تأمل كيف أن أهل النار وأهل الخلد اجتمعا معًا في دكان واحد –ورغم ذلك- (بينهما برزخ لا يبغيان). لقد اختلط أهل النار بأهل النور، ولكن جبل قاف قام بين الفريقين.

وهكذا اختلط الذهب والتراب في المنجم، وبينهما (من الاختلاف) مائة صحراء ورباط. وهكذا اختلط في العقد الدر والشبه، كما اختلط الأضياف (بنزل) في إحدى الليالي.

إن نصف البحر حلو كالسكر، طعمه حلو، ولونه مضيء كالقمر.

وأما النصف الآخر فمرّ كسم الحيّة، طعمه مر، ولونه مظلم كالقار. وكل منهما يصطدم بالآخر من أسفل ومن فوق، على مثال الماء في البحر المتلاطم الأمواج. وصورة هذا الصدام في الأجسام الضيقة، إنما هي اختلاط الأرواح بالصلح أو بالحرب.

إن أمواج السلام تدافع، فتقتلع الأحقاد من الصدور. (وكذلك تتدافع) أمواج الحرب على صورة أخرى، فتقذف بالمحبة إلى أسفل وإلى فوق. والحب يجتذب أهل المرارة إلى الحلو، لأن الرشد هو الأصل في كل محبة.

وأما القهر فهو الذي يحمل أهل الحلاوة إلى المرارة. ومتى كان المر ملائمًا للحلو؟

والمر والحلو لا يظهران لهذا النظر الحسي، بل هما يبصران من نافذة إدراك العواقب. إن العين البصيرة بالعواقب قادرة على رؤية الصواب، وأما العين التي تبصر الحظيرة فهي غرور وخطأ. وكم من حلو (مذاقه) كالسكر، ولكن السم يكون مضمرًا في سكّره.

إن الماء في العنب الفجّ يكون حامضًا، ولكنه يصبح حلوًا طيّبًا في العنب الناضج. ثم يغدو في إبريق النبيذ مرًا حرامًا، فإذا ما تحول إلى خلّ، فهو نعم الإدام.

فكل من ازداد حذقة، عرف هذا برائحته، وغيره (يعرفه) حين يتناوله بين شفتيه وأسنانه. فتردّه قبل أن يصل إلى حلقه، مع أن الشيطان يصيح به ليأكله. ولغير (هذين) لا يظهر إلا في الحلق، ولغير هؤلاء لا يتضح إلا في البدن. وآخر يصاب باحتراق منه وقت الحدث، فخروجه ينبؤه بخبر عن دخوله. (ويظهر) على شخص بعد أيام وشهور، وعلى غيره في جوف القبر بعد موته.

ولو أن هذا أُهمل في قرارة قبره، فلابد أن يظهر عليه ذلك (السم) لا في يوم النشور.

وكل نبات وكل حلاوة في هذه الدنيا يقتضي مهلة واضحة من دوران الزمن. فالعقيق –لكي يحصل على لونه وبريقه والتماعه- لابد له أن يقضي السنين تحت أشعة الشمس.

والخضر تنضج في شهرين، وأما الورد الأحمر فلا ينضج إلا في عام. فهذا هو الذي تحدث الحق عنه في سورة الأنعام حين ذكر الأجل. فإذا سمعت هذا فلتكن كلك أذنًا صاغية. إنه ماء الحياة، فإن شربته فهنيئًا لك. فسمه ماء الحياة، ولا تسمه كلامًا! وتأمل هذا الروح الجديد في جسم من الحروف العتيقة. ولتستمع إلى نكتة أخرى، أيها الرفيق، نكتة مثل الروح، بالغة الوضوح، (ولكنها) دقيقة (على الإدراك).

إن السم والحية يكونان -في بعض المقامات- سائغين، بتصاريف الله. وما يكون في أحد المواضع سمًّا قد يكون في مواضع آخر دواء، وما يكون في أحد المقامات كفرًا قد يكون في مقام آخر مباحًا. فمع أنه في ذلك المكان يكون مضرًا بالروح، فإنه -حين يصل إلى هنا يصبح علاجًا لها-.

إن الماء في العنب الفجّ يكون حامضًا، ولكنه يصبح حلوًا طيّبًا في العنب الناضج. ثم يغدو في إبريق النبيذ مرًا حرامًا، فإذا ما تحول إلى خلّ، فهو نعم الإدام.

المثنوي للشيخ جلال الدين الرومي صفحة 315 نسخة الكفافي.

Leave a Reply

Your email address will not be published.