يا شوق العاشقين ترفق بي، كبدي أمست من الحنين أشلاء متناثرة على رُبى دمعي الحزين، وخافقي باسمه ما يزال يهتف؛آه بلهفة من أهلكه الشوق وأضناه الجوى يهتف ويهتف: يا رب ارزقني نظرة في وجه حبيبي، فمن رآه فقد رآه.

وأفتح المصحف فأقرأ من جديد (مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله)(الفتح:29). آه.. ويمتد الوجع، وتكبر الآهات الكاوية لتصير على خلجان قلبي أمواجًا عاتية. وأهيم، أهيم في بساتين عشقي اليانعة وبين جنبات حقول وجدي الخضراء، أنثر أزاهير شوقي، وما جمعته من أسرار الأنوار المحمدية في الطريق، فتجثوا البلابل على كتفي منشدة “محمد رسول الله”.. آه يا رسول الله ما أكرم من بعثك، آه ما أكرمه، آه ما أجوده.. نحن أحبابك الذين أتوا من بعدك وصدقناك، أحببناك حد البكاء.. هِمْنا على وجوهنا بحثًا عنك، فهل يا رسول الله للأحبة من لقاء معك؟ كل خطوة نخطوها أنت فيها الهدف، فهكذا خطى الأحباب تسير، علّها تقتفي الأثر العظيم، أثرَك يا خير الخلق كلهم.

يا من هز أساريرنا بأسرار الوجود، دموعنا أعياها البكا والانتظار، وأكبادنا تكاد تحترق.. أتُراك حجبت عنا بأسرار أنوار خلقك الكريم أم بظلمات غفلتنا؟ نناشدك البارئ خالقَك: جُد علينا بوصال، فمهما كانت ذنوبنا سنبقى أحبابك بنو أصحابك.. رسول الله، ببابك نحن واقفون ننتظر، حاملين أعباء اللقاء.. بغيتنا حوضك وصحبتك يا سيد ولد آدم.. آه.. لكن الكلمات تستحي منك، فتنمحي الأحرف كما كل مرة لتهب الدموع إزميلاً ينقر آيات حبك أسطرًا على الخدود.. نقوش كلمات شوق ووجد، أملها الأوحد الكبير أن تقرأها يوم نلقاك يا نبي الرحمة.. لكن مهما كانت -يا سيدي- حرارة الدموع، ومهما خالطها من شوق وصدق، سنبقى نحن المتوارون خجلاً منك، أو نقدر على إرجاع قليل من دينك الكبير؟ فأنت دافق الهدايا والعطايا وروائع الكرم.

كلما أحسست بالغربة في عالمي، أتذكر صبرك يا دواء قلبي وبلسم كل العوالم، فأهتف في فرح: إن كنتُ على خطاك أسير فلا أبالي.. وكيف أبالي، وبمن أبالي وأنت القدوة وأنت المعلم.. حتى لو كنت وحيدًا في الطريق، لا ولن أبالي، فكل خطى قدمي أنت فيها يا سيدي الهدف، لهذا أحث الخطى إليك.. أسري بالليل ونور وسحر اسمك يرش الطريق أنوارًا إليك جاعلاً سفري نهارًا إليك، فهل تصد قارع بابك يا مبعوث الرحمن الرحيم؟

انكسرت يا سيدي مرات، كان أول انكساري لما سقطت أرض معراجك المباركة في بِرَك من دماء شهدائها.. وتوالت الانكسارات تباعًا، فالمصائب لا تأتي فرادى، ورحت أهتف وأصرخ أين المفر؟ أين السبيل الآمن؟ أتُرانا نضيع؟ أهكذا بعد كل جهدك وصبرك لتبني فينا الأمة والحضارة، ننكسر ونضيع؟ فأتذكر أنك نبي الله، والذين معك أشداء على الكفار رحماء بينهم، فأشمّر يا سيدي عن سواعد جِدّي، وأَرُوح أبحث عمّا يحيينا من جديد..آه.. لقد أنهكني وأعياني البحث والتعب، ثم وجدت كنزًا مغطى بجبال من الغفلة.. نعم يا سيدي.. لقد عرفت أنه إن يبقى الإيمان يبقى كل شيء، ويعاد بناء كل شيء، فيجبر الكسر، وتلتئم الجراح.

لقد عرفت أنك لم تكن تبني القصور والمباني الفخمة كما البقية، كنتَ تبني الإنسان بآجُرّ الإيمان السماوي. فزلزال واحد يقضي على الصروح الشاهقة فيجعلها أنقاضًا وشروخًا، لكن روح المؤمن السماوية التي بنيتها لن تنكسر أبدًا.. لقد عرفت يا حبيب القلوب المؤمنة إن انكسر كل شيء وبقي الإيمان فينا حيًّا نورثه لأبنائنا، نرضعه لهم حليبًا من أول صرخة، فإن كل كسورنا أكيد ستجبر، ستجبر أكيد، وأن كل شيء فقدناه في سبيلك يؤجر.

رسول الله.. علمتنا كيف نقوى بالرحمة والإيمان في هذا الوجود، ملأت بهما قلوبنا فترحَّمْ بنا وتقبّل منا حبّنا لك؛ حبًّا ينفجر براكين كلمات وأحرف من هياكل شوق وعشق سرمدي.. وبالحب والخير الذي ملأت به صدورنا نحن عائدون من جديد، أمة حب ورحمة بالخير تفيض على الأكوان والعوالم، لنلقى بكل ما في قلوبنا من حب وخير وعطاء وإيمان ربًّا عنا راض غير غضبان.. وبسمة وجهك المشرقة علينا تملأ الأمكنة وتجاوز السبع الطباق مبشّرة من تمنى رؤياك بأنا عنك وعن حوضك لا فراق.

(*) كاتبة وأديبة مغربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.