لا نقصد بالفلسفة في هذا المقام، ذلك المعنى الاصطلاحي الذي يحيل في أكثر الأحيان إلى مجال معرفي نخبوي، أهم ما يميزه -في أعين البعيدين عنه- صعوبة الأسلوب وغموض المصطلحات، والبحث في قضايا تبدو بسيطة وواضحة. فمن ليس مختصًّا بالفلسفة هكذا يرى الفلسفة.

وإنما “الفلسفة” التي سنتحدث عنها هنا، أقرب إلى مفهوم الحكمة، والتي تحيل إلى النظرة العميقة أو الكلية للمسائل، دون أن تتورط بالضرورة في آفة الصعوبة والغموض… نعني بها النظرة للحياة.

فالفلسفة أو الحكمة على هذا، لا تكون مجالاً معرفيًّا تخصصيًّا يهتم به النخبة وتهجره العامة، وإنما سيكون نظرة تحدد مسلك الإنسان -أيّ إنسان- ولو كان أميًّا في الحياة… هي تلك النظرة التي تصاغ بلغة بسيطة، ولكنها عميقة ودالة على المراد بأوضح ما تكون الدلالة.

ومن هنا، عندما نقول في هذا المقام “فلسفة النورسي”، لا نقصد جانبه الفلسفي التخصصي الذي نلامسه في بعض كتاباته وردوده على الفلسفة الغربية، وإنما نقصد تلك النظرات التأملية الكاشفة عن نظرته للحياة… وفي ظني أن هذا النمط هو الفلسفة الحقة، لأنها تعبر عن الإبداع وتتجاوز مجرد النقل والاتباع.

وهذا النمط من الكتابة، نجده عند النورسي في رسالة صغيرة هي رسالة “نوايا الحقيقة”، وهي تكشف عن نفسها من عنوانها، فهي لن تتكلم -بحسب تحليل العنوان- عن “الحقيقة”، وإنما عن “نوايا” (جمع نواة) تلك الحقيقة، لأن الحديث عن “الحقيقة” يقتضي الدخول في مجال الفلسفة بالمعنى التخصصي، وهو ما يقتضي بسطًا في التحليل وإكثارًا للأدلة، وإسهابًا في إيراد الحجج وتزييف حجج الخصوم وهو ما تكفلت به مجموعات كليات “رسائل النور” (الكلمات، الشعاعات، اللمعات، الملاحق… إلخ). أما هنا في هذه الرسالة الصغيرة، فهو يريد أن يحدثنا عن “نواة” الحقيقة، والحديث عنها تكفي فيه جمل مختصرة معبرة تصل إلى المعنى من أقصر طريق… هو هنا ليس في مقام التحليل والتدليل، وإنما في مقام التركيز، فجاءت “الرسالة” عبارة عن خلاصات مركزة، تستفز القارئ، تطلب منه أن يتعامل معها وكأنها حقائق مسلمة، بل نوايا أو جواهر لتلك الحقائق، فجاءت -من حيث الصياغة- أشبه ما تكون بالحكم التي يتداولها الناس وهم على يقين من صوابها.

هكذا نجد النورسي في “نوايا الحقيقة” يعطينا زبدة تأملاته، في أسلوب بسيط عميق، وجمل قصيرة موحية قد تغريك بساطتها، فتمد يدك إليها محاولاً تلمسها فإذا بك تقع على خلاصة مركزة قد تدفعك أنت أيضًا إلى التأمل ومزيد القراءة، حتى تستطيع أن تتذوق ما يريده منك صاحب الحكمة.

تأمل معه -مثلاً- هذه الحكمة: “ينبغي النظر إلى الماضي والمصائب نظرة القدر، والنظر إلى المستقبل والمساوئ من نقطة التكليف، فالجبر والاعتزال يتصالحان هنا”. انظر كيف يضع الإصبع على “نواة” الحقيقة التي أضاعها الجدل النظري حول مسألة القدر بين المدارس الإسلامية، فضاعت الوظيفة العملية للقدر، وتخاصمت الاتجاهات بدل أن تتآلف… هي حكمة بسيطة، لكن قارئها إن تجاوز “النواة”، عليه أن يُلم بذلك الجدل الذي امتد قرونًا -ولا يزال- في دنيا المتكلمين والفلاسفة والصوفية، وأن يدرك تجليات عقيدة القدر في المعتقدات الشعبية في واقع المجتمعات الإسلامية.

ونحن في هذا المقام لن نحلل كل تأملات النورسي، وإنما سنركز على ما يمكن أن نستشف منه نظرة الرجل إلى “الإنسان”، على اعتبار أنها هي الكاشفة عن حقيقة فلسفة الإنسان في الحياة.

نوايا الحقائق حول الإنسان

الحقائق عن الإنسان، تمر غالبًا بالحديث عن قيمة هذا الإنسان ومكوناته وعلاقته بالوجود من حوله، وعن كيفية التعامل مع مكوناته وأحاسيسه من فرح وحزن، أو سعادة وشقاء ويأس وأمل، أو سكون وتطلع… وتلك كانت النقاط التي لامسها النورسي وهو يحدثنا عن نوايا الحقائق حول الذات الإنسانية.

فحقيقة ماهية الإنسان أنه مخلوق رباني، يوازي في قيمته وتعقده قيمة هذا الكون الرحب وقيمته، يقول النورسي: “إن الإنسان كسورة يس كتبت فيها سورة يس”. لست أدري إن كان لـ”يس” دلالة هنا أم لا، ولكن الأستاذ يضعنا أمام صورة تُشبع البصر وتستفز العقل ليفكر في ماهية هذا الإنسان… صورة فنية تحيل إلى التكامل والتعقيد اللذين يسمان تركيب الإنسان. فأنت ترى نفسك أو ترى غيرك، صورة ظاهرة مثل كلمة “يس”، بيائها وسينها هكذا مجردين… ولكن إن اقتربت رأيت تلك الياء والسين تعجان بالتفاصيل التي هي مضمون سورة “يس”!.. تفاصيل تتكامل لتعطينا معنى متناسقًا، كتكامل آيات، بل كلمات، بل أحرف سورة “يس” لتعطينا صورة متكاملة المضمون.

تلك التفاصيل، تجعل الإنسان مخلوقًا يوازي الكون كما قلنا، وهذه حقيقة قرآنية تجدها ماثلة أمامك في الآيات التي تضع الإنسان في كفة والكون الرحب في كفة مقابلة، سواء في الدلالة على الخالق أم في الامتنان على المخلوق، كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾(فصلت:53)، وقوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾(الذاريات:20-21).

الإنسان والعالم

ثم رشحت هذه الحقيقة لدى الصوفية في مقولتهم الشهيرة: “الإنسان عالم صغير والعالم إنسان كبير”، وهي ذات النظرة التي تبناها النورسي في تأملاته، والتي بموجبها يرى أن الإنسان والكون كل منهما خاضع لشريعة تخصه، لكنها في النهاية “شريعة”، لأن مصدرها واحد هو خالق الإنسان والكون، يقول: “الشريعة اثنتان إحداهما: الشريعة التي تنظم أفعال وأحوال الإنسان الذي هو عالم أصغر، والتي تأتي من صفة الكلام وهي الشريعة المعروفة لنا، الثانية: الشريعة الفطرية التي تنظم حركات وسكنات العالم الذي هو إنسان أكبر وهذه من صفة الإرادة، فهي تسمى أحيانًا بالطبيعة خطأ، والملائكة أمة عظيمة، وهي حملة وممثلة للأوامر التكوينية الآتية من صفة الإرادة والتي تسمى بالشريعة الفطرية”.

هل يعني هذا، أن الإنسان منفصل تمامًا عن العالم، على اعتبار أن الاختلاف بين الشريعة التي تحكمه وبين تلك التي تحكم العالم؟ حتى لا يسارع القارئ إلى تبني هذا الانفصال بين الإنسان والكون، وقد يؤدي به ذلك في المطاف الأخير -كما هو شأن الفلسفة الغربية المادية- على التعامل مع الكون من منطلق الصراع والصدام… يذكرنا النورسي في تأملاته وكأنه يفصل أو يستدرك فيقول: “إن الروح قانون ذو وجود خارجي، وناموس ذو شعور، وهو آت من عالم الأمر وصفة الإرادة كالقوانين الفطرية الثابتة، وقد كسته القدرة الوجود الحسي، وجعلته سيالة لطيفة صدفة لذلك الجوهر. إن الروح الموجود أخ للقانون المعقول، كلاهما دائمي وكلاهما آت من عالم الأمر. ولو ألبست القدرة الأزلية وجودًا خارجيًّا لقوانين الأنواع لأصبحت روحًا، ولو طرح الشعور عن رأسه لأصبح قانونًا لا يموت أيضًا”. فالروح التي هي جوهر الإنسان، من المصدر ذاته الذي يعطينا القوانين/السنن المحركة لهذا الكون… هي كقوانين الوجود، كله من “الله”: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾(الأعراف:54).

من هنا كان الإنسان -كما الكون- في ظل العناية الربانية ماديًّا ومعنويًّا، بحسن الخلق ودقة التصوير وجمال التركيب في الأول، وإنزال الشرائع وبعثة الأنبياء ونصب دلائل الهداية في الثاني. فهل يعقل -يلاحظ النورسي- أن يولي الله تعالى العناية بالمادة ويهمل الروح؟! أم هل يتصور أن يهتم سبحانه بالمخلوقات الحقيرة -في نظر الإنسان- ويسلم مصير الإنسان إلى الحيرة والضياع؟! يقول النورسي: “إن القدرة الأزلية التي لا تترك النملة بدون أمير والنحل بدون يعسوب، لا تترك البشر بدون نبي”. فالنبوة في هذا المقام، من مقتضيات القدرة الربانية والحكمة الأزلية، لأنها تجلي هاتين الصفتين في الحياة قبل أن تكون -أي النبوة- حاجة تقتضيها طبيعة الإنسان وتكوينه.

هذه الطبيعة الإنسانية ذات التكوين المزدوج من حيث أن الإنسان مادة (قبضة من تراب) وروح (نفخة من روح)، جعلت من هذا الإنسان صاحب استعداد مزدوج أيضًا (فجور وتقوى) أو (شر وخير)، وصاحب مصير مزدوج في النهاية (هدى أو ضلال)، (جنة أو نار)… هذه حقائق قرآنية يذكرنا بها الله تعالى في أكثر من موضع في القرآن؛ فعن الطبيعة المزدوجة نجد: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾(ص:71-72)، وعن الاستعداد المزدوج نقرأ:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(الشمس:7-8)، وعن المصير المزدوج نسجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾(الشمس:9-10).

الفلسفة القرآنية والإنسان

هذا جوهر الفلسفة القرآنية في نظرتها إلى الإنسان وهو ما نجده في تأملات النورسي، وما النورسي في حقيقته إلا تلميذ مخلص لهذا القرآن. فهو ينظر إلى الطبيعة المزدوجة للإنسان، ويرتب عليها نتائج تتعلق بمجال مهم في حياته وهو تحصيل المعرفة. فالذي يفصل بين جانبي الإنسان، سيحصّل -إن حصل- معرفة مشوهة أو ناقصة، سيكون كمن ينظر بعين واحدة، يرى أحد جانبي الإنسان ويهمل الجانب الآخر وهو المأزق الذي وقعت فيه الفلسفة الغربية، وانعكست ظلاله القاتمة على المسلمين حين دخلوا مرحلة التقليد لكل ما هو آت من الغرب، فأثيرت نقاشات -ولا زالت لها ذيول إلى يوم الناس هذا- حول العلاقة بين “العقل” و”النقل” أو بين “الفكر” و”القلب”. والمسألة في جوهرها -كما ينبه النورسي- تعود إلى هذا الفصل المتعسف بين جانبي الإنسان، وهي من سوؤات المذاهب المادية التي أثمرت في دنيا البشر أسوء الثمرات (الظلم)… وهل هناك وضع أكثر بؤسًا من أن يفضي العلم -وهو في نفسه فضيلة- إلى الظلم وهو أسوء رذيلة؟! ذلكم هو المأزق الأخلاقي لحضارة استطاعت أن تطلق العقل يجول في آفاق الكون، ولكنها انطلاقة على غير هدى؛ فكان كلما تقدم خطوة ابتعد عن جوهر إنسانيته خطوة، وكلما أضاء جانبًا من المادة أظلم جانبًا بين جنبات الإنسان، فاتسعت الهوة بين “العلم” و”الأخلاق”، أو -إن شئنا- الدقة بين المعرفة والالتزام السلوكي الإنساني السوي. يلخص لنا النورسي هذا المأزق فيقول: “إذا لم يستضئ نور الفكر بضياء القلب ولم يمتزجا، فهو ظلام يفجر الظلم، فكما إذا لم تمتزج ظلمة نهار العين الأبيض بضوء الليلة السوداء، لم تكن بصرًا، كذلك إذا لم توجد في الفكرة البيضاء سويداء القلب، فلا تكون بصيرة”.

ظلمة القلب

وكم يشقى الإنسان حين يتبنى فلسفة تظلم فيه القلب لحساب العقل، أو تكبت فيه العقل لحساب القلب. عندها يختل الميزان ويتفجر صراع بين جنبات الإنسان، سرعان ما ينتقل إلى واقعه ويظهر على أخلاقه، ولما كان لهذا الخلل كل هذه الخطورة، وجدنا النورسي في تأملاته، يؤكد على جوهر هذه المسألة، فيعالج مرة خطورة أن تميل الكفة إلى جانب “المادة”، ويعالج أخرى أن تميل الكفة إلى جانب “الروح/القلب”.

يقول عن الميل إلى المادية وهي من نتائج الفلسفة الغربية المعاصرة: “إن المادية طاعون معنوي، لذا تسبب في سريان حمى مدهشة بين البشرية وعرضتها للغضب الإلهي، وعلى قدر توسع قابلية التلقين والنقد والتقليد في الإنسان، يتوسع ذلك الطاعون أيضًا”. فالفلسفة المادية أو النظرة المادية، على الرغم من أنها دوران حول المادة -كما يدعي أصحابها- لكنها في حقيقتها -كما يقول النورسي- مرض، بل طاعون من طبيعة معنوية، لأن آثاره المدمرة -كما هو مشاهد في عالمنا اليوم- تضرب أول ما تضرب الجانب المعنوي (الإنساني والأخلاقي) في حياة الإنسان، فهي تعطي معرفة لا تتجاوز الظواهر، ولكنها تفقر الجوهر وتلغيه… وهل يمكن أن يحيى الإنسان حياة سوية إن دارت حياته حول المادة والمادة فقط؟ إنه إن فعل -وقد فعل مع الأسف- سيقع في الاغتراب عن نفسه وعن الكون؛ أعني الاستيحاش والشعور بالأجنبية عن ذاته وعن الكون من حوله. فالمعرفة المادية معرفة قاصرة تحلل وتدقق وتفكك وتفسر كل جزئية من جزئيات الكون، ولكنها لا تخطو بالإنسان خطوة خارج دائرة المادة والظاهر، فضلاً عن أن تشبع تطلعاته وأشواقه إلى ما يتجاوز المادة إلى الروح، بل ما يتجاوز الدنيا إلى الآخرة… ولعل هذا بعض ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾(الروم:7).

وهو يعالج الخلل الثاني -وإن من طرف خفي- أعني الميل إلى إهمال الأسباب المادية، وتعليق كل ذلك على عجز الإنسان أو إحالة الأمر إلى الغيب… ويبدو أن هذا من أمراض عالمنا الإسلامي، حين تعطلت في المسلمين ملكة الإبداع، فاختلطت أمامهم مجالات المادة بمجالات الغيب، فوجدنا بعضهم يبرر كسله وانصرافه عن البحث في الآفاق والأنفس، بإحالة كل ذلك على القدرة الإلهية، والاكتفاء بملاحظة الآخرين وهم يهيمون في أودية المادية، فإذا ما أوصلهم اجتهادهم إلى اكتشاف سنة من سنن الله تعالى في الكون، سارع أصحابنا إلى التنويه -بفخر لا يستحقونه- أن هذا مشار إليه في كتاب الله. هذا عجزٌ يوازي في قبحه انغماس صاحب المادة في ماديته، لأن في كلا الموقفين انصراف عن الحقيقة المتكاملة التي بثها الله تعالى في كونه مادة وروحًا، يقول النورسي عن هذا الخلل: “ينبغي عدم اللجوء إلى العجز فيما يمكن حله، وعدم الالتجاء إلى الجزع فيما لا يمكن علاجه”.

وبعد أن يحدد النورسي ماهية الإنسان، وينبه إلى ضرورة التعامل معها بالتوازن الذي يضمن التكامل بين المادة والروح، ينتقل بنا في وقفات أخرى تلامس جوانب من هذه الماهية الإنسانية.

فينبهنا إلى ارتباط كرامة الإنسان بسعيه الفطري إلى المعرفة، وهذه من اللفتات التي قل من أشار إليها في مفهوم التكريم الرباني للإنسان، حيث ينصرف الحديث -عادة- إلى حسن التقويم وجمال التركيب والاستعداد للمعرفة. أما النورسي فهو لا يتحدث عن الاستعداد للمعرفة فقط، وإنما عن السعي والبحث عن الحق، وفي هذا البحث قد يخطئ الإنسان طريقه، وقد يتبنى الباطل على أنه حق والخطأ على أنه صواب، وقد يتعصب لهذا ويقاتل دون ذلك، يقول: “إن الإنسان لكونه مكرّمًا فطرة، يبحث عن الحق دومًا، وأثناء بحثه يعثر على الباطل أحيانًا فيخفيه في صدره، وهو ينقب عن الحقيقة يقع على الضلال بدون اختيار فيظنه حقًّا فيلبسه على رأسه”.

الحق والباطل

وهو هنا يضعنا أمام حقيقة تتعلق بدور الحق والباطل أو الصواب والخطأ في الحياة، فلا يكفي فكرة ما، أن تكون حقًّا لتكون مؤثرة في الواقع، ولا يؤدي كونها باطلاً إلى انتفاء أثرها فيه… فالحق والباطل هكذا مجردان لا تأثير لهما في دنيا الإنسان ما لم يتبنّ هذا الإنسان ذلك الحق أو ذلك الباطل، ويعطيه سر تأثيره في الواقع وهو “الفاعلية”. فالذي يسعى للبحث عن “الحق” -كما في الحكمة السابقة- إذا وجد الباطل وأخفاه في صدره، أو وجد الضلال ووضعه على رأسه، سيؤثر بهما في الواقع ما دام لديه ذلك السعي وتلك الحركة… أما صاحب الحق الذي لا يتحرك بحقه، فلن يكون له في دنيا الناس أثر، والواقع الذي يحياه العالم اليوم خير دليل على هذه المسألة. فنحن كمسلمين، نلوم الحضارة الغربية على ماديتها المفرطة ونبالغ أحيانًا في ذم باطلها، ولكننا نغفل عن سر حضور ذلك الباطل بقوة في الواقع، وسر غياب الحق الذي نعتقد أننا ورثته. إن ذلك السر هو “الفعالية”، إذ لا تلازم بين صوابية الفكرة والمنهج وأحقيتهما، وبين تأثيرهما التلقائي في الواقع، وهذا ما يشير إليه النورسي بقوله: “إذا لم يكن في العلم إذعان القلب فهو جهل، لأن الالتزام شيء والاعتقاد شيء آخر”. فإذعان القلب هو ما يكسب العلم -زيادة على صفة الحق- فعالية دافعة إلى العمل، وهو ما يمكن أن ينقل الإنسان من دائرة الاقتناع إلى دائرة الالتزام… فما ينقص المسلمين اليوم، ليس إقناعًا بحقائق هم مؤمنون بها، وإنما الالتزام الواقعي بمقتضيات تلك الحقائق. بعبارة أخرى، تفعيل الحق واقعًا بعد أن آمنوا به اعتقادًا.

ومن تأملات النورسي أيضًا، كلمات تلامس جوانب نفسية مختلفة في الإنسان منها:

• دور الأمل في حياة الإنسان: “إن الأمل يبعث الحياة في الناس، واليأس يقتلهم”.

• السبيل إلى الاستمتاع بالحياة: “إن الذي يرى جيدًا، يفكر جيدًا، والذي يفكر جيدًا، يتذوق لذة الحياة”.

• آثار الشهرة على الإنسان: “إن الشهرة تملك الإنسان ما ليس له”.

• تأثر الإنسان بمحيطه والرسائل التي يتلقاها منه: “إذا قيل للمجنون “أنت حسن أنت حسن”، ليس من المستبعد أن يتحسن، وإذا قيل للعاقل “أنت رديء أنت رديء”، فليس نادرًا أن يردأ”.

• عوامل المؤثرات الخارجية: “إن الخوف والضعف يشجعان التأثيرات الخارجية”.

• من أسرار شقاء الإنسان: “إن أشد الناس شقاء واضطرابًا هو الرجل العاطل عن العمل، ذلك لأن العطل هو ابن أخ العدم وشقيق الموت، أما السعي فهو حياة للوجود ويقظة للحياة”.

• علاقة الإنسان بمجتمعه: “لكل إنسان نافذة يطل منها على المجتمع ليرى ويُرى تسمى مرتبة، فإذا كانت قامة تلك النافذة أكثر ارتفاعًا من قامة قيمة الشخص، تطاول بالتكبر، وأما إن كانت أخفض من قامته، تواضع وتقوس وتخفض حتى يرى من تلك السوية أو يُرى”.

• من خبايا النفس: “إن التماثل سبب للتضاد، والتناسب أساس للتساند، وصغر النفس منبع الكبر، والضعف معدن الغرور، والعجز منشأ الخلاف، والتعفف أستاذ العلم”.

• تحليل نفسية الضعيف وسر لجوئه للتخريب: “إن وجود الشيء يتوقف على وجود جميع أجزائه، أما عدمه فلعدم وجود جزء من أجزائه، لذا نجد الرجل الضعيف يميل إلى التخريب لإثبات قدرته، فيرتكب الأعمال السلبية بدل الأفعال الإيجابية”.

ذلكم هو الإنسان في فلسفة النورسي وتأملاته، وتلكم بعض من نوايا الحقائق حول هذا المخلوق المكرم.

ولنختم رحلتنا مع النورسي بـ”نواة”، ربما تلخص كثيرًا مما أطلنا فيه الحديث، لأنها توقف الإنسان على حقيقته، وتنبهه إلى ما قد يغفل عنه في أحيان كثيرة، يقول رحمه الله: “إن معيار العظمة في الإنسان هو الصغر (أي التواضع)، أما مقياس الصغر فهو التعاظم (أي التكبر)”.

ـــــــــــــــ

الهوامش:

(1) وهو فصل في “المكتوبات”، لبديع الزمان سيعد النورسي، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.