سقراط بالنسبة للحكمة والفلسفة بمثابة الأب الروحي لتاريخها، وذلك حتى وإن تفلسف من سبقه؛ فهو من قام بتحويل وجهة الفلسفة إلى بحث شروط حياة جيّدة أخلاقيًّا وسياسيَّا. حقّق للفلسفة ولادتها واعتبر مؤسّسها. اتُهم بعدم الإيمان بآلهة مدينة أثينا وإدخال آلهة جديدة وإفساد الشباب، وحكم عليه بالإعدام. قدّمه المؤلف الهزلي أريسطوفان صورة سلبية عنه في مسرحيته السحب (في عام 423 قبل الميلاد)، فاعتبره مفسد الشباب، وكان للصورة التي رسمها عنه خصومه تأثير مدّمر عليه.

لكن، صورة تلميذه أفلاطون بقيت أكثر إشراقًا وإيجابية، فقد صوّره كأحسن حكيم في أثينا كما تنبأت عرّافة معبد “دلفي” بذلك. اعترف سقراط أنّه مدين بهذا الشرف لاعترافه الدائم بجهله المعرفي. مسلحًا بهذه الحكمة بالذات، شرع سقراط في دحض الآراء الكاذبة التي يروّج لها أدعياء المعرفة (السوفسطائيون). كان اتساق مواقف سقراط مؤشّرا على معرفته الجيّدة عكس خصومه، لكن تظاهره بالجهل وإعلان رغبته في التعلّم شكّل لغزا لمحاوريه. لكن، كيف يمكن اتخاذ طريقته هذه تمرينا في الفلسفة؟

لم يكن يفصل سقراط بين نمط عيشه وفكره الفلسفي، بل كانت عنده الفلسفة مرتبطة باليومي أشدّ الارتباط.. كان التفلسف لديه تمرينا روحيًّا ينطوي على مخاطرة مادام ليس سهلاً دائمًا التكهن بردود المتحاور. اعتبار المعرفة فضيلة والجهل رذيلة مسألة أساسية في طريقة المحاورة لديه، إذ لا أحد يفعل الشر عمدا، بل لسيادة موقف الجهل الذي ينبغي طرده من النفس. فضدا عن الرأي الغالب، دافع سقراط عن فكرة أن “الناس لا يختارون الشر لأنفسهم، ولا يفعلون دائمًا ما يودون فعله وفقا للفضيلة إلا إذا تواضعوا واعترفوا، مثله، بجهلهم المسبق. فضيلة التواضع هذه هي بداية التفلسف، بعدها يلزم نهج سبيل الفضيلة الذي هو العلم والمعرفة.

كرّس سقراط حياته لهذا المبدأ، فجعل فكره اعترافًا صريحًا بكيفية عيشه للحياة. حقّا يبدو في هذه المسألة وسيطا بين المعيار المثالي والواقع الإنساني. إنّه الشخص الذي كانت فكرة الاعتدال تثيره، أي فكرة الوسط والتوازن. في حالة سقراط هذه، يتوقع المرء أن يرى الشخصية المنسجمة والمعتدلة، عن طريق الاحتفاظ بالفروق الدقيقة بين السمات الإلهية والصفات البشرية. شخصية سقراط كانت محيّرة وغامضة ومقلقة. لهذا كان له التأثير الكبير في التقاليد الغربية. هذا ما أدركه كلّ من: مونطين، كيركجارد، نيتشه، بيير آدو، إلخ. الانفصال عن السلطة والثروة، التحكّم في العواطف والتركيز على التأمّل وممارسته، ورعاية الذات وترويض الجسد والغرائز، إلخ؛ كلها تمارين فلسفية روحية قام سقراط بترسيخها في بنية الفكر الفلسفي.

ربط الفلسفة بالحياة جعل رسالة الأمل في الفلسفة السقراطية تكشف بأنّ لدينا القدرة على شفاء أنفسنا. يمكننا أن نشكك في أفكارنا ونقرّر تغييرها متى امتلكنا القدرة على التفلسف، وهذا الأمر كذلك هو سيغير مشاعرنا. لسنا بحاجة إلى كاهن أو محلل نفسي أو طبيب نفسي ليعدنا بالفداء أو الشفاء، وإنّما فقط إلى تفلسف حقيقي. “كل واحد منا أكثر ثراء مما يعتقد: لكننا مدربون على الاقتراض والتسول…”، يكتب Montaigne، يعلمنا سقراط كيف نفكّر، وكيف نعثر على السلام الداخلي فينا، إنّه بهذا المعنى قد أنزل الفلسفة من السماء إلى العالم، من التفكير في الكوسموس إلى التفكير في النفس. كان هذا مضمون شعاره “اعرف نفسك بنفسك”.

يبدو سقراط كما لو كان طبيبًا لتلاميذه، يداوي نفوسهم بنور العقل، جاعلاً الحقيقة هدف محاوراته. البحث عن الفضيلة عبر المعرفة مهما كان الثمن، العيش بالفلسفة يعني حياة صافية، معتدلة، حذرة وواعية وخالية من الغرائز. لقد جعل الفلسفة نهجًا لتحسين الحياة عبر تدريب العقل على كيفية الوصول إلى الحكمة. كانت فلسفته نظاما يهدف إلى مساعدة الإنسان على عيش الحياة بشكل أفضل. وهذه الحكمة هي ما سوف تطوره المدارس الفلسفية الثلاث الكبرى في العصور القديمة (الأبيقورية، الرواقية، الكلبية)، لتجعل من الفلسفة تمارين وأساليب عيش لأجل تحقيق حياة أفضل.

جعل رواد هذه المدارس الأخلاقية ممارسة الفلسفة تمرينا روحيا لخلق الوئام بين الفكر والجسد، بحيث يسمح للإنسان أن يعيش بسلام مع ذاته، رغم إدراكه بأن الحياة قصيرة وأنّ زمنها غير مؤكد. كان سقراط رجل الشارع الذي يحاور الجميع بدون تمييز، حيث يجوب الساحات العمومية وأسواق أثينا لمحاورة الحرفيين والشعراء والبلغاء الرياضة، كان يناقش الجميع دون أن يدّعي قط امتلاك الحقيقة، وإنّما يتساءل فحسب، حتى يدفع المحاورين إلى مساءلة ذواتهم، بالتالي إعادة النظر في قناعاتهم وأفكارهم المزعومة. ولهذا، يعتبر ما أفاد به الفلسفة في غاية الأهمية بالنسبة لتعليم الفلسفة انطلاقا من تناول الحياة الفعلية للمتعلّمين.

إنّ كون هذا الفيلسوف أوّل من تفلسف في أمور الحياة العادية (الصداقة، الحب، الشجاعة، العدالة، إلخ) يجعل من نموذجه الحواري إطارا بيداغوجيا لتعليم التفلسف انطلاقًا من ربط الفكر بالحياة الفعلية. فلذلك، ليست الفلسفة مجرّد ترف، كما يمكن أن يقال تجنّيا، وإنّما أساسية لربط الحياة اليومية للفرد بالفضائل العقلية والحكم الأخلاقية، ومن هنا تكون ضرورية للمتعلّم لا في دراسته فقط، وإنما في حياته كلّها؛ وهذا ما سوف يتضّح فيما بعد لدى نتشيه الرافض للعقلانية السقراطية.

عاد نتشيه في هذه المسألة إلى سقراط الذي جعل الحياة لا تساوي شيئا بقول المأثور «الحياة ليست سوى مرض طويل». ولقد رفض هذا الحكم، متهما الفيلسوف اليوناني بأنّه عليل الصحّة لا يحقّ له إصدار الحكم على الحياة لأنّه متعب ومريض، يعاني تشوّها فسيولوجيا يجبره على اتخاذ موقف سلبي تجاه الحياة. كان نتشيه يقول: «قد يسألني سائل لم الكلام عن هذه الأشياء الصغيرة والتافهة حسب الأحكام المعروفة، وسيقال لي أنّني لا أفعل بهذا سوى الإساءة لنفسي، خاصّة وأنّني مؤهّل حسب رأيهم للانخراط في مهمات كبرى. وجوابي هو: إنّ هذه الأشياء الصغيرة من غذاء وأمكنة واستجمام، أي مجمل دقائق الولع بالذات، لهي في كلّ الأحوال أهم من كلّ ما ظلّ إلى حدّ الآن يؤخذ على أنّه مهم. من هنا ينبغي إعادة المنهج».

هكذا كان نتشيه يرى في حالة سقراط نوعا من التفكير في تخفيض قيمة الحياة رغم الاهتمام الظاهر بالحياة في محاوراته، إذ تبين له أنّ سقراط له جانبان متناقضان: واحد ظاهري يعلن فيه اهتمامه بالحياة، وآخر خفي وأعمق نجده فيه يحتقر الحياة ويمجّد العقل. نموذج يهتم بالأشياء البعيدة: كالنفس وما بعد الموت، إلخ.

خلافًا للفيلسوف العقلاني الأخلاقي الذي جسّده سقراط، اقترح نتشيه قلب المعادلة وتغيير المنظور الذي ظلت الفلسفة التقليدية ترهننا داخله؛ فبدلاً من الحديث عن المثل والماهيات، أصبح التفلسف متعلقًا بكل لحظة من اللحظات الحميمة التي تهم الإنسان في كينونته وحياته الفعلية. ولعلّ هذا التأهيل الجديد للحياة هو ما يمثّل قلبا جذريا للميتافيزيقا التي وطّن لها الفلاسفة في تاريخ الفلسفة. إنه نقد للفلسفات التي لم تنصت للحياة، وللفلاسفة العقلانيين الذي أنكروا الحياة واستبدلوها بالعوالم الذهنية.