فقه الائتلاف عند فتح الله كولن(1)

من المعلوم أن إحدى المعضلات الرئيسة التي تعاني منها أمة المسلمين هي الفرقة، وهي عند “فتح الله كولن” إحدى زوايا مثلث التخلف الحضاري الذي يضم أيضًا الجهل والفقر.

ولأن تيار الخدمة الذي أسسه “كولن” في تركيا نذر نفسه لمحاربة هذا الثالوث، فسنسلط الضوء في هذا البحث على دور كولن في محاربة الفرقة بطريقة إيجابية من خلال إشاعة فقه الائتلاف.

وستركز كتابتنا على عنوانين اثنين، هما: أسس فقه الائتلاف، ووسائل تجسيد فقه الائتلاف:

أولاً: أسس فقه الائتلاف

رغم أن كولن واعظ وداعية ولا سيّما في الشطر الأول من حياته، إلا أنه مفكر وحركي، ولذا لم يكتف بإثارة العواطف وتحريك الوجدان من أجل بيان أخطار الفرقة بين مكونات المسلمين، وتوضيح أهمية الائتلاف، بل أقام هذا الائتلاف على عدد من الأسس التي تجمع بين الفكر والوجدان، وبين العلم والعرفان، ويمكن تلخيص هذه الأسس في خمس نقاط:

1-  الإيمان الجامع بين العلم والإخلاص

من المؤكد أن الإيمان هو خلاصة التفاعل الإيجابي بين العلم الدقيق والإخلاص الوثيق، لكن عهود التخلف والانحطاط التي مر بها المسلمون شوهت مفهوم الإيمان فجعلته أعورًا، حتى بدا كأنه إخلاص بلا علم، وتوكل بلا أسباب، بل بدا عند آخرين كأنه اسم بلا مسمى، وأماني بلا ظل من الحقيقة أو تأييد من الواقع. ولذلك اهتم كولن بإحياء مفهوم الإيمان بجناحَي العلم والإخلاص، حيث دمج بتوازن دقيق بين العقل والروح، ولأن الله يوفق دعاته منذ الصغر، فقد نشأ كولن على هذا التوازن، حيث حرص منذ طفولته على الموازنة في حضوره ومناشطه بين مجالس العلم “العقل” ومجالس الذكر “الروح”، رغم ما كان بينهما من عداوة!.

ولأن القرآن هو المصدر الأول لهذا الدين، فإن معانقته وفق منهجه هو السبيل للحصول على العلم والإخلاص، عبر التدبر والخشوع، وهذا ما فعله كولن، حيث كان دائم المدارسة للقرآن، دائب التدبر لآياته، ولذلك نجح في استكشاف المقادير الدقيقة من الأدوية النافعة لعلل هذا الزمان، وذلك في صيدلية القرآن، وربما كان أساس هذا النجاح في الوصول إلى هذه المقادير أنه قرأ القرآن كأنه أنزل عليه اليوم! وهذا ديدن المصلحين والمجددين، فكلهم تعملقوا بحسن تدبرهم للقرآن.

ولهذا أوصى تلاميذه ومحبيه بأن يقرؤوا القرآن بهذه الطريقة، حيث قال: “على الفرد أن يقول لنفسه: صحيح أنني لستُ بنبي، ولكني أشعر أن آيات القرآن البالغة ستة آلاف ونيف وكأنها قد نزلت عليَّ”.(1).

ولأن العلم شطر الإيمان بجانب “الإخلاص”، وشطر عمارة الحياة بجانب “العمل”، فقد حث كولن أتباعه على طلب العلم، وذلك في كل كتبه ومقالاته ودروسه ومواعظه ومناشطه المختلفة.(2) هذا العلم الذي يصير قنديلاً لاكتشاف مجاهل النفس البشرية واكتشاف دروب الحياة، حتى لا يقع الإنسان في مهاوي النفس الأمارة بالسوء أو يسقط في حُفَر الحياة، سواء على يمين الصراط أو يساره.

العلم شطر الإيمان بجانب “الإخلاص”، وشطر عمارة الحياة بجانب “العمل”

ولهذا حث كولن على استغلال كل إنسان لعمله واستعماله كمنشور في تحليل الحوادث والأشياء، مع توجيه “علمه لإضاءة وإنارة المناطق المظلمة والطيران بعلمه ومعرفته للوصول إلى الحقائق الموجودة فيما وراء الطبيعة، فقدره وقيمته بقيمة علو طيرانه”.(3).

والعلم عند كولن ليس مجرد معارف يتم تكديسها في العقل، بل هو منهج متكامل لقراءة “آيات الأنفس” و”آيات الآفاق” في ضوء “آيات القرآن” وحقائق العلم، والعلم الذي يتم تحصيله وفق هذا المنهج يثمر خشية الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾(فَاطر:28). ولهذا ربط العلماء القدامى العلم بالخشية كما قال الإمام سفيان الثوري: إنما العلم الخشية.

وقد رأى كولن في هذا السياق أن تقوى الله حق تقاته تتناسب طرديًّا مع معرفة الله تعالى، “لذا يمكن القول بأن جميع المعارف التي لا تساعدنا على زيادة هذه المعرفة ليست إلا معرفة ظاهرية وعبارة عن قيل وقال”.(4).

وحث على الانتقاء في طلب العلم، والتركيز على ما يجعل الإيمان ينتفض، ويجعل أصحابه يشاهدون تجليات أسماء الله وصفاته، وهو المالك الحقيق للأشياء وصاحبها والمؤثر الحقيقي فيها “وأن نقضي الأيام الباقية من حياتنا في دائرة رضا الله تعالى وفي ضوء هذا النور المتولد من عملية التفكير والتأمل هذه”.(5).

إن العلم هو الطريق إلى الفاعلية، ولكنه ليس العلم المجرد من الإخلاص، بل العلم الذي يشترك القلب في تحصيله ويتحول إلى معرفة، بعد أن تقوم البصيرة بضم هذه العلوم الجزئية المبعثرة وربطها في اتجاه واحد هو الله، من أجل إرضائه بالتزام منهجه واستثمار سننه في العبودية له في محراب الحياة.

“إن الانتساب إلى الحق والنظر إلى كل شيء بنور الله ومعرفته، يحول حقيقة الإنسان -الذي كان قطرة من ماء مهين- إلى بحر، ويحول معرفة الإنسان من ذرة إلى شمس، ويحول قلب الإنسان -الذي هو شيء لا يذكر- إلى نبض للكون”.(6) ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾(الزمر:9)

وما برح كولن ينوه بفضل العلم والإخلاص في الارتقاء بالعلوم والأعمال إلى سماوات القبول والتأثير والفاعلية، فإن “الذرة الواحدة منها تعادل الشمس، والقطرة الواحدة منها تعادل البحار، واللحظة الواحدة منها بقيمة الأبد”(7) وبالنية الصالحة حصل أهل الكهف على أجور عبادة ثلاثمائة وتسع سنوات رغم أنهم كانوا نائمين.(8).

ويحذر من أن القلب سلاح ذو حدين، فهو جسر إما إلى الخيرات وإما إلى نزغات الشيطان، بحسب صلته بالله.(9) ولهذا أكد مرارًا وتكرارًا على أهمية الإخلاص وضرورته، مشبهًا له بجناح الطائر في الارتفاع بالأعمال، لافتًا الأنظار إلى بركة الإخلاص ودوره في مراكمة الأجور، حيث يقول مثلاً: “والإخلاص وثيقة اعتماد يمنحها الله القلوب الطاهرة، فهي وثيقة سحرية تجعل القليل كثيرًا والضحل عميقًا والعبادات والطاعات المحدودة غير محدودة، حتى يستطيع الإنسان بواسطتها أن يطلب أغلى ما في سوق الدنيا والآخرة”.(10).

وبسبب الانفصام الذي حدث عند مجاميع من المسلمين بين العقل والقلب، فإن كولن ما فتئ يؤكد على ضرورة الجمع الدقيق بينهما، حتى لا يكون هذا الانفصام أحد منابع التمزق وحلول الغثائية والوهن، كما هو حاصل الآن، يقول كولن: “العقل منبع مهم للعمر، أما البصيرة فمنبع مهم للمعرفة أو العرفان. فالذي يملك عقلاً ولا يملك بصيرة قد يعرف أشياء كثيرة ويفهم أشياء كثيرة إلا أنه لا يستطيع أن يصل بمعلوماته إلى شيء”.(11).

ولأهمية تجسير العلاقة بين العقل والقلب، من أجل تجفيف منابع الكثير من الصراعات، يقول كولن: “لقد قاست الإنسانية منذ ظهورها حتى الآن من صخب النزاع بين العقل والقلب. ولو فشلنا في إقامة جسر بين العقل والقلب ولقاء بينهما، وتأمين التناغم والتلاؤم بينهما، فإن هذا النزاع والخصام سيستمر”.(12).

من أجل ذلك كثف كولن دعوته إلى التمازج المتناسب والتلازم المتوازن بين العقل والقلب في مئات المواضع من كتبه ومقالاته.(13) ويمكن تلخيص طبيعة هذه المزاوجة بأوجز عبارة قالها كولن، وهي: “إذا كان العقل هو قسم البياض من العين، فالحكمة هي القسم الأسود منها”(14) والحكمة هنا يقصد بها العرفان الذي هو ثمرة البصيرة المنغرسة في القلب المتسم بالإخلاص.

ويزيد كولن من تجفيف منابع الفرقة في عقل الإنسان وقلبه، بحسن قراءته للقرآن، وحسن نظرته الشمولية إليه، فهو: “مجموعة القوانين الإلهية النازلة من لدن الخبير المتعال والمشرقة على عالم بني الإنسان، والتي تتناول الإنسان في جميع جوانبه، من قلبه وروحه وعقله وجسمه”.(15).

وبالعلم النقي أوجد كولن في تلاميذه “الإدارة”، وبالإخلاص التقي أوجد “الإرادة”، واستطاع بمداد العلم ودموع الإخلاص إيجاد الأرقام الصحيحة، ونجح في حرث الأراضي الخصبة لاستزراع ثقافة الأخوة بدوائرها الأربع -كما سيأتي في الفقرة القادمة- ومن ثم قام بتجفيف أحد منابع الفرقة والتمزق، وتحويله إلى منبع من منابع الأخوة والائتلاف.

2 الأخوة بدوائرها الأربع

اشتهر كولن بدعوته للأخوة والتسامح، ومن خلال جمع مقولاته وممارساته ذات الصلة بهذا الموضوع اتضح لي أن للأخوة عنده أربع دوائر، تبدأ من الأضيق لتنتهي بالأوسع:

الدائرة الأولى: الأخوة الوطنية: وهي الدائرة التي تضم ما يعرف اليوم بجمهورية تركيا، حيث يبني على المواطنة حقوق الأخوة، من تناصر وتعاون في كافة الشؤون المادية والمعنوية، إذ الأقربون أولى بالمعروف.

وفي كتابه “ونحن نقيم صرح الروح” -والذي أعتبره أقرب إلى النظام العام لتيار الخدمة- وجه كولن تلاميذه إلى ضرورة “أن نجعل وطننا وإنساننا مقصودنا ونجهد في تغيير مصيرنا المعكوس، ونحيي أجسادنا بالروح المتشكل من عجين مجتمعنا، ونفتح صفحة تاريخية نقية وجديرة لشعبنا، هي شيء من الأسس لحضارة تفوق المدن الفاضلة ورؤيا التجدد”.(16).

وبالفعل فإن أبناء الخدمة اليوم يمثلون أحد الجسور التي انتصبت أمام بلادهم لتساعدها على العبور إلى المستقبل، ويتحدث كولن عن شيء من هذا الدور، فيقول: “هذا الوطن وهذه الأرض التي رويت منذ زمان بدماء ملايين النفوس المضحية، تعيش اليوم مع كثير من أبنائها الأوفياء حماس العبور من الماضي إلى الآتي.. طافحين بالرجاء والأمل، وممسوسين بقشعريرة حمى الارتقاء بشعبهم، فترى إحدى يديهم ورجليهم منشغلة بالعمل اليومي، وأخراها منشغلة في تجهيز الخطط والبرامج للمستقبل، بل تجدهم قد وهبوا أحاسيسهم ومشاعرهم لإمرة فكرهم ودعواهم”.(17) وهو في هذا السياق ما فتئ يُذكِّر الأتراك بتاريخهم الإسلامي المجيد، من أجل تحلية الوطنية بمضمونها الإسلامي المنفتح، لا الطوراني المنغلق.(18).

وهو كثير الاحتفاء برموز تركيا العثمانية، حيث يجهد لإعطائها الصبغة الإسلامية، مثل بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بفتح اسطنبول، وتحولها إلى قاعدة للمد الإسلامي في نواحي كثيرة من العالم، ولا سيما في شرق أوربا.(19) أما ما يقدمه تيار الخدمة لبلاده من خدمات فهي أفضل تجسيد للوطنية في أسمى معانيها.

الدائرة الثانية: الأخوة القومية: من المعلوم أن الأتراك لا يسكنون فقط تركيا، بل إن معظم المناطق الممتدة ما بين جنوب شرق الصين حتى تركيا تنتمي تاريخيًّا وعرقيًّا إلى القومية التركية، ولذلك فإن تيار الخدمة بفضل توجيهات كولن يتمدد في هذه المناطق بقوة ليقدم خدماته إليها، باعتبار أن لهؤلاء حقوق الأخوة القومية والدينية والإنسانية بجانب حقوق المجاورة.

ومثلما فعل كولن في الدائرة الأولى، فإنه لا ينفك عن تذكير الأتراك جميعهم أنهم ما عرفوا الحياة العزيزة إلا بالإسلام،(20) ويذكرهم بأمجاد العثمانيين، والأدوار الكبرى التي قاموا بها في الذود عن الإسلام وحماية المسلمين، وفي ذات السياق فإنه يشيد بأدوار وبطولات العثمانيين ويدافع عنهم باستماتة،(21) ويدافع عن رموزهم كالسلطان “عبد الحميد” الذي تعرض لحملة شعواء لتشويهه حتى لُقب بـ”السلطان الأحمر” من قبل الفرنسيين، ليجد هذا اللقب قبولاً عند غلاة التحلل من الأصول من الأتراك، لكن كولن يقاوم هذا الاتجاه بقوة، ويرفض تلقيب السلطان عبد الحميد بهذا اللقب، ويلفت الأنظار إلى أدواره البطولية وصفحاته البيضاء.(22).

ويبرز حماس كولن في الدفاع عن العصر العثماني أكثر في الدفاع عن المدارس الدينية والزوايا والتكايا، رافضًا الاتهامات لها بأنها لعبت دورًا في سقوط الدولة العثمانية، بل يرى أن العكس هو الصحيح.(23) وقد برز الدور العملي لتيار الخدمة في هذه الدائرة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واستقلال الجمهوريات الإسلامية الست في وسط آسيا، وهذا الدور الإيجابي ناشط ولا سيما في المجالين التربوي والاجتماعي.

الدائرة الثالثة: الأخوة الإسلامية: المسلمون اليوم أكثر من خُمس سكان العالم، ويسكنون حوالي ربع مساحة اليابسة، ورغم انتمائهم إلى أعراق وألوان وألسنة مختلفة، ورغم توزعهم بين طوائف ومذاهب وفرق ومشارب متنوعة إلا أن عنوان الإسلام ومسمى الإيمان يجمعهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾(الحجرات:10).

هذه الرؤية الإسلامية، هي التي يحاول كولن -مثل كثير من المفكرين والدعاة المسلمين- إعادتها إلى الواجهة بعد أن نسيتها مجاميع كثيرة من المسلمين، مفضلة الانتماء إلى دوائر عرقية أو جغرافية أو تاريخية أو طائفية أو مذهبية ضيقة.

ولهذا فإن كولن ومن ورائه تيار الخدمة يؤمنون بضرورة تجديد العالم الإسلامي، حيث يقول كولن مثلاً: “لذلك نؤمن بضرورة توجيه العالم الإسلامي جميعًا إلى التجدد بكل أجزائه في فهم الإيمان، وتلقيات الإسلام، وممارسة الإحسان، وإثارة العشق والشوق، وتحكيم المنطق، وتعديل طرق التفكير، وأسلوب التعبير عن الذات بمؤسساته ونظمه التي تكسبه هذه الأحوال”.(24).

ويؤكد على هذا المعنى فيقول: “إن المجتمع الإسلامي بحاجة إلى “انبعاث جديد” وإصلاح جاد في ملكاته العقلية والروحية والفكرية، وبتعبير أكثر حيوية، إلى “إحياء”.. إحياء يستجيب لمتطلبات جميع أصناف البشر ويحتضن الحياة كلها في كل زمان ومكان، بقدر السعة والعالمية التي تتسع لها مرونة النصوص، مع السعي الجاد للحفاظ على أصول الدين”.(25).

وفي سبيل إيقاظ الحس الجمعي للأمة وتذكير المسلمين بأخوتهم الإسلامية، يبدأ كولن بإعادة هذه الحقيقة إلى الواجهة في التدين الإسلامي، من خلال إحياء الشعائر الدينية وإقامتها كالصلاة، وليس مجرد أدائها، مما يزرع في قلب المتدين روح الشعور بالانتماء إلى جماعة المسلمين.(26).

ويدعو كولن كعادته إلى الموازنة بين العقل والقلب، في سياق حثه على ضرورة تحقيق الوحدة الإسلامية،(27) لأن هذا التوازن هو أحد أهم أسس الوحدة، وبدونه لن تتحقق الوحدة الفعلية، حتى لو اجتمع المسلمون تحت راية دولة واحدة.

ويحذر المسلمين من الوقوع في مصائد الأعداء، ويحث على إيجاد صيغة اتحاد عصرية تحافظ على مضمون الوحدة مع الإبقاء على الوطنيات كجزء من الواقع، وذلك كالاتحاد الانكلوسكسوني والغال.(28).

وهو في هذا الاقتراح يسعى للموازنة بين الوحدة والحرية في حدهما الأدنى على الأقل، ولهذا يقول: “أعلى الأمم قدرًا هي الأمة التي تسيِّر أمورها في ظل الوحدة والتآلف، والتي تعطي أهمية لرأي شعبها. وهذا يتعلق بقيام أفراد هذه الأمة بتلقي التربية نفسها في الدين واللغة والتاريخ”.(29) وهذا يطمئن الوطنيين غير الأتراك، من أن تيار الخدمة ليست له أي طموحات في إعادة الحكم العثماني إلى بلدانهم.

 

الدائرة الرابعة: الأخوة الإنسانية: ورد في القرآن الكريم نسبة كل نبي إلى قومه المرسل إليهم بلفظ “أخوهم” رغم أنهم كفار، وهي الأخوة الإنسانية التي لا ينكرها القرآن. ومن هنا نهـل كولن رؤيته الكونية بأبعادها الإنسانية.

فهو يجعل على المسلم رسالة نحو البشرية جمعاء من أجل إقامة ما يسميه بــ”التوازن الدولي” أي عدم طغيان أحد على أحد، ولهذا فإن قراءته لآيات الجهاد في القرآن الكريم أوصلته إلى تأليف كتاب خاص تحت عنوان “روح الجهاد وحقيقته في الإسلام” أكد فيه أن من أهم وظائفه –الجهاد- صد عملية الإكراه وفتن الناس عن أديانهم وقناعاتهم.(30).

وفي سياق قراءته لقوله تعالى ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(البقرة:256) انحاز إلى ظاهر الآية التي تدل على حرمة الإكراه لأي كان من أجل اعتناق الإسلام..(31) ومن ثم ليس مع من يدَّعون نسخ هذه االآية أو يؤولونها، كبقية آيات الحرية والاختيار.

وفي معرض تدبره لبعض الآيات المتحدثة عن ذي القرنين، وهو الملك الصالح الوارد ذكره في سورة الكهف، أوضح كولن أن هذا الملك نموذج للمسلم الذي يستخدم كل إمكانياته الكبيرة حتى مداها الأخير، من أجل تحقيق الرضا الإلهي وفي سبيل تحقيق التوازن في الأرض.(32) بمعنى أن قوامة المسلمين على الناس هي تكليف أكثر من كونها تشريفًا.

وهكذا، فإن كولن يزيل الانفصام الذي أبداه أصحاب التدين المنقوص بين الدائرة الإسلامية، وكل من الدوائر الوطنية والقومية والإنسانية، وبالتالي أوجد بعدًا آخر من أبعاد فقه الائتلاف، وبنى له أساسًا آخر، وهو في ذلك يتفق مع المفكرين والدعاة الوسطيين، كالإمام حسن البنا الذي وضع الدائرة المصرية (الوطن) أولاً، ثم العربية (القومية)، ثم الإسلامية، ثم الإنسانية.

3 – الإيجابية الفاعلة

هذا هو الأساس الثالث من أسس فقه الائتلاف عند فتح الله كولن، حيث عمد إلى إيجاد الشخصية الإيجابية الفاعلة، بحيث يكون المرء شخصية لا فردًا، والشخصية هي التي تمتلك إمكانات الائتلاف مع غيرها، وتحولها إلى لبنة في صرح المجتمع الذي تعيش بين ظهرانيه، بينما الفرد يميل إلى السلبية والذاتية والأنانية، ومن ثم يصير شوكة في خاصرة المجتمع وغصة في حلقه، ومعول هدم في صرحه.

الشخصية المؤتلفة هي التي تحمل روح الجماعة في عقلها وقلبها، حيث تجتمع أبعادها الفكرية والروحية حول مقاصد هذا الدين، ومن ثم تكون أبعد ما تكون عن الأنانية الفردية. ولهذا حذر كولن مرارًا وبأساليب مختلفة من كل أشكال المنافع الشخصية، وحث على ضرورة الإخلاص وعدَّه السبيل إلى الأبدية والسعادة الأخروية.(33).

ولوضوح هذا الأمر في فلسفة كولن، ولبروز البعد الجماعي في شخصيته، فإنه في تفريقه بين الفلسفة والنبوة، يجعل أحد أهم الفروق بينهما، أن الفلسفة أنانية فردية، بينما النبوة اجتماعية متساندة ومتعاونة.(34)

والإيجابية لا يمكن أن تكون إلا ثمرة الفكر الراقي الذي يورث صاحبه الشعور المرهف بالمسؤولية، يقول كولن: “يقولون فلان حساس إلى درجة يتأثر حتى من رطوبة الجو أفدي مثل هذا الشخص بنفسي.. إذ ماذ نقول لمن لا يبتل حتى وهو تحت المطر؟!”.(35).

ولهذا فقد ركز على إيجاد الفرد الإيجابي الذي يصير رقمًا صحيحًا فاعلاً، ولبنة مناسبة في جدار المجتمع، وكما قال أحد الباحثين(36) بصدق: “إن فتح الله كولن لم يتناول الإنسان كموضوع للنقاش على المستوى الثقافي، بل حوّل هذا الموضوع إلى مشروع جدي في الحياة العملية”.

ولما كانت السلبية إحدى ثمار الشعور بعقدة النقص ومركب الدونية، فقد عمد كولن إلى بناء الذات، وتشجيع تلاميذه على التعلم الذاتي في بناء شخصياتهم، وعلى النجاح في صناعة الحياة، مما يساهم في القضاء على قابليات الحقد على المجتمع الذي يعيشون بين ظهرانيه، وبحيث يدفعهم اعتزازهم بذواتهم إلى الشعور بالانتماء إلى هذا المجتمع وعدم الانفصال عنه، وبهذا يكون هذا الفرد الإيجابي أميل إلى الائتلاف مع الآخرين والاتحاد معهم.(37).

والإيجابية من أول معانيها ان يمارس الفرد دورًا مقدورًا في تزكية نفسه، بحيث يترقى بها في مدارج الكمال، حتى يصل إلى ردم الهوة بين ما يقول وما يفعل، حينها يكون أهلاً لتحلية الآخرين بالايجابية، يقول كولن: “على الذين يحاولون أن يصلحوا العالم إصلاح أنفسهم أولاً، أجل عليهم أن يطهروا أولاً قلوبهم من الغل والحقد والحسد إلى جانب استقامتهم في السلوك وفي التصرف وبعدهم عما لا يليق بهم، وبهذا فقط يستطيعون أن يكونوا قدوة لمن حولهم”.(38).

وقد شن حربًا شعواء على الذين يقولون ما لا يفعلون، ولا سيّما العلماء وهم الذين سماهم بـ”الثقوب السوداء”، لأنهم لا يعكسون النور ولا يستفاد شيٌ من طاقاتهم الضوئية.(39).

وظل يحث ويؤكد على ضرورة التجسير بين الأقوال والأفعال، كأهم طريق إلى الإيجابية الفاعلة، فالذي لم يستطع أن يعظ نفسه لا يمكن أن يعظ الآخرين، ولأن “الله تعالى ربط -لحكمة ما- قوة تأثير ما يقال بطراز تصرف القائل”. ثم إن “العيش عبادة والتبليغ عبادة أخرى. فمن لم يطبق كليهما حمل ذنبين وابتعد عن قوة التأثير خطوتين، ومن لم يطبق أحدهما حمل ذنبًا واحدًا وابتعد عن التأثير خطوة واحدة، لأن قوة التأثير -كما ذكرنا- تعتمد على تطبيق ما يتم تبليغه”.(40).

ومن الإيجابية الفاعلة لكولن توجيه تلاميذه إلى الأمر بالمعروف أكثر من النهي عن المنكر، أي إيجاد البدائل الطيبة للناس دون الاصطدام بهم، أو استخدام العنف معهم ولو كان عنفًا لفظيًّا، والتركيز على المضامين لا العناوين، وعلى الجواهر لا المظاهر، وعلى المسميات لا الأسماء، مما جعل تيار الخدمة يعيش بالإسلام دون أن يتحدث عنه.

وبسبب عمليته الفذة، نجح كولن في تجسيد الكثير من المثل، وصبَّ من دموعه مياه الحياة التي أحيت الكثير من الرجال الذين تحولت تلك الدموع إلى دماء تجري في عروقهم، تبث فيهم روح الفاعلية والنشاط، والمثابرة والمسابقة، لتتولد على أيديهم مشاريع عملاقة في الميادين الاجتماعية والتربوية والثقافية والإعلامية.

ولما كان عمود هذه المشاريع هو المال، فإن العملية الإيجابية تبرز في هذا الميدان كأوضح ما تكون، إذ يبدأ الأمر بما يسمونه مجلس “صحبة”، يستخدم فيه الداعية علمه وإخلاصه لإقناع السامعين بضرورة العمل والتطوع والتضحية في سبيل الله، وما إن يتأثر الفرد بهذا الخطاب ويقوم بالتطوع من ضمن المستهدفين الذين يطلق عليهم “الأصناف”، حتى يصبح معروفًا بــ”المتولي” إذ يبدأ بالإنفاق على أي نشاط أو مشروع.

وفي هذا السياق تقام مجالس تخصصية لهؤلاء المتطوعين يسمى أحدها “مجلس همة” حيث يتسابق أهل الخدمة في التبرع والتطوع، ويتكرر هذا المجلس ثمان مرات في السنة، وذلك على غرار ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم قبل غزوة تبوك، ويبدو لي أن هناك مجالس طارئة ربما أُضيفت إلى المجالس الاعتيادية الثمانية.

وبهذه الإيجابية الفاعلة، فإن فتح الله كولن يضيف أساسًا ثالثًا لفقه الائتلاف، لأن العمل يبعد الناس عن الجدل المفرق للصفوف، ثم إنه العمل الإيجابي الذي يؤلف ولا يفرق، ويجمع ولا يمزق، ويبني ولا يدمر.

 

4 الاعتراف بالآخر وحقه في التميز والاختلاف

لما كانت الصراعات تأتي في الغالب نتيجة ادعاء كل طرف امتلاكه الحقيقة المطلقة، ومن ثم تكفير وتسفيه الآخر، فإن كولن يعترف ويحث أتباعه على الاعتراف بالآخر وعلى أن من حقه أن يعيش بكرامة، ويتمتع بحقوقه بحرية تامة في ضوء النظام العام للمجتمع، ويستوي في ذلك أن يكون هذا الآخر دينيًّا أو طائفيًّا أو مذهبيًّا أو غير ذلك.

ولهذا فإن حركة فتح الله كولن منفتحة على المجتمع التركي بكل مشاربه وأطيافه، “فهي -قبل كل شيء- لا تهدف إلى أي انفصام نفسي أو اجتماعي عن المجتمع وإلى الإسهام فيه، وتدعو إلى الأخوة الأبدية. ولا تتصرف في صدد العلاقات الاجتماعية بشكل انتقائي مثلما تتصرف الحركات الأيديولوجية، بل تخاطب كل الكتل الجماهيرية وتخاطب كل عائلة وكل فرد. ولا تسعى إلى تطوير أية حركات انعزالية في الشارع أو في السوق أو في النوادي أو الجمعيات…إلخ. وتعارض أي حركة اجتماعية انعزالية تصادم روح الحياة الاجتماعية”.(41).

وينطلق كولن من مبدأ أن الله أمرنا أن نغير أنفسنا لا أن نغير الآخرين، وأننا عندما نغير أنفسنا ونكون في مستوى الإسلام فإن سلوكياتنا ستكون أفضل دعوة إلى الإسلام، ولا بأس بعد ذلك أن نقوم بمهمة البلاغ بالحسنى دون إكراه كما أسلفنا.

لكنه في معرض حديثه عن بعض علل التدين عند أهل الكتاب، يحذر أشد الحذر من الوقوع فيما يمكن تسميته بالتطفيف والتفلت من معايير الموضوعية، إذ من الحرام أن يكيل المسلم بمكيالين، فيستوفي لنفسه ويأخذ من حق الآخرين، بل ما يرضاه لنفسه هو ما يرضاه للآخرين، والعكس صحيح.(42).

وما فتئ يدعو إلى نبذ الأنانية، والاعتراف بوجود الآخر، وطبيعة الاختلاف في التفكير -على المستوى الإسلامي- مع ملاحظة التفريق بين الثوابت والمتغيرات، والثوابت عنده هي “القواعد والأركان والأصول الأساسية”،(43) فهي وحدها التي ينبغي أن تكون محل اتفاق جميع المسلمين، أما غيرها فإن الاختلاف فيها سائغ ومشروع.

ومن خلال استقراء الباحث لمواضع وموضوعات الاختلاف بين مذاهب وتيارات المسلمين، وجد أن أهم سبب لذلك هو خلط كثيرين بين الثوابت والمتغيرات، وإحدى مساهمات فتح الله كولن في إقامة فقه الائتلاف، تأتي بسبب وعيه بخارطة الثوابت والمتغيرات، ولذلك يقول في هذا الشأن: “لما كانت الدعوة واحدة والحق بجانبها، والأهداف والمبادئ الأساسية واحدة، فإن الاختلاف في الوسائل والطرق يجب ألا يكون سببًا للخلاف والفرقة. ويجب أن يكون الوعي من الرسوخ والثبات بحيث لا يعطي مجالاً لهذا الخلاف. وإلا فإن ظهور بوادر الخلاف والفرقة بمعاذير واهية يعد مزاجًا صبيانيًّا ودليلاً على عدم وجود المروءة والاحساس بالحق والسعي من أجله. والحقيقة أن الطرق المؤدية إلى الله تعالى متعددة بتعدد الأنفس والأمزجة بشرط بقائها ضمن دائرة أهل السنة والجماعة. ويجب أن يُحترم كل طريق من هذه الطرق، وتؤيَّد كل خدمة مقدمة”.(44).

ومهما يكن النضوج الفكري، فإن الأمر بحاجة –أيضًا- إلى أخلاق، ولا سيما في هذا السياق، وأهمها التخلي عن الأنانية والتعصب والتحلي بالمرونة والتسامح، حتى يظل التعدد في دائرة “التكامل” لا “التآكل” وفي ساحة “التعاون” لا “التباين”.

“ويرى فتح الله كولن أن الإنسان الفاضل هو الإنسان المتسامح اللين الجانب. وهو الإنسان المضحي والمخلص في سبيل المجتمع والإنسانية.. لذا فلا يرى أي شرعية في استعمال أي نوع من أنواع العنف في هذا الصدد، وهذا الأسلوب يقدم نموذجًا إسلاميًّا متوافقًا مع القواعد الإسلامية من جهة، ومع قيم العالم الحديث من جهة أخرى”.(45).

وهكذا، أوجد كولن أساسًا آخر من أسس فقه الائتلاف، لأن الذي يعترف بالآخر، ويرى أن من حقه أن يفكر بما يريد وأن يقول ما يراه صوابًا، وأن يفعل ما يتفق مع قناعاته الفكرية، فإنه لا يمكن أن يدخل معه في صراع، لا على مستوى “الكلام” ولا على مستوى “الفعل”، وبهذا تقترب الأمة خطوة أخرى من “الائتلاف” بعيدًا عن “الاختلاف”.

5 الدوران حول المقاصد وتجفيف منابع الاختلاف الأخرى

الناظر في خلافات المسلمين الداخلية، يجد أن أحد أسبابها الخوض في التفاصيل والجزئيات، والدوران حول نصوص وقضايا جزئية، وإهمال المقاصد العامة التي جاء الإسلام من أجل تحقيقها، ولذا فإن كولن يجعل الدوران حول مقاصد الشريعة أساسًا من الأسس التي يقوم عليها فقه الائتلاف.

ويبدأ الأمر بقراءة أسباب الفرقة في تاريخنا الإسلامي، فيجد أن غياب الرؤية الكلية والتصور الشامل هو السبب الرئيسي، إذ يقول: “لقد غابت عن واقعنا منذ قرون منظومة فكرية ذاتية، وفلسفة حياة ذاتية، تعتمد على الحركيات الإسلامية التي تشكل جذور المعنى لثقافتنا “الملية” فتشتتنا شَذَر مَذَر، نحن وعالم كبير مرتبط بنا”.(46)

ولهذا فإنه يدعو إلى إيجاد هذه الرؤية الكلية المعاصرة بعيدًا عن الفلسفات الأجنبية، ويحث على تفعيل فقه مقاصد الشريعة الإسلامية في هذا السبيل.

ولما كانت المجتمعات الإسلامية ما يزال كثير من أفرادها يؤدون الشعائر التعبدية، فإنه يبدأ بلفت الأنظار إلى مقاصدها، داعيًا إلى إقامتها وليس إلى مجرد أدائها، ويطلق على المقاصد مصطلح “النوعية”، حيث يقول: “ينبغي أن تكون “الكمية” تامة و”النوعية” هدفًا في العبادات، والكلمات وسيلة والروح والصدق أساسًا في الدعوات، والسنة مرشدة في التصرفات، والشعور لازمًا. وفي كل هذه: الله غاية القصد.. الصلاة ليست قيامًا وقعودًا.. ولا الزكاة مالاً مطروحًا تبرئة لللذمة لا يعلم أين ذهابه.. ولئن صار الصيام جوعًا وعطشًا، فما اختلافه عن الحِمْية؟ والحج إن لم يجر في فَلَكه، فما اختلافه عن سياحة بين مدينة وأخرى تكسب بعضهم عملات أجنبية؟، والعبادات قد تصير كلعب الأطفال إن انحصرت في الكم.. وصيحات الأدعية الخاوية من الروح شغل الباحث عن عمل الحلوق، والحج والعمرة إن صارت مشقة تُحتمل للتسلي بلقب “الحاج” ومناقب الحج، فسوف نحرج في المعاني والمرامي”.(47).

ولما كانت البداية في كل خير تنطلق من العلم، فإنه يدعو إلى التعلم، بل ويجعل التخصص واجبًا، لكنه يحذر من الغرق في التفاصيل والجزئيات على حساب العموميات والكليات، حيث حث على “العناية بمعنى الكل ومحتواه وحاله، بل بمقصده وغايته، في أثناء سعيه وجده. ولا بد أن يتحقق هذا، سواء بالشعور التضامني المشترك، أو بسائق العلم والحس، أو بعمل منسق متكامل، أو بالدهاء العقلي. فلا شبهة ولا شك في حاجتنا الماسة إلى هذا النظر الكلي والشمولي، والتقييم العمومي والموضوعي”.(48).

ولهذا فإنه يشترط في المثقف والداعية وصاحب هم التغيير المسلم أمورًا عديدة في دائرة الوعي، ومنها أن يكون محترمًا للمقصد، خبيرًا بحكمة التشريع ومراد صاحب الشريعة، عالمـًا بالأسس المحضة لأحكام الدين، مستقبلاً للواردات الإلهية.(49)

وتبدو الرؤية الكلية واضحة عند كولن حتى وهو يدرس قضايا جزئية وموضوعات صغيرة، فعلى سبيل المثال وهو يشرح آيات سورة الكهف ذات الصلة بذي القرنين، حث على “البحث عن أحكام كلية”، مثل “شروط بقاء الدولة ودوامها وشروط رئيس الدولة..الخ”.(50).

ولا شك أن فقه المقاصد يُشعر الجميع بوحدة الهدف والغاية، ولذلك قال كولن: “من شروط تقدم الأمة وصول أفرادها إلى وحدة الهدف والغاية. فلا يمكن توقع تقدم صحيح وسليم في مجتمع انقسم أفراده شيعًا وطوائف متناحرة”.(51).

وحتى يخرج المسلمون من هذا المأزق في عصرنا هذا، رأى وجوب “تأييد ومساعدة كل من يخدم الإيمان وهذا الدين، ويعمل على إعلاء شأن الإسلام سواء أكان في المشرق أم في المغرب، ومهما كان مشربه. صحيح أن الطرق والمسالك قد لا تكون نفسها، ولكن المهم هو الغاية والهدف”.(52) وانطلق بعد ذلك يؤصل لهذا الاختلاف المشروع ويستدعي من أقوال وقصص السلف الصالح ما يؤيد مشروعية الاختلاف ما دام خارج إطار الثوابت.(53).

وما فتئ يلقي الضوء على التعدد عند السلف الصالح، وكيف كان تعدد تنوع لا تضاد، وعلى سبيل المثال يقول: “ففي سبيل الحصول على مرضاة الله تعالى كان هناك انسجام وتناغم بين الأفراد كالانسجام الموجود بين الأصوات في السمفونية، أي كان كل صوت متناغمًا ومتلائمًا مع الجو العام. كان ذلك موجودًا لأن كل فرد كان فردًا ناضجًا ويتبع الحق ويطير بجناح الشوق في أفق ما يراه مقدسًا، ويطمح في رؤية شعائره وهي تعظّم وتبجل، ولم يكن مهمًا عندهم من سيقوم بالأمر. وما دام الليل قد انقضى وأشرق الصباح فلم يكن مهمًا لدى أحدهم أأعطي له منصب سلطان أم درجة متسول”.(54).

ولهذا أوصى الدعاة قائلاً في هذا الشان: “ولا تجعلوا الخلاف في الفكر والخلاف في الفهم وسائل للفرقة وللعداء، بل عدوا هذا الخلاف مصدر غنى فكري”.(55).

ومثلما أسلفنا من قبل فإن الأخلاق تنضج الفكر والعلم أكثر، فالأخلاق السامية تدفع أصحابها إلى الدوران حول المقاصد السامية، وهي كما رأى كولن: “الدين والأمة والوطن والعرض”،(56) مما يجعل المؤمن الحق بعيدًا عن سفاسف الأمور مترفعًا عن صغائرها، شاغلاً لنفسه بمعالي الأمور، مهتمًّا بالقضايا الكبيرة، ومنطلقًا من رؤية كلية واحدة، لا تسمح له بالتمزق والتشظي والانفصام.

وعندما يدور الأفراد حول المقاصد ويتمحورون حولها، فإن هذا التمحور يشكل ما يشبه الجماعة حتى ولو لم يوجد تنظيم، وكما يبدو لي فإن هذا الأمر هو أعظم عوامل بروز أبناء الخدمة كأنهم جماعة شديدة التنظيم بصورة أقوى من بعض الجماعات المنظمة بالفعل، وهذا ما وعاه فتح الله كولن منذ وقت مبكر، ولذلك وصل تيار الخدمة إلى ما وصل إليه، وقد نقل عنه أحد تلاميذه قوله: “فكرة الجماعة مهمة؛ بمعنى أن يقوم كل فرد بتوظيف عواطفه وأفكاره الشخصية ومشاعره حول فكرة سامية ليتم تحقيق وحدة عقلية ومنطقية”. وفي موضع آخر يقول: “الجماعة هي الوعاء المعنوي الذي تذوب فيه أنانيات الأفراد ونوازعهم النفعية. والحقيقة أن كل شكل من أشكال الأنانية، والتهالك على المصالح والمنافع الشخصية أمر لا أخلاقي”.(58).

ولأهمية المقاصد في قيام الجماعات أو سقوطها، فإن الهدف واضح بالنسبة لتيار الخدمة، ولذلك فإن الشخصية المعنوية لهذه الجماعة تتمحور حول “إعلاء كلمة الله” إذ أن جميع مناشط الجماعة وفعالياتها وقيمها وأهدافها تتوجه نحو هذه الغاية العظمى.(59).

ولوضوح هذه الرؤية، ورغبة في تعظيم الحس الجمعي للأمة، فإن فتح الله كولن قد رفض تأسيس أي حركة سياسية أو أيديولوجية دينية.(60).

ومن منابع الفرقة الحرص الزائد على الوحدة، ومحاولة قولبة الكيانات الإسلامية، فإن هذا مدعاة لزيادة التشرذم وتعاظم الفرقة، ولهذا أوصى كولن الداعية المسلم بقوله: “لا تتصرف أبدًا كحواري الوحدة، ولا تقل لكل من تقابله: “تعال لنتحد”، لأنها دعوة ليست في محلها. أما عندما تقول هذا بأسلوب من يدعو الآخرين للانضمام إلى مجموعته فهو خطأ أكبر وعدم توقير، ذلك لأن مثل هذا الأسلوب لا ينتج عنه -حتى عن أكثر الناس جنوحًا للخيال- سوى زيادة التعصب لجماعته، بل قم بالثناء على خدماتهم، واحترم ووقر مرشديهم، وبهذا يلين حتى أكثرهم خشونة”.(61).

وفي مقام آخر يقول: “إن لم نستطع الاتفاق فعلى الأقل لنتجنب الوقوع في الخلاف، أو دعونا لا نضخم خلافاتنا”(62) ومن المعلوم أن الاتحاد غير الاتفاق.

ورغم أن أسباب الفرقة والاختلاف ذات منشأ داخلي، بسبب الخلل الفكري أو العلل النفسية أو كليهما، إلا أن العدو الخارجي يلعب دورًا في هذا الموضوع، ولهذا أوصى كولن المسلمين والجماعات الإسلامية بالحذر من ذلك، حيث قال: “إن القوى الخارجية كثيرًا ما تمد يدها إلى المفاهيم المذهبية أو إلى المدارس التصوفية أو إلى نبش المسائل العنصرية والعرقية، لذا يجب الانتباه والحذر”.(63).

وقد ينجح العدو الخارجي في استزراع أو إحياء الخلافات العرقية أو الطائفية أو المذهبية بين المسلمين رغم سلامة المقصد ونضج الفكر، وذلك عندما تغيب الوسائل التي تجسد هذه الأفكار في الواقع، وهي موضوع القسم الثاني من هذا البحث.

المراجع

(1) أضواء قرآنية في سماء الوجدان: ص:322.

(2) انظر مثلاً: الموازين أو أضواء على الطريق: ص:98، 141، 216.

(3) نفس المرجع: ص:14.

(4) أضواء قرآنية: ص:125.

(5) نفسه: ص:130.

(6) نفسه: ص:266.

(7) الموازين: ص:27.

(8) أضواء قرآنية: ص:222.

(9) انظر: التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح: ص:65.

(10) نفسه: ص:114.

(11) الموازين: ص:198.

(12) ترانيم روح وأشجان قلب: ص:14.

(13) انظر مثلاً: الموازين: 71، 80، 99، 100، 115، 126 ، 128، 158، 169، 178، 195، 198، 204، 219. أضواء: ص:61، 94، 136.

(14) الموازين: ص:219.

(15) نفسه: ص:184.

(16) ونحن نقيم صرح الروح: ص:38.

(17) نفس المرجع: ص:120.

(18) انظر مثلاً: المرجع السابق: ص:120 – 125.

(19) انظر مثلاً: أسئلة العصر المحيرة: ص:289 – 291.

(20) انظر: ونحن نقيم صرح الروح: ص:108.

(21) انظر مثلاً: أسئلة العصر: ص:140- 144.

(22) نفس المرجع: ص:194 – 199.

(23) انظر: أسئلة العصر: ص:255 – 258.

(24) نقل هذه العبارات:محمد أنس أركنة في دراسته القيمة: فتح الله كولن؛ جذوره الفكرية واستشرافاته الحضارية: ص:252.

(25) نفس المرجع: ص:253.

(26) انظر: أضواء قرآنية: ص:152.

(27) الموازين: ص:80.

(28) نفسه: ص:81.

(29) نفسه: ص:95.

(30) راجع وظائف الجهاد: ص:43 – 62.

(31) انظر: أسئلة العصر: ص:241.

(32) أضواء قرآنية: ص:233.

(33) أنظر: محمد أنس أركنة: فتح الله كولن: ص:316، 317.

(34) الموازين: ص:53.

(35) نفسه: ص:117.

(36) هو: محمد أنس أركنة: فتح الله كولن: ص:35.

(37) انظر: المرجع السابق ص:97، 98.

(38) الموازين: ص:138.

(39) طرق الإرشاد: ص:92.

(40) أضواء قرآنية: ص:61- 63.

(41) محمد أنس أركنة: فتح الله كولن: ص:111.

(42) انظر: أضواء قرآنية: ص:143، 144.

(43) الموازين: ص:82.

(44) نفسه: ص:88.

(45) أركنة: فتح الله كولن: ص:231.

(46) ونحن نقيم صرح الروح: ص:143.

(47) نفس المرجع: ص:30.

(48) نفسه: ص:22.

(49) نفسه.

(50) أضواء قرآنية: ص:235.

(51) الموازين: ص:115.

(52) أسئلة العصر المحيرة: ص:145.

(53) انظر: المرجع نفسه: ص:145 – 150.

(54) الموازين: ص:90.

(55) نفس المرجع: ص:93.

(56) نفسه: ص:112.

(57) هو: محمد أنس أركنة: فتح الله كولن: ص:314.

(58) نفسه.

(59) نفس المرجع: ص:328.

(60) انظر: المرجع السابق: ص:46.

(61) الموازين: ص:93.

(62) نفس المرجع: ص:259.

(63) نفسه: ص:84.