرك الأشياء ككل، ثم يحاول إدراك التفاصيل والانطلاق من الكل أيسر من الجزئيات.

رابعا: الانطلاق من المبهم إلى الواضح والمحدد، لأن العقل عند الطفل ينمو بالتدرج، والمعلومات تنشأ بالتجارب وتنمو بأعمال العقل والقديم يكون وسيلة لبناء الجديد.

خامسا: الانطلاق من المحسوس إلى المعقول، وهي التجارب الحسية والتجارب العلمية.

سادسا: التدرج من الجزئيات إلى الكليات، وهو تدرج منطقي في مجال العلوم.

سابعا: الانتقال التدريجي من العملي إلى النظري، عبر الملاحظة والتجارب والحقائق لحمل المتعلم على فهم الواقع وبناء الاستنتاجات بنفسه.”. فهذا المبدأ يعد منهجا إسلاميا عاما، فالشرائع الإسلامية جاءت بالتدرج والقرآن نزل بالتدرج منجما، فقد روي عن بن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال: “إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب، فادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.

فالنظرية التربوية من خلال التجربة الإسلامية، تؤكد على مبدأ التدرج سواء عند دراسة نفسية الطفل، أو عند تلقينه العلوم، والعمل على نقل التلميذ من مستوى تعليمي إلى آخر أعلا منه. كما  تؤكد على ضرورة فهم نفسية الأطفال، وأنهم ليسوا سواء في الدراسة واكتساب العلم، فيوجب على المعلم أن يبدأ معهم من السهل إلى الصعب وعلى المعلم ألا يخوض في العمل دفعة واحدة، فإنه تقرر أن ما تم أخذه جملة ذهب جملة، بحيث أن العملية التعليمية من المهم أن تسير بتدرج وتأن دون القفز جملة واحدة على العلم يقول الغزالي”: إن أول واجبات المربي أن يعلم الطفل ما يسهل عليه فهمه، لأن الموضوعات الصعبة تؤذي إلى ارتباكه العقلي و تنفره من العلم”، في حين نجد الزرنوجي: يوصي المتعلم أن يبدأ بالعلم الأهم والواجب تعلمه ثم التدرج بعد ذلك فيقول :”وما يحتاج إليه ـ يقصد المتعلم ـ في أمر دينه في الحال ثم يحتاج إليه في المآل”، كما يطالب بعدم الانتقال من علم إلى آخر حتى يحدقه ويتمكن منه فيقول: “فينبغي أن يثبت ويصبر على أستاذ وعلى كتاب حتى لا يتركه أبتر وعلى فن حتى لا يشتغل بفن آخر قبل أن يتقن الأول”، أما ابن خلدون: فنجده فصل في الأمر تفصيلا، وحدد المعالم التربوية الكبرى التي ينبغي مراعاتها أثناء العملية التعليمية، فألح  على المربين عدم الانتقال من مسألة علمية إلى مسألة أخرى قبل فهـم المتعلم للمسألة الأولى، ولذا يجب عليه الاستمرار في تلقيـن المسألة الواحدة إلى أن ينتهي منها، ويتحقق أن المتعلم قد استوعبها، وحذر من انقطاع المجالس والتفريق فيما بينها، لأن ذلك يؤدي إلى النسيـان أولا، ويؤول إلى عدم تعلـق المسائل بعضها ببعض ثانيا، يقول ابن خلدون “اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدريج شيئًا فشيئًا وقليلاً قليلاً، يلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرّب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتّى ينتهي إلى آخر الفن، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنّها جزئية وضعيفة وغايتها أنّها هيّأتها لفهم الفن وتحصيل مسائله، ثم يرجع به إلى الفن ثانية، فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفى الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه، إلى أن ينتهي إلى آخر الفن، فتجود ملكته ثم يرجع به وقد شدّ فلا يترك عويصاً، ولا مهمًا ولا مغلقًا إلاّ وضحه، وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته “.

ويقتضي مبدأ التدرج كما تقرر عند التربويين المسلمين ما يلي:

ـ ضرورة فهم نفسية التلميذ وأن التلاميذ يتفاوتون في مستوى الفهم الإدراك.

ـ ضرورة أن يبدأ التعلم من السهل إلى الصعب ومن البسيط إلى المعقد ومن المحسوس إلى المعقول.

ـ عدم أخذ العلم جملة واحدة لأنه تقرر أن ما أخذ جملة واحدة ذهب جملة واحدة.

ـ أن يقدم للتلميذ أساسيات العلم مع الشرح الذي ينسجم مع مراحل نمو شخصيته.

ـ البدء بالأهم من العلم والواجب تعلمه قبل الانتقال إلى علوم أخرى.

فتحصيل المتعلم للعلم ينبغي أن يكون تدريجيا، لأن تلقينه جملة واحدة لا يقوى عليه الطالب ولا يجدي نفعا ولا يحقق الهدف المرجو منه طلب العلم، ولهذا يوجه الطالب، إلى التدرج في تحصيل منازل العلم شيئا فشيئا، وقد استدل على هذه الحقيقة التربوية مجموعة من العلماء، ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن عبد البر من قول ابن شهاب: “لا تكابر العلم فإن العلم أودية فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه ولكن خذه مع الأيام والليالي ولا تأخذ العلم جملة فإن مادام أخذه جملة ذهب جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي”.

مراعاة الفوارق الفردية بين التلاميذ:

من الحقائق الثابتة في علوم التربية قديما وحديثا، اختلاف ميول المتعلمين، وتفاوت رغباتهم واستعداداتهم، وهو مبدأ تربوي عظيم، من مبادئ التربية الحديثة.

رغم الخصائص المشتركة بين الناس، إلا أن هناك فوارق في الرغبات والاستعدادات والطاقات ودرجة الفهم والاستيعاب، وهذا الأمر لازم معرفته لمن يتصدر للتعليم، وإن جهله مفسدة عظيمة على التلميذ والمعلم على حد سواء.

فمراعاة أحوال المتعلمين ومستوياتهم، من أهم الواجبات التي يجب أن ينتبه إليها المدرس، وألا يضيق صدره من ذلك، لأن التفاوت قدر طبيعي بين المتعلمين، بل عليه أن يصبر وينتبه إلى هذه الفوارق الإدراكية، بحيث لا يلقي إليهم المعارف دفعة واحدة، بل يراعي مستويات إدراكهم وذكاءاتهم وقدراتهم الاستيعابية. لينال كل حظه من التعليم.

فالنظرية التربوية المدونة في المحتوى الداخلي للنصوص الإسلامية من جهة، والإبداعات التربوية التي أنتجها التربويون المسلمون، تؤكد على ضرورة مراعاة الفوارق الإدراكية للمتعلمين لضمان نجاح العملية التعليمية:

لقد دلت آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة إلى التفاوت الحاصل بين الناس عموما على كثير من الأصعدة ومنهم طبعا المتعلمين، والتي ينبغي على المعلم أن يراعيها أثناء العملية التعليمية، وهي ما يصطلح عليه اليوم في علوم التربية “بالكفاية الفارقية” وهي مراعاة الفوارق الذهنية والاستعدادات النفسية عند عموم المتعلمين، مثل قوله تعالى: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت”، وقد أشار النبي صلى الله عليه سلم إلى هذا المعنى حينما شبه الناس بالمعادن: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا”، فكما أن معادن الأرض تختلف في طبيعة تركيبها وقيمتها، فكذلك يختلف الناس في طباعهم وأخلاقهم وقدراتهم. ولقد تعدّدت المظاهر التي راع فيها الرسول صلى الله عليه وسلم الفوارق والقدرات الخاصة بكل شخص، ومن أمثلة ذلك:

ـ اختلاف وصاياه صلى الله عليه وسلم باختلاف الأشخاص الذين طلبوا منه الوصية.

ـ اختلاف أجوبته وفتاواه عن السؤال الواحد باختلاف أحوال السائلين.

ـ اختلاف مواقفه سلوكه باختلاف الأشخاص الذين يتعامل معهم.

ـ اختلاف أوامره وتكليفاته باختلاف من يكلفهم من الأشخاص واختلاف قدراتهم.

ـ قبوله من بعض الأفراد موقفا أو سلوكا لا يقبله من غيره لاختلاف الظروف.

وبهذا فالمنهج التربوي النبوي لم يكن على نمط واحد، بل نجد يراعى الخصائص الذاتية لكل منهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسعى إلى تكوينهم بما يناسب ميولاتهم ومواهبهم وأحوالهم ومن الأمثلة على ذلك تعدد أجوبته صلى الله عليه وسلم واختلافها لنفس السؤال الذي طرح عليه من عدد من السائلين، فحين سئل “عن أفضل الأعمال”؟ فيجيب مراعيا حال السائل وظروفه ووقت طرح السؤال، فمرة يجيب بأن “أفضل الأعمال الإيمان بالله وحده ثم الجهاد في سبيله”، ويجيب سائلا آخر أن” أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها”، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم” اعتمد في تربية أصحابه على معرفة كافية ودقيقة بشخص كل واحد منهم وبما يصلحهم، ويستطيع بذلك أن يقدم لكل منهم الدواء الذي يحتاجه، وبفضل هذه الدراية يتمكن من وضع كل رجل من رجالاته في المكان الذي يصلح له، يقول صلى الله عليه وسلم معددا الصفات الذاتية لعدد من الصحابة: “أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأفرضهم زيد ابن ثابت وأعلمهم بالحلال و الحرام معاذ ابن جبل ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح”، فقد كان عليه السلام يخاطب كل واحد بقدر فهمه وبما يلائم منزلته، وكان يجيب كل سائل عن سؤاله بما يهمه ويناسب حاله، ويوصي كل مستوص بما يعالج حاله، فمرة يوصي السائل بتقوى الله، وأخرى بعدم الغضب، ومرة بذكر الله تعالى، أو الاستقامة وكف اللسان عن النميمة، ومثل هذا في السنّة كثير.

ومن أمثلة ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: “كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء شاب فقال: يا رسول الله أقبل وأنا صائم، قال لا، فجاء شيخ فقال أقبل وأنا صائم قال نعم فنظر بعضنا لبعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه”.

ونجد الماوردي أورد نصوصا كثيرة تؤكد هذه الحقيقة: “وإذا كان العالم في توسم المتعلمين بهذه الصفة، وكان بقدر استحقاقهم خبيرا، لم يضع له عناء ولم يخب على يديه صاحب وإن لم يتوسمهم وخفيت عليه أحوالهم ومبلغ استحقاقهم، كانوا وإياه في عناء وتعب غير مجد، لأنه لا يعدم أن يكون فيهم ذكي محتاج إلى الزيادة، وبليد يكتفي بالقليل منه، وإذا لم يراع هذا ويعطي كلا قدره وحقه من العلم أعجز الذكي والبليد على السواء، والأمر كذلك فإن النتيجة تكون واضحة الملل والسأم من جانب المعلم ومن جانب المتعلمين على السواء  ومن ثم وجب على المعلم أن يراعي تلك الفروقات بين المتعلمين أثناء تعليمهم، إذا أراد أن ينجح في عمله”.

وقريب من هذا نجد ابن سحنون يؤكد على المؤدب فيقول له: “لا تؤدبه إلا بالكلام الكلام الطيب والمدح، فليس هو ممن يؤدب بالتعنيف و الضرب”، في إشارة إلى أنه من الناس من ينفع معه الكلام الطيب والقول الحسن، ومنهم عكس ذلك من لا يرده على الصواب إلا التعنيف والشدة، فالمعلم ينبغي أن يكون على دراية بمثل هذه الفوارق ليضع كل تلميذ في الموضع اللائق به.

مبدأ التكـــــــــــــــرار

تؤكد نظريات التعلم الحديثة، على مبدأ التكرار وأهميته في عملية التعلم، وتكاد تجمع هذه النظريات على الفاعلية التربوية لهذا المبدأ في تغيير السلوك التعليمي.

فلا يحدث تغيير في سلوك الأفراد عامة والمتعلمين خاصة إلا بالتكرار، وإعادة التعلم مرارا، فالممارسة التي أكدت عليها نظريات علم النفس التربوي تتضمن إقرارا صريحا بأهمية تكرار السلوك الذي يؤدي إلى تكوين وترسيخ خبرة تعليمية مقصودة.

لقد استعمل العلماء والمربون أسلوب التكرار، لما له من أهمية في تثبيت المعلومات والأفكار والمادة العلمية في أذهان المتعلمين، ونحن هنا نتحدث عن التكرار بمرجعيته التربوية الذي هو مبدأ من مبادئ التعليم والتعلم واكتساب المعرفة ووسيلة تثبيتها، وليس التكرار الناتج عن الركاكة في التعبير وقلة الزاد اللغوي.

فنجد ابن خلدون في نظريته التربوية يقترح منهج التكرار عند تلقين العلوم فيقول:” هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل فى ثلاث تكرارات وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما ـ يخلق له ويتيسر عليه وقد شاهدنا كثيراً من المتعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته ويحضرون للمتعلم في أوّل تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلّها ويحسبون ذلك مراناً على التعليم وصواباً فيه ويكلفونه بتحصيله ويخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها وقبل أن يستعد لفهمها”.

فالتكرار المنظم في إطار العملية التعليمية، يساهم في تقرير المعلومات، كما يساهم في بناء العملية التربوية وتطويرها وإتقانها وترسيخها. وبالرجوع إلى القرآن نجده استعمل بشكل ملحوظ أسلوب التكرار لترسيخ بعض المبادئ الاعتقادية والأخلاقية وتعزيزها، إما بإعادة ألفاظها أو تكرار مفاهيم لبنائها، مثل قوله تعالى:”كلاّ سيعلمون ثم كلا سيعلمون”،” أإله مع الله” تكرار مفهوم عقدي. وفي السنة نجد من أساليب الرسول المتبعة في تعليم صحابته أسلوب التكرار “إذا تكلم بكلمة أعادها حتى تفهم منه”، وعليه سار العلماء، “كان الربيع بطيء الفهم فكرّر الشافعي عليه مسألة واحدة أربعين مرة، فلم يفهم وقام من المجلس حياء، فدعاه الشافعي في خلوة، وكرّر عليه حتى فهم”.

 مبدأ استمرار العملية التعلمية طول الحياة

تؤكد النظريات الحديثة، أن العلم لا يقتصر على فترة دون أخرى، فالإنسان مادام قادرا على طلب العلم والاستزادة منه، فهو مطالب بتحصيله.

ويعني استمرارية التعليم الاستزادة من طلب العلم، بحيث لا يقف عند حدود الزمان والمكان فهو يمتد بصاحبه من المهد إلى اللحد. إن دوام طلب العلم والتعلم الذي تنادي به النظرية التربوية الإسلامية يستغرق دورة الحياة بكاملها فالإسلام يرسخ في ذهنية المتعلم، أن طلب العلم لا تحده حدود ولا يقاس بسن معين، بل هو يسع حياة المرء كلها، وأن الطالب مهما تخيل أنه وصل مرتبة عالية في العلم والتعلم، فهناك من هو أعلم منه “وفوق كل ذي علم عليم”، فهو مدعو إلى الاستزادة من طلب العلم في كل مراحل حياته،”وقل رب زدني علما”.

التربية والتعليم في الإسلام عمليتان مستمرتان، ترافقان الإنسان في رحلة حياته لا تتوقف عند سن ولا تكتفي بقدر من المعرفة، فالعلم لا حدود له ولا يقف عند حد معين والمنهج الإسلامي يرسخ مبدأ التواضع والإحساس بالنقص أمام العلم وأن رغم ما أوتي منه فلم يؤتى إلا قليلا “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”. ولقد أكد علماء التربية المسلمون على هذا المبدأ، لما له من أهمية في تحصيل العلم والدوام في طلبه، فنجد الطاهر بن عاشور تعليقا على قوله تعالى:”سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى” يقول: “والسين علامة على استقبال مدلولها، وهي تفيد تأكيد حصول الفعل وخاصة إذا اقترنت بفعل حاصل في وقت التكلم فإنها تقتضي أنه يستمر ويتجدد، وذلك تأكيدا لحصوله، وإذا كان قوله تعالى: “سنقرئك فلا تنسى”. فالسين دالة على أن الإقراء يستمر ويتجدد”. ومن الوصايا التي يقدما ابن عبد البر لطالب العلم ألا يتوقف عن طلبه ما دام قادرا على ذلك، وقد استدل بكثير من الأقوال على ذلك: ما قاله ابن ناذر عن عمر بن العلاء قال: “حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم فقال: مادام تحسن به الحياة”. ويرى ابن عقيل:  أن المسلم لا ينبغي له أن يمضي ساعة من عمره إلا وهو يعلم أو يتعلم فقال :”إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي، وأنا مستطرح فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانينات، أشد ما كنت أجده وأنا ابن العشرين سنة”.

وهكذا نجد النظرية التربوية الإسلامية كما تجلت في التجربة الإسلامية، تؤكد على هذا المبدأ وتيليه الأهمية وأوجبت الدعوة إلى التعلم مع الاستمرار في الاستزادة منه، ولم تجعل لذلك زمنا ولا وقتا محددا، “واقرأ عن التعليم الإسلامي في أي عصر من العصور فلن تجد هناك أية حدود أو قيود رسمية تحد من حركته، فالطالب يبدأ تعليمه عندما يريد وفي السن الذي يريد، ويظل ينهل من العلوم والمعارف كما يشاء، وينتقل بين حلقات العلم هنا وهناك، وقد يترك بلده إلى مكان آخر في طلب العلم، إذ لا يفرض عليه علوم محددة لا بد أن ينتهي منها في سنوات معلومة  وفي مكان محدد، بل يمضي الطالب في تعليمه بقدر ما يتمكن في العلم، وقد تأخذ صورة هذا التمكن أن يعطيه شيخه “إجازة” في علم أو أكثر من العلوم، أو يصبح صاحب حلقة من الحلقات التعليمية، إلى غير ذلك من صور التمكن في العلم، وقد نجد الطالب قد وصل إلى “الأستاذية” في علم من العلوم  بينما يجلس مجلس التلميذ في علم آخر، وقد يتابع دروسه في المسجد ثم ينتقل إلى المرصد وقد يغادر وطنه إلى مكان آخر، وهكذا بدون قيود إلا قيد العلم وحبه والإقبال عليه”.

التشويق وإبعاد الملل:

يؤكد علماء التربية، أن المعلم المتبصر والناجح هو الذي يجعل المتعلمين يشتاقون لدرسه، ويتابعونه برغبة وحرص كبير، ولن يتحقق هذا الشرط إلا إذا كان المعلم يجتهد لإبعاد الملل والسآمة عن متعلميه.

من الأساليب التي ميزت التعليم الإسلامي، وخصها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالذكر، ووظفها في تعليم صحابته، الحض على تشويق المتعلم ودفع السآمة عنه، ولقد تحدث الخطيب البغدادي عن هذا العامل، وأبرز التنبيه إلى استعمال الأمثلة والوسائل التي تقرب المعنى وتجسد الفكرة مستندا إلى مزيد من الأحاديث النبوية من بينها حديث ابن مسعود قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا ، وخط وسطه خطوطا هكذا إلى جانب الخط، وخط خارجا فقال أتدرون ما هذا ؟ قلنا الله ورسوله أعلم قال هذا الإنسان “للخط الذي في الوسط” وهذا الأجل محيط به وهذه الأعراض “للخطوط” تنهشه إن أخطأه هذا نهشه هذا وذاك الأمل للخط الخارج”، ومن منهجه صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه عدم الإكثار ومراعاة تهيؤ أصحابه لقبول العلم حتى لا يتسرب الملل إلى قلوبهم وتنحرف نفوسهم وتضيع الثمرة المرجوة من العملية التعليمية، إنما كان المنهج النبوي يقوم على أساس مبدأ التخول مرة مرة فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال :”كان النبي يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا”.

اقتران العلم بالعمل، أو الجمع بين النظري والتطبيقي.

إن الغاية من مبادئ التربية الإسلامية، وأهدافها إيجاد الواقع التطبيقي في الحياة اليومية، فهي تعمل على ترجمة العلم إلى سلوك يومي.

ويقصد بهذا المبدأ الربط المناسب بين الجانب النظري والجانب التطبيقي في العلوم، فمن ترك العمل بالعلم نسيه أو نفض منه شيء، ولذلك حض العلماء على ضرورة العمل بمقتضى العلم، فهو شرط في صحة العلم وقبوله عند الله تعالى”.

ولقد نحث علماء التربية المسلمون هذا المبدأ وأبدعوا فيه، وعملوا على التأكيد عليه في إنجاح العملية التعلمية، فنجد مثلا: الإمام مالك قال: “إذا تعلمت علما من طاعة الله، فلير عليك أثره التطبيق، وليرينك سمته وتعلم لذلك العلم الذي علمته السكينة و لحلم والوقار”، ونجد الإمام الذهبي يؤكد أن الهدف من العلم العمل، من الوسائل المهمة في استمرر التعلم العمل بالعلم، لأنها أفضل وسيلة لنشر العلوم، وتعد هذه وسيلة تربوية اهتمت بها ودعت إليها التربية الحديثة، نظرا للنتيجة الوخيمة التي تترتب على انفصال العلم عن العمل، يقدم الذهبي مثالا رائعا في ذلك، كالذي يحتطب الحطب فيجعل حزما لا يقدر على حملها، فيتركها ويذهب ليحتطب أخرى، وبذلك يترك المقصد من الاحتطاب، ويكرر العمل دون مقصده وغايته فيقول:”عن وهب أن عيسى عليه السلام قال للحواريين: ضعفا على المصيبة أشدكم حبا للدنيا: وعن وهب قال المؤمن يخالط ليعلم ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو ليغنم، وعنه قرأت في بعض الكتب ابن آدم لا خير في أن تعلم ما لم تعمل ولا تعمل بما علمت، فإن ذلك مثل رجل احتطب حطبا فحزمه حزمة فذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى”.

يبين جلال الدين المزّي أن ترك العمل يورث آفتين لهذه الأمة:

1ـ عدم العمل بالعلم يؤدي إلى ذهاب العلم ونزوعه من الدنيا، مستندا لقوله صلى الله عليه وسلم:” ذاك عند ذهاب العلم قال: قلنا يا رسول الله فكيف يذهب العلم و نحن نقرأ القرآن و نقرئه أبناءنا ويقرؤونه أبناءهم إل يوم القيامة؟ فقال ثكلت أمك يا بن أم لبيد   إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة، أو ليست هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل فلا ينتفعون بما فيهما”.

2ـ الحسرة يوم القيامة: عن سفيان بن عيينة قال:” اشد الناس حسرة يوم القيامة، رجل كان له عبد فجاء يوم القيامة أفضل عمل منه، ورجل له مال فلم يتصدق به، فمات وورثه غيره فتصدق به، ورجل عالم لم ينتفع بعلمه فعلّم غيره فانتفع به”.

ولقد تقرر في شرعنا، أنه من لم يعمل بما يعلم فلا فائدة في علمه، إنما المقصد من العلم العمل به، ويرى أثره في حياة العالم. يقول سحنون”من لم يعمل بعلمه لم ينفعه العلم بل يضره، وإنما العلم بور يضعه الله تعالى في القلوب فإذا عمل به نوّر الله قلبه، وإن لم يعمل به وأحب الدنيا أعمى حب الدنيا عليه ولم ينوره العلم”.

خلاصة:

هذه بعض المبادئ والخصائص التربوية التي أنتجها العقل المسلم، ليس الهدف من تقديما التباهي، أو إيجاد المبررات للإعراض على المنجزات البشرية في الحقل التربوي، إنما الغرض منها، ضرورة استفراغ الوسع في قراءة تراث الأمة والحرص على الاتصال الدائم مع تاريخها، قصد دراسته وتمحيصه والاستفادة منه، مع العزم الدائم على تجاوزه والبناء عليه، وفق المستجدات التربوية التي فتحها الله على الإنسانية في هذا الزمان. إن هذه التوجيهات التربوية قد ظهرت نتائجها وأتت أكلها، حينما استثمرت في وقت من الأوقات، فساهمت في تكوين الفرد المسلم والمجتمع المسلم، وأنشأت عقلا مسلما مستوعبا لكل مصادر المعرفة، بحيث استطاع أن يجمع بين عالم الغيب وعالم الشهادة، فلم يكن عند مبرر لتقسيم العلوم إلى دينية ودنيوية، وبفضل هذا المنهج التكاملي في نظرته وفي تعامله مع مصادر المعرفة، ازدهرت العلوم الكونية، والعلوم الدينية، على حد سواء، وقامت نهضة علمية وحضارية لازالت معالمها شاهدة عليها إلى اليوم. بل كانت عواصمه العلمية تشد إليها الرحال من مكان طلبا للعلم والمعرفة.