البكتيريا.. تلك الكائنات المجهرية الدقيقة التي تعرّف عليها الإنسان حديثًا كمسبب للأمراض وذات السمعة السيئة في هذا المجال. ربما لم يخطر على بال الكثير منّا أنها ليست جميعًا بهذه العداوة وهذا الإضرار، وأن بعضًا منها ربما يكون ذا نفع جليل في الوقاية من عديد من الأمراض، بل وفي رفع مناعة أجسادنا بصفة عامة، حتى إنه ليشكل صديقًا وحليفًا في معركة الإنسان والمرض.

في داخل أجسادنا

يمكن تعداد أكثر من 500 إلى 1000 نوع من البكتيريا المتعايشة في أمعائنا، ومثل هذا الرقم تقريبًا على أسطح جلودنا بالإضافة إلى ما يقطن منها بالعين والفم والأنف والمهبل.. وقد أمكن التعرف على العديد من أنواعها بواسطة التقنيات الوراثية الحديثة المعتمدة على الحمض النووي (DNA)، لكن الكثير من هذه الأنواع لم يمكن بعد استزراعه في المعمل لدراسة خصائصه على نحو بيّن، ولا زال الكثير من الغموض يكتنف سلوكها وفوائدها.

في أمعائنا

البكتيريا مصنع هائل وعضو طي النسيان. بينما يحتوي الجسد البشري على نحو 10 تريليون خلية بشرية، فإن أمعاءنا تحوي من البكتيريا المتعايشة نحو 10 أمثال هذا العدد (1014) موزعة على أكثر من 500 نوع. ويمثل النشاط التحويلي الغذائي (الأيضي) لهذه الجمهرية البكتيرية فعل مصنع هائل أو ما يعادل “عضوًا منسيًّا” من الجسم. وتشكل أجناس البكتيريا المسماة بـ”الباكتيرويد” أكبر نسبة من أنواع البكتيريا المعوية، إضافة إلى “الإيشيريشيا وبعض الكوليستيريديا والعصيات اللبنية” وغيرها.

الأُمّ: الينبوع الأول

يخرج الوليد من بطن أمه معقم الأمعاء، خاليًا من البكتيريا التي سرعان ما يكتسبها من جسد الأم، ويكون هذا الاكتساب أكثر سرعة واستقرارًا في حال الولادة الطبيعية عنه في حال الولادة بالجراحة القيصرية، حيث يكون الوليد في الحالة الأولى في تعرض مباشر للبكتيريا المتواجدة طبيعيًّا في مهبل الأم، وعقب الولادة توالي الأم هذا “الدعم البكتيري ” لطفلها عن طريق النقل المباشر أثناء الإرضاع والاحتضان والتواصل، وتشكل أنواع السبحيات الكرية والإيشريشيا الرواد الأوائل المستوطنة للوليد، ويقوم هؤلاء الرواد بعمليات اختزال كيميائية تمهد المكان لاستيطان الأجيال التالية من الأنواع اللاّهوائية كـ”البيفيدوباكتيريا”.. ومع تقدم المولود في العمر وتوالي اعتماده على أطعمة خارجية غير لبن الأم، تتحول البكتيريا مستوطنة الأمعاء تدريجيًّا إلى النمط البكتيري لأمعاء الإنسان البالغ.

المعمل الكيميائي

يعتبر المعمل البكيتري الداخلي ذا أهمية كبرى في الإفادة من مواد الطعام الكربوهيدراتية، حيث إن كثيرًا من هذه البكتيريا يفرز الخمائر (الإنزيمات) المساعدة على تحليل السكريات العديدة في ما يسمى بـ”التخمير السكري”، والذي يؤدي إلى تكوين الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة كحمض “الخليك” اللاّزم للعضلات، و”البروبيونيك” المساعد لعمل الكبد في إطلاق مركبات الطاقة ثلاثية الفوسفور، و”البيوتريك” الذي يساعد في إمداد خلايا الأمعاء ذاتها بالطاقة، كذلك تساعد هذه الأحماض على نمو الخلايا الطلائية والأنسجة الليمفاوية للأمعاء. ومن ناحية أخرى فإن للبكتيريا المعوية دورًا بالغ الأهمية في امتصاص فيتامين “ك” من جدار الأمعاء والذي يمثل أهمية خاصة للآليات تخثر الدم ومنع النزف. وأخيرًا وليس آخرًا ما لهذه الميكروبات الحميدة من الأثر “المانع الحائل” في إحباط نمو الأنواع الممرضة من الميكروبات الأخرى في الأمعاء مثل أنواع الخمائر وجراثيم الكوليستيريديا، وذلك لما تتمتع به البكتيريا المعوية النافعة من تكيف أكثر مع موطنها من حيث القدرة على التشبث بجدار الأمعاء، والإفادة من الغذاء المحيط في تلك البيئة (أهل مكة أدرى بشعابها)، وهذا الأثر يتضح جليًّا عند إحباط هذه الميكروبات الحميدة بواسطة تناول المضادات الحيوية، مما يؤدي إلى إزدياد تكاثر ونمو الجراثيم الممرضة دون كابح، مسببة الأمراض المعوية بما فيها الإسهال والتسمم.

رفع كفاءة جهاز المناعة

تلاحم البكتيريا المعوية النافعة مع الأنسجة الليمفاوية بجدار الأمعاء، يحفز هذه الأنسجة على العمل ويبقيها على أهبة الاستعداد لمقاومة الجراثيم المرضية، وتبدأ هذه العملية من البدايات الأولى لتكوين البكتيريا المعوية في حديثي الولادة، ومن طريف الأمر أن هذه البكتيريا تقوم بدور “ملطف” يجعل من رد فعل الجهاز المناعي على الاقتحام الجرثومي المرضي، ردًّا وسطيًّا بعيدًا عن أن يحدث فعلاً عينفًا أو إصابة شديدة بأنسجة الجسم أثناء المواجهة.

ضبط الوزن

قد يؤدي حدوث اختلال في التكوين البكتيري الداخلي إلى حدوث سمنة أو زيادة في الوزن حين تتكاثر بكتيريا “فيرمي كيوتيس” على حساب أنواع الـ “باكتيرويدس”، وعلى العكس إن تصحيح هذا الخلل يكون في العادة مصحوبًا بالعودة إلى الوزن الطبيعي.

حارس البوابة عصيات “دودرلاين” المهبلية

اكتشف العالم الألماني “دودر لاين” 1892 نوعًا من الجراثيم العصوية بالمهبل -التي سميت فيما بعد باسمه- يقوم بتحويل النشا الحيواني (الجلايكوجين) الموجود بخلايا جدار المهبل إلى سكر اللبن، مما أعطى هذه البكتيريا الاسم التالي لها “العصيات اللبنية”. ويترتب على هذا التفاعل، تحول الوسط المهبلي إلى وسط شديد الحموضة غير قابل لنمو الجراثيم الممرضة، مع إطلاق فوق أكسيد الهيدروجين بما له أيضًا من خصائص مضادة لهذه الجراثيم المرضية. ومن عجب أن تركيز هذا التفاعل الكيميائي الدفاعي وتكاثر عدد العصيات اللبنية، يكونان في أدنى مستوياتهما أثناء فترة الحيض، مما يجعل المهبل أنذاك أكثر ما يكون ضعفًا أمام أي اجتياح جرثومي خارجي، ويكونان في أعلى مستوياتهما أثناء قمة النشاط الهرموني الأنثوي وفترة الإباضة منتصف الدورة الشهرية، في آلية عجيبة تحفظ للجهاز الإنجابي أعلى درجات التعقيم والحماية أثناء فترة الخصوبة والاستعداد للحمل.

الإفادة العلاجية والصيدلية الحيوية

أمكن للإنسان استخدام هذه البكتيريا النافعة فيما يسمى بالمحفزات الحيوية (Probiotics) وخاصة “العصيات اللبنية”، التي تستخدم كعلاج حيوي لإعادة التوازن إلى بكتيريا الأمعاء أو إلى المهبل في حالات عديدة من الالتهابات المعوية والمهبلية.
(*) أستاذ أمراض النساء والتوليد، كلية الطب، جامعة سوهاج / مصر.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.