يفتح الطفل عينيه على نور الحياة ليجد مصدر الحب ومصدر الطعام، فالأم تضمه إلى صدرها ليستشعر دفء الحب والعاطفة، وليطعم في نفس الوقت.. ومن هنا كان للبدانة علاقة بالنفس، فهي ليست أمرًا تحدده العوامل الجسمية فحسب، بل العوامل النفسية أيضًا؛ فأول علاقة بالأم تكون عن طريق الفم والتقاط الطعام للكف عن البكاء، ويصبح الطعام أحد العوامل الرئيسية والأولية التي تشكل العلاقة العاطفية بين الأم والطفل، ويصبح الطعام وسيلة لإزالة التوتر لدى الطفل.


وعجيب أن يكون للسمنة أساس من علم النفس، فالناس يظنون أن السمنة تتعلق بكثرة الأكل مع الراحة، أو ترجع إلى عوامل وراثية، في حين أن الوراثة ليست المسؤول الأوحد، وطبيعي أن يكون الإكثار من الطعام مع الراحة أحد العوامل التي تتدخل في إحداث السمنة، وطبيعي أن يكون لنوع الأكل أثر كبير في إحداث السمنة، إذ إن التفنن في تقديم الأطباق الشهية، يدفع الإنسان إلى أكل ما لا يحتاج إليه ليتلذذ بالتهامه فيسمن.. وواضح أن هناك حالات يكون لإفراز الغدد دخل فيها، وما نسعى إلى توضيحه من الموضوع يهمل الناس التفكير فيه وهو الجانب النفسي.. ونلاحظ أن الغرض الرئيسي من تناول الطعام، هو توفير الطاقة للجسم ليقوم بوظائفه الأساسية في الحياة، فإذا ازداد الطعام عن احتياجات الجسم، يختزن الزائد على هيئة دهون تحت الجلد فتحدث السمنة.


أمراض السمنة

والبدينون يعانون من أمراض شتى، منها ضغط الدم، وصعوبة التنفس عند التعب، وعدم تحمل الحرارة، وكثرة العرق، وتصلب الشرايين، والاضطرابات الهضمية، والصداع، والدوخة، والأرق، والالتهابات الجلدية، وأمراض القلب، وتآكل المفاصل والعظام، وإنهاك الكبد.. ولقد وجد “جوسلين” أن كل عشرين مصابًا بالسكر تجاوز الأربعين عامًا، منهم ثمانية عشر بدينًا، وواحد نحيف، وواحد عادي، كما لاحظ أن الحالة النفسية والذهنية أفضل عند المتحرر من البدانة، ووجد أن البدناء يحتاجون إلى كمية من الطاقة أكثر من العاديين، ويفقدون الطاقة أكثر إذا عملوا.. ويعلم مريض السمنة أنه -وهو يأكل ويأكل- يزيد من الأمور تعقيدًا، وأنه ليلحق الضرر بنفسه عضويًّا، ويعلم أن ذلك يزيد من تشويه صورته ويعرضه للنقد والسخرية، وينشئ جوًّا من المشاعر السلبية حوله، وأن ذلك يضره في عمله ويفسده علاقاته الاجتماعية.

علاقة علم النفس بالسمنة

لقد أكدت الدراسات أن الإنسان البدين يتمتع بسمات نفسية خاصة، وأن الزيادة بالوزن تحدث نتيجة عوامل نفسية، وهنا تأتي مقاومة المريض الداخلية لخفض وزنه؛ وعادة يقول السمين بأنه لا يأكل كثيرًا، فهو صادق، لأن حجم ما يأكل البعض منهم ليس بكبير، ولكنه يتخير الأغذية الغنية بالسعرات الحرارية العالية من حلويات ونشويات ومسكرات ومشويات.. ولاحظ رجال علم النفس أن السمنة تحقق للمريض توازنًا نفسيًّا يحتاج إليه، أو تحميه من انهيار نفسي؛ فالسمنة تؤدي وظيفة لصاحبها، ولهذا يتمسك بها برغم أنه يتألم منها بعقله الواعي ولسانه. إن السمين يكره شكله البدين، ويسعى جديًّا للبحث عن وسيلة للعلاج، ولكنه يفشل. إذن، هناك قوى من تحقيق ما يريده عقله الواعي، وهذه القوى موجودة بعقله الباطن (اللاشعور)، قوى تبغي الحفاظ على السمنة للحفاظ على صاحبها من الانهيار النفسي. والعديد من البحوث، أكدت أن أثناء فترة الرجيم (الحمية) ومع الانخفاض الملموس بالوزن، يكتئب المريض وتهبط معنوياته ويحزن، وينتابه القلق والمخاوف والإحساس بالعزلة والفراغ والوحدة.


تقول مريضة بالسمنة: في البداية كنت فرحة بنجاح خطة الرجيم (الحمية)، وانخفض وزني بشكل ملحوظ، وهذا زاد من حماسي وإصراري، ولكن فجأة داهمني حزن مخيف وكأن الكيلوجرامات التي فقدها جسدي تجمعت فوق صدري، ولم أعد أرى أن وجهي بدأ يسترد جماله الحقيقي الذي كان مختفيًا تحت الشحوم، بل كنت أرى أنه اكتسى بالحزن والهم والأسى، وشعرت بالعزلة وانتابني الخوف، فاندفعت بجنون نحو الطعام، وأكلت بلا وعي، وحينئذ فقط بدأ الهدوء يعود إلى نفسي الحزينة. فالطعام بهذه الحالة علاج وتهدئة لآلام الاكتئاب والفزع، ولعل الارتباط بين الطعام والاضطرابات النفسية تكون في مرحلة مبكرة من العمر، وأكدته الأم عندما يصبح الطعام أحد وسائل المكافأة عند الإتيان بالسلوك الحسن، ومع الوقت لا يستطيع الطفل التفرقة بين حالة الجوع والحالات الوجدانية الأخرى، ففي كلتا الحالتين يجد الطعام لإزالة الجوع ومعالجة الحالة الوجدانية التي يمر بها، وبعد هذا، حين يكبر وحين يشعر بالاكتئاب أو الخوف، يصبح هو الوسيلة لتهدئة هذه المشاعر.

خصائص نفسية واجتماعية

وأجريت دراسات على شخصية البدين أجمعت على أنه يتمتع بحب الذات والعناد، وعدم مقدرته على إقامة علاقات اجتماعية مثمرة، مع الحساسية الزائدة والسلبية أحيانًا، وعدم النضج وهدوء الطباع ورهافة الحس.. ونلاحظ قيامه ببعض السلوك العنيف الهوجائي أحيانًا. وبالطب النفسي نلاحظ أن كل تكوين جسمي يكثر به أمراض نفسية معينة؛ فالشخصية البدينة أميل إلى المرح والانبساط والسعادة، ويكثر بها جنون الهوس والاكتئاب.
العلاج النفسي


إن للمعالج النفسي في علاج البدانة أو السمنة، دورًا إيجابيًّا يشمل نصح المريض؛ بأن لا يشرد ذهنه أثناء تناول الطعام، مع عدم تناول أطعمة بين الوجبات، والامتناع عن المسليات كاللب والمكسرات والشيكولاته، وأن يقلل من الدهنيات والنشويات والمخلَّّلات التي تفتح أبواب الشهية على مصراعيها، مع العلاج النفسي الدقيق والعميق، وللتخلص من السمنة لا بد من إزالة جذور التوتر النفسي والفراغ، وأن يسير حسب نظام السعرات الحرارية بكل وجبة، وعلى أن يكون قوي الإرادة، فلا يهتم بالشعور بالجوع، وعليه بالتمرينات الرياضية، والمشي، والقيام بالرحلات والمعسكرات لملء الفراغ، والبعد عن مؤثرات الحزن والضغوط.. فتعتبر السمنة انتحارًا لا شعوريًّا داخليًّا، وغالبًا ما يكون المريض في حالة إلى مَن يحميه من نفسه، ويحميه من تحطيم ذاته.. وكل هذا سيكون له علاقة مؤكدة بطول العمر. قال “نابليون” إن الانتصار الوحيد الذي يدوم ولا يترك وراءه أسفًا، هو الانتصار على النفس.

المراجع
(1) حكايات نفسية، للدكتور عادل صادق، كتاب اليوم الطبي 1984م.
(2) مبادئ الأمراض النفسية، للدكتور عمر شاهين والدكتور يحيى الرخاوي، الطبعة الثالثة 1977م.
(3) مشكلات وصور نفسية، للدكتور عبد العزيز القصوي، دار المعارف 1983م.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.