تشتهر الصحراء الغربية المصرية بوجود عددٍ متنوعٍ من المدن الأثرية العريقة، والتي يرجع تاريخها إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وتُعد واحة سيوة غرب مصر واحدة من تلك البقاع فهي تمتلك نمطًا فريداً، بطابعٍ فلكلوريًا جعلها جاذبة بفضل هويتها المعمارية والتراثية المميزة وعزلتها الجغرافية إضافة لبعدها عن التجمعات السكانية الكثيفة ما جعلها موضعًا ساحرًا من أرض صحراء مصر الغربية برمالها وبحيرتها وحدائقها من نخيل وزيتون وتين، بالإضافة إلى عيون المياه العذبة المنتشرة بها والتي يصل عددها قرابة العشرين عينًا.

ومن أشهر هذه المدن مدينة شالي الموجودة بواحة سيوة الواقعة جنوب غرب مدينة مرسى مطروح على بعد 306 كم منها، والتي لاتزال تَبح بأسرارها فهي نِتاج الحضارة المصرية بشقيها القديمة والإسلامية بامتلاكها شواهد تعكس لنا عراقة المكان وأهمية الزمان باعتبارهما التاريخ، فهي جزء من عالم الخيال، ومكان متفرد بطبيعته ونمطه العمراني والمعماري عن تلك الأماكن الأثرية الموجودة في عاصمة البلاد -القاهرة- المكتظة بالأماكن التاريخية والأثرية.

وشالي باللهجة السيوية تعني “المدينة الحصن أو المدينة المحصنة” ويرجع تاريخ بناءها إلى القرن السادس- السابع الهجري/ الثاني عشر- الثالث عشر الميلادي، ومنذ ذلك التاريخ سكنها أهل سيوة “السيويون” وأحاطوها بسور وأطلقوا عليها ذاك الاسم، حيث ارتبطت شالي بسيوة ذلك المكان الذي شهد تتويج الإسكندر الأكبر المقدوني ملكًا وإعلانه ابنا للإله آمون، بعد أنّ توجه للواحة بعد ترسيمه حاكمًا بمنف في زمن الأسرتين الـ (18- 19) ثم تفرغه لبناء الإسكندرية، ومن ثم قرر الذهاب إلى سيوة يتلمس البركة من الإله آمون، فتم تتويجه بمعرفة كهنة آمون في القاعة التي أعدت لذلك وما زالت آثارها قائمة ولقب بابن آمون ولبس تاج آمون وهو على شكل رأس كبش.

وبالعودة لتاريخ شالي والذي يرجع لمئات السنين تذكر بعض الروايات التاريخية ومنها تلك المنسوبة لـ “ابن الوردي” عند حديثه عن قرية حصينة بواحة سيوة في كتابه “فريدة العجائب وفريدة الغرائب”، حيث أشار أنه حينما عُين موسى بن نصير حاكمًا على شمال أفريقية في زمن الأمويين تحرك إلى سيوة، مسترشدًا بالنجوم وبعد مسيره سبعة أيام باتجاه الجنوب الغربي، وجد مدينة يحيط بها حصن عظيم له أبواب حديدية، فصمم على استيلائها، فأمر بعض رجاله بتسلق السور لكن كلما وصل أحدهم لأعلاه نظر إلى داخل المدينة وصرخ صرخة عالية وألقى بنفسه إلى الداخل، ولم يعرف أحد ماذا كان يحدث، ولما رأى موسى بن نصير أنه فشل في تحقيق هدفه قرر أن يتخلى عنها، ويترك المدينة دون الاستيلاء عليها وكان ذلك عام 708م، وعلى الرغم من مدى مصداقية وواقعية تلك الرواية إلا أنها بعيدة كل البعد عن تأسيس مدينة شالي والتي أُسست بعُمرانها الحالي.

وتمتزج الحقائق بالأساطير فيما يتعلق ببناء المدينة والتي شيدت للدفاع وصد غارات البدو في الصحراء والقبائل المجاورة الذين اعتادوا مهاجمة الواحة في موسم الحصاد من كل عام، وإزاء ذلك لجأ السكان نظرًا لتكرار تلك الغارات وتقلص عدد سكانها والذي وصل إلى أربعين فردًا، بأنّ اقترحوا إنشاء مدينة جديدة مرتفعة محصنة فكانت شالي.

وعن الطابع العُمراني المدينة فهي عبارة عن هضبة مرتفعة تعلوها قمتان، واحدة في أقصى الغرب والثانية في الشرق وبنيت عليها العديد من الدور، وتتميز المدينة بالممرات والدروب شديدة الضيق حتى لا يتمكن الغزاة من اقتحامها وإجبارهم على المرور والدخول أفردًا حتى يمكن اقتناصهم، لذا لم يكن للمدينة سوى مدخل واحد يقع في الجهة الشمالية للدفاع عنها ويسمى “باب إنشال” أي باب المدينة، وبعد مرور حوالي قرن من الزمان فُتح باب ثان بالجهة الجنوبية يسمى “باب أثرات” أي الباب الجديد، واستخدمه من كانوا لا يرغبون في المرور أمام رؤساء العائلات الذين اعتادوا عقد مجالسهم بالقرب من المدخل الرئيسي للمدينة، وبعد مرور قرن آخر فُتح باب ثالث في الجهة الشمالية يسمى “باب قدوحة” – نسبة إلى صاحب الدار التي تواجه هذا الباب- وكان مخصصًا للنساء.

وأهم ما يميز العمارة السيوية بصفة عامة وعمارة شالي على وجه الخصوص اعتمادها على خامات تتناسب مع بيئة المكان والتي تميّزت بخصائص عدة، ومن أهم هذه الخامات ”الكرشيف، الطينة، الدبش الغشيم، الملح، ورق شجر الزيتون، جذوع النخيل والزيتون، ليف النخيل“، ولعل أهمها على الإطلاق “الكرشيف” وهو مزيج من الملح والطين يتم جلبه من البحيرات، أو الأراضي قبل استصلاحها، وهي المادة التي بنى بها أهل سيوة  دوما بيوتهم فهي مادة غير معروفة خارج واحة سيوة، وتتكون بالأساس من بلورات الملح المستخرجة من البحيرات المالحة الموجودة بالمنطقة، وعند جمعها ككتل فأنها تظهر بأحجام غير منتظمة وبمجرد أن تجف هذه المادة تصبح شديد الصلابة.

كما يتميز الكرشيف بحفاظه على درجة حرارة المبنى صيفا وشتاء، فمع ارتفاع درجة الحرارة صيفًا يعطى إحساسًا بالبرودة مع وانخفاضها وفي الشتاء يعطى الإحساس بالدفء، كما يمنح سيوة تفردًا ليس له وجود في أي مكان في العالم.

وظللت المدنية على حالها وطابعها حتى القرن التاسع عشر الميلادي عندما تعرضت المنطقة لعوامل جوية ومُناخية على إثرها هطلت أمطار غزيرة وكان ذلك تحديدًا في عام 1826م، على الرغم من قلة سقوط الأمطار في تلك المنطقة، مما ترتب عليه تهدم معظم حصون المدينة، فنزح أهل المدينة إلى الوادي وترك الحصن ولكنه ظل شامخًا لوقتنا هذا.

ومن أكثر الأماكن شهرة بمدينة شالي؛ المسجد العتيق الذي يعتبر من أقدم المساجد التي بنيت في شالي، ويُعرف بمسجد مقبل، أو باسم (تطندى)، وهو مسجد قديم يرجع تاريخه لما يقارب 800 عام، مبني على الطرازين المغربي والأندلسي، ويتميز بشكله المعماري العريق، إذ هو على شكل مستطيل به بلاطات موازية لجدار القبلة وله بابان شرقي وغربي، وبجوار القبلة يوجد المنبر والمحراب، وبه مئذنة ضخمة كبيرة تتميز بأنها مكعبة القاعدة وتتصاعد على هيئة مربع يضيق كلما ارتفعنا إلى أعلى وتقع المئذنة بالزاوية الشمالية الشرقية للمسجد‏، وتعرض المسجد لبعض الانهيارات، ما أدى لسقوط المئذنة بالكامل واستوجب ترميم المسجد وإعادة بناء المئذنة بشكلها الأصلي، وذلك من خلال مشروع بتمويل مشترك بين المجلس الثقافي البريطاني وشركة نوعية البيئة الدولية وتحت الإشراف الكامل من وزارة الآثار.

ويأتي هذا في إطار الاهتمام بصيانة وترميم الآثار خاصة في واحة سيوة حيث بدأت وزارة الآثار المصرية خلال الفترات الماضية عملية ترميم لعددٍ من المعالم الأثرية هناك، وأعلنت الوزارة مؤخرًا عن تسجيل عملية التوثيق العلمي لكل الآثار الإسلامية في قرية شالي الأثرية القديمة بواحة سيوة، ونظرًا لأهمية قلعة شالي التاريخية قام الاتحاد الأوروبي بترميم قلعة شالي بسيوة لضمان الحفاظ على التراث والمكان وضمان هويته.