تتعدد على الساحة العربية المؤسسات التي تساهم في صياغة الإنسان، أو إعادة صياغته في المراحل المختلفة من حياته، من لحظة ميلاده إلى لحظة خفوت نشاطه الاجتماعي أو انتهائه، لكن تظل تلك المؤسسات تعمل كجزر منعزلة، أو كأنها تعيد اختراع العجلة ما لم تتكامل الخبرات، وتتراكم المعارف، وتتحدد المسارات، وحتى نعرف جميعًا الإجابة على السؤال الأكبر: أي إنسان نريد؟ وفي هذا المقال نحاول أن نضع خارطة طريق لحياة الإنسان وجهود صياغته على الطاولة حتى نعيد النظر والتأمل فيها.

البصمة الشخصية

حينما يبدأ الإنسان حياته على الأرض، لا يبدأ تلك الحياة “صفحة بيضاء” كما يقول البعض، وإنما يبدأ صفحة زودت ببرنامج تشغيل تمتزج فيه استعدادات “الفطرة” التي فطر الله الناس عليها، واستعدادات الوراثة القادمة مع الجينات.
وبينما تمر الساعات والأيام، يحدث التفاعل رويدًا رويدًا بين مركب الفطرة أي الوراثة لدى الطفل من جهة، ومركب ثقافة أي سلوكيات الأهل من جهة ثانية (البيئة الاجتماعية أي الثقافية للطفل) والتي يختلط فيها بدوره المكونُ الشخصي للآباء والأمهات، وهو مكون أشبه ببصمة الإصبع لدى كل إنسان، والتي تتفق عناصرها ويختلف منتجها النهائي، وهو مكون يحمل ما يحمل من إيجابيات وسلبيات، كما يختلط فيها المكون الثقافي أي الاجتماعي التراكمي للمحيط من أعراف وعادات وتقاليد للمجتمع خارجة عن عناصر منظومة؛ الطفل والأب والأم، تتبادل معها التأثير والتأثر.
ورويدًا رويدًا ينمو الطفل فيصير صبيًّا فمراهقًا فشابًّا يأخذ من محيطه ويدع، يتأثر وربما يؤثر، فتتكون فيه شيئًا فشيئًا ملامح بصمة شخصية خاصة بأفكارها وتصوراتها وأخلاقها وسلوكها ونفسيتها.
ولا يلبث ذلك الشباب أن يدخل معترك الحياة دراسة وعملا وزواجًا وتفاعلا ثقافيًّا واجتماعيًّا مع محيطه، وحينما يرتبط بإنسانة أخرى جاءت ببصمة أخرى، يبدءان معًا في إعادة إنتاج العملية البيولوجية والاجتماعية والثقافية.
هذا هو المسار الذي يسير فيه الإنسان حيًّا متفاعلا وديناميكيًّا، وليس مسارًا إستاتيكيًّا يقطعه كحجر ألقي في الفراغ، وخلال هذا المسار يختار أو لا يختار في بدايات حياته، وإنما ينشأ على أن يدور في مدار أو مدارات من اهتماماته أو من محيطه الأسري أو الاجتماعي الأوسع، فيدور في فلك نفسه أو أسرته أو أصدقائه أو مجتمعه، وفي النهاية خط مساره وخطوط مداراته إلى منتهى في الحياة الدنيا بلحظة الوفاة، وقد يكون الناتج النهائي لذلك المسار وتلك المدارات طيبًا ونافعًا وصالحًا ومصلحًا أو غير ذلك.

الدائرة الأوسع

وخلال مسار الإنسان والذي يبدؤه كقطعة من الصلصال ذات تركيب وخصائص واستعدادات كما قلنا، ويبدأ أول ما يبدأ الأهل في تشكيل تلك القطعة وإنمائها، وذلك من وحي ما لديهم من أفكار وتصورات وأخلاق وسلوكيات، وما لديهم من مهارات اكتسبوها بالتعلم من البيئة والتعلم، أو خلال الدراسة أو غيرها، وهو ما نسميه بالتربية، وقد تقتصر تلك العملية على الأب والأم في الأسرة النووية، وقد يشترك فيها الأهل من الأسرة الممتدة وأحيانًا الجيران.
وفي مرحلة تالية عندما يكبر الطفل بما يسمح له بالاختلاط مع المحيط الاجتماعي، يتصاعد تدخل الأصدقاء ورفقاء الحي والمعلمين والقادة الدينيين أو الاجتماعيين، مع تداخل مؤثرات خارجية من ثقافة وإعلام، كل ذلك يساهم في تشكيل عقل ووجدان ذلك الإنسان.
كما تساهم في تلك المراحل التالية كل من العملية التعليمية والتدريب المنظم وغير المنظم (إن وجد)، إضافة للظروف الطبيعية والاقتصادية والسياسية، أو ما يكون مجمل عناصر البيئة بما فيه من خير وشر أو ظروف مناوئة أو مساعدة في تشكيل الإنسان.
وفي حياتنا العربية، وعلى الرغم من كليات التربية، وأقسام علم النفس، وعلوم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، وعلوم الإدارة وغيرها، والتي تُخرج الآلاف من الخريجين والمئات من الدراسات والبحوث التي تشرح الواقع النفسي والاجتماعي والتربوي للإنسان العربي، فإنه لا زال “الإنسان” محور تلك الدراسات، أو ما يمكن أن نسميه بالمنتج النهائي لعمليات صناعة وصياغة الإنسان. لا زال ذلك المنتج لا يتمتع بالسمات المطلوبة التي نرجوها ونرجو منها أن تساهم في تحقيق الإصلاح والنهضة.

سمات الإنسان المنشود

ولعل سبب تلك الحالة التي نحن فيها، هو تفكك أوصال أجزاء عمليات الصياغة والتنشئة، وعدم وجود إستراتيجية عامة متفق عليها لتلك الصياغة تبنى من النهاية للبداية، وتنفذ من البداية للنهاية، ونحن نحاول هنا، أن نضع سمات عامة للإنسان المنشود (نهاية العملية) حتى نستطيع أن نحدد شكل التدخلات التربوية والتعليمية والتدريبية وتوجهاتها، ونصوغ البرامج والمناهج التي تناسبها. ويمكننا أن نقسم تلك السمات إلى مجموعات..
مجموعة السمات الفطرية: وهي التي تتجاوب مع فطرة الإنسان، وتشمل..
• الوجدان الحر: حيث إن أصل خلقة الإنسان باعتباره كائنًا مكلفًا ومسؤولا، أن يكون حر الإرادة، حر الاختيار وهو نقيض وجدان العبد أو المستعبد للخوف الداخلي، أو المستعبد للرغبات والأهواء والشهوات، أو المستعبد لغيره من بني الإنسان، حتى ولو كان ذلك الغير هو الأب أو الأم. فالإنسان الحر، هو الإنسان القادر على حمل أمانة التكليف، سواء أكان ذلك التكليف دينيًّا أم اجتماعيًّا. والوجدان الحر، هو الوجدان المؤمن بالله، لأن الإيمان بالله يعني العبودية له -كقوة غيبية غير قاهرة للإنسان قهرًا ماديًّا في اختياراته- في مقابل التحرر من العبودية لما سواه، وهو مقتضى قول القائل: “لا إله إلا الله”.
• العقل المميز: وهي السمة الثانية للإنسان من حيث كونه إنسانًا يمتلك القدرة على التفكير المنطقي السليم، ومن ثم قادرًا على القراءة الصحيحة للكون والحياة والإنسان، وقادرًا من ثم على التفكير والتفكر والتدبر المؤدي إلى النتائج المنطقية. والحفاظ على ذلك العقل المميز يرتبط بالتربية من حيث كونها تربية لا تتضمن بث الأساطير والخرافات المذهبة للعقل والمضيعة من ثم لحرية الوجدان، كما يرتبط بسلوك الإنسان الذي يربى على الحفاظ دائمًا على عقله من أن تغشاه غاشيات الغيبة أو التغييب بمخدر أو مسكر، سواء أكان ذلك المخدر أي المسكر المذهب للعقل ماديًّا أو معنويًّا، وينتهي العقل المميز بالإنسان إلى اكتساب الحكمة.

مجموعة السمات النفسية والاجتماعية

• النفس السوية: وهي النفس الخالية من التشوهات الناتجة عن عوامل طبيعية أو اجتماعية تربوية، وهي من ثم النفس القادرة على قيادة الإنسان بقوة إلى أداء وظائفه الاجتماعية في جميع أدوار حياته بكفاءة وفاعلية.
• الأخلاق المتينة: وتنقسم بدورها إلى قسمين كبيرين: الأخلاق الإنسانية العامة: من أمانة وصدق وشجاعة وعدل… إلخ. وأخلاق النهضة: كالنظام والنظافة واحترام قيمة الوقت والعمل والتحلي بخلق الشورى والاستشارة… إلخ.
• السلوكيات والمهارات الاجتماعية المثمرة: وتشمل قدرة الإنسان على التواصل الاجتماعي المتزن والتحلي بسمات الإنسان المعمر: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾(هود:61)، وما يقتضيه ذلك من علوم ومعارف تكسب الإنسان القدرة على التفاعل الإيجابي مع محيطه الطبيعي والاجتماعي، والتحلي بسمات الإنسان المصلح: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾(هود:117)… الإنسان الذي يغرس الفسيلة، ويمنع خرق السفينة، الإنسان الذي يسعى للحفاظ على التماسك الاجتماعي وتفعيله واستثماره في النهضة والعمران والإصلاح.

ما بين الواقع والمنشود

إذا كان كل ما سبق هو خطوط عريضة للسمات الإنسانية المنشودة تمثل الأمل المنشود، أو الرؤية التي نضعها لعمليات صياغة الإنسان، فإن ما بينها وما بين واقع الإنسان عامة والإنسان العربي خاصة، بون يتسع ويضيق هنا أو هناك، فكيف نقرب الفجوة ما بين دائرة الواقع ودائرة المنشود؟
• تكثيف دراسات وبحوث الواقع الحي الديناميكي الذي نعيشه، بتكثيف الدراسات النفسية والاجتماعية والتربوية.
• ضرورة أن تنعكس نتائج تلك الدراسات على الواقع ذاته في شكل برامج وقائية لإعداد وتأهيل الآباء والأمهات والمربين، والمعلمين والأخصائيين الاجتماعيين، وتأهيل أزواج المستقبل وغيرهم، وتدريب المدربين في تلك المجالات حتى ينتشروا في الأرض ليقوموا بتغطية جغرافيا الوطن، وبرامج للعلاج والتدريب والاستشارات النفسية والاجتماعية تتسع لتغطي جغرافيا الموضوعات -مشكلات أو احتياجات- والمراحل السنية المختلفة للإنسان من الأطفال إلى المسنين مرورًا بالمراهقين.
• ضرورة أن تكون قبلة كل تلك الجهود هي سمات الإنسان المنشود، جذبًا للإنسان من واقعه المتردي المليء بالمشكلات والاحتياجات النفسية والاجتماعية والتربوية.
كما أن الحياة هي دائرة لا تنتهي من الإنتاج وإعادة الإنتاج، فكذلك ينبغي أن تكون عمليات المقاربة تلك بين واقع الإنسان والإنسان المنشود، عملية دائمة ودائبة وديناميكية بالقدر الذي يتناسب مع التغير الدائم للزمان والمكان والأحوال والظروف والملابسات، دواليك ما بين دراسة وعمل وتقييم واستجلاء لردود الأفعال فإعادة للدراسة وإعادة لتصميم لبرامج العمل وهكذا.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.