تشير الدراسات الكونية إلى وجود قوى مستترة في اللبنات الأولية للمادة، وفي كل من الذرات والجزيئات، وفي كافة أجرام السماء، تحكم بناء الكون وتمسك بأطرافه إلى أن يشاء اللّٰه تعالى فيدمره ويعيد خلق غيره من جديد.
ومن القوى التي تَعرَّف عليها العلماء في كل من الأرض والسماء، أربع صور يعتقد بأنها أوجه متعددة لقوة عظمى واحدة، تسري في مختلف جنبات الكون لتربطه برباط وثيق وإلا لانفرط عقده. وهذه القوى هي كالتالي:

1- القوة النووية الشديدة:
وهي القوة التي تقوم بربط الجزيئات الأولية للمادة في داخل نواة الذرة برباط متين من مثل البروتونات، والنيوترونات ولبناتهما الأولية المسماة بالـ”كواركات” (Quarks) بأنواعها المختلفة وأضدادها (Anti-Quarks)، كما تقوم بدمج والتحام نوى الذرات مع بعضها البعض في عمليات الاندماج النووي (Nuclearfusion) التي تتم في داخل النجوم كما تتم في العديد من التجارب المختبرية. وهي أشد أنواع القوى الطبيعية المعروفة لنا في الجزء المدرك من الكون، ولذا تُعرَف باسم “القوة الشديدة”. ولكن هذه الشدة البالغة في داخل نواة الذرة، تتضاءل عبر المسافات الأكبر، ولذلك يكاد دورها يكون محصورًا في داخل نوى الذرات وبين تلك النوى ومثيلاتها. وهذه القوى تُحمَل على جُسَيْمات غير مرئية تسمى بـ”اللاحمة” أو “جليون” (Gluon) لم تُكتشف إلا في أواخر السبعينيات من القرن العشرين. وفكرة القنبلة النووية قائمة على إطلاق هذه القوة التي تربط بين لبنات نواة الذرة. كما أن هذه القوة لازمة لبناء الكون، لأنها لو انعدمت لعاد الكون إلى حالته الأولى -لحظة الانفجار العظيم- حين تحوّل الجِرم الابتدائي الأولي الذي نشأ عن انفجاره كلُّ الكون، إلى سحابة من اللبنات الأولية للمادة التي لا يربطها رابط، ومن ثم لا يمكنها بناء أي من أجرام السماء.

2- القوة النووية الضعيفة:
وهي قوة ضعيفة وذات مدى ضعيف للغاية، لا يتعدى حدود الذرة. وتساوي 10-13 من شدة القوة النووية الشديدة، وتقوم بتنظيم عملية تفكّك وتحلل بعض الجسيمات الأولية للمادة في داخل الذرة، كما يحدث في تحلل العناصر المشعة، وعلى ذلك فهي تتحكم في عملية فناء العناصر، حيث إن لكل عنصر أجلًا مسمى. وتُحمَل هذه القوة على جسيمات إما سالبة أو عديمة الشحنة تسمى “البوزونات” (Bosons).

3- القوة الكهربائية المغناطيسية:
وهي القوة التي تربط الذرات بعضها ببعض في داخل جزيئات المادة، مما يعطي للمواد المختلفة صفاتها الطبيعية والكيميائية. ولولا هذه القوة لكان الكون مليئًا بذرات العناصر فقط، ولمَا كانت هناك جزيئات أو مركبات، ومن ثم ما كانت هناك حياة على الإطلاق.
وهذه القوة هي التي تؤدي إلى حدوث الإشعاع الكهرومغناطيسي على هيئة فوتونات الضوء أو ما يعرف بـ”الكم الضوئي” (Photon Photon Quantum). وتنطلق الفوتونات بسرعة الضوء لتؤثر في جميع الجسيمات التي تحمل شحنات كهربائية، ومن ثم فهي تؤثر في جميع التفاعلات الكيميائية وفي العديد من العمليات الفيزيائية، وتبلغ قوتها 137/1 من القوة النووية الشديدة.

4- قوة الجاذبية:
وهي على المدى القصير، تعتبر أضعف القوى المعروفة لنا، وتساوي 10-39 من القوة النووية الشديدة. ولكن على المدى الطويل تصبح القوة العظمى في الكون نظرًا لطبيعتها التراكمية، فتمسك بكافة أجرام السماء، وبمختلف تجمعاتها. ولولا هذا الرباط الحاكم الذي أودعه اللّٰه سبحانه وتعالى في الأرض وفي أجرام السماء، ما كانت الأرض ولا كانت السماء، ولو زال هذا الرباط لانفرط عقد الكون وانهارت مكوناته.
ولا يزال أهل العلم يبحثون عن موجات الجاذبية المنتشرة في أرجاء الكون كله، منطلقة بسرعة الضوء دون أن تُرى. ويُفترض وجود هذه القوة على هيئة جسيمات خاصة في داخل الذرة لم تكتشف بعدُ، يطلق عليها اسم “الجسيم الجاذب” أو “الجرافيتون” (Graviton). وعلى ذلك فإن الجاذبية هي أربطة الكون. والجاذبية مرتبطة بكتل الأجرام وبمواقعها بالنسبة لبعضها البعض. فكلما تقاربت أجرام السماء وزادت كتلها، زادت قوى الجذب بينها، والعكس صحيح. ولذلك يبدو أثر الجاذبية أوضح ما يكون بين أجرام السماء، التي يمسك الأكبر فيها بالأصغر بواسطة قوى الجاذبية. ومع دوران الأجرام حول نفسها، تنشأ القوة الطاردة (النابذة) المركزية التي تدفع بالأجرام الصغيرة بعيدًا عن الأجرام الأكبر التي تجذبها حتى تتساوى القوتان المتضادتان: قوة الجذب إلى الداخل، وقوة الطرد إلى الخارج. فتتحدّد بذلك مدارات كافة أجرام السماء التي يسبح فيها كل جرم سماوي دون أدنى تعارض أو اصطدام.
هذه القوى الأربع، هي الدعائم الخفية التي يقوم عليها بناء السماوات والأرض، وقد أدركها العلماء من خلال آثارها الظاهرة والخفية في كل أشياء الكون المدركة.

توحيد القوى المعروفة في الكون المدرك

كما تم توحيد قوتَي الكهرباء والمغناطيسية في شكل قوة واحدة هي القوة الكهرومغناطيسية، يحاول العلماء جمع تلك القوة مع القوة النووية الضعيفة باسم “القوة الكهربائية الضعيفة” (The Electroweak Force)، حيث لا يمكن فصل هاتين القوتين في درجات الحرارة العليا التي بدأ بها الكون. كذلك يحاول العلماء جمع القوة الكهربائية الضعيفة والقوة النووية الشديدة في قوة واحدة، وذلك في عدد من النظريات التي تعرف باسم “نظريات المجال الواحد” أو “النظريات الموحدة الكبرى” (The Grand Unified Theory)، ثم جمع كل ذلك مع قوة الجاذبية فيما يسمى باسم “الجاذبية العظمى” (Supergravity) التي يعتقد العلماء، بأنها كانت القوة الوحيدة السائدة في درجات الحرارة العليا عند بدء خلق الكون، ثم تمايزت إلى القوى الأربع المعروفة لنا اليوم، والتي ينظر إليها على أنها أوجه أربعة لتلك القوة الكونية الواحدة التي تشهد للّٰه الخالق بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه. فالكون يبدو كنسيج شديد التلاحم والترابط، ورباطه هذه القوة العظمى الواحدة التي تنتشر في كافة أرجائه، وفي جميع مكوناته وأجزائه وجزيئاته. وهذه القوة الواحدة تظهر لنا في هيئة العديد من صور الطاقة. والطاقة هي الوحدة الأساسية في الكون، والمادة مظهر من مظاهرها، وهي من غير الطاقة لا وجود لها. فالكون عبارة عن المادة والطاقة ينتشران في كل من المكان والزمان، بنسب وتركيزات متفاوتة، فينتج عنها ذلك النسيج المحكم المحبوك في كل جزئية من جزئياته.

الجاذبية العامة

من الثوابت العلمية، أن الجاذبية العامة هي سنة من سنن اللّٰه سبحانه وتعالى في الكون، أودعها ربنا تبارك وتعالى كافةَ أجزاء الكون، ليربط تلك الأجزاء بها. وينص قانون هذه السنة الكونية، بأن قوة التجاذب بين أي كتلتين في الوجود، تتناسب تناسبًا طرديًا مع حاصل ضرب كتلتيهما، وعكسيًا مع مربع المسافة الفاصلة بينهما. ومعنى ذلك أن قوة الجاذبية تزداد بازدياد كلٍّ من الكتلتين المتجاذبتين، وتنقص بنقصهما، بينما تزداد هذه القوة بنقص المسافة الفاصلة بين الكتلتين، وتتناقص بتزايدها. ولما كان لأغلب أجرام السماء كتل مذهلة في ضخامتها، فإن الجاذبية العامة هي الرباط الحقيقي لتلك الكتل، على الرغم من ضخامة المسافات الفاصلة بينها. وهذه القوة الخفية (غير المرئية) تمثل النسيج الحقيقي الذي يربط كافة أجزاء الكون، كما هو الحال بين الأرض والسماء، وهي القوة الرافعة للسماوات بإذن اللّٰه بغير عمد مرئية.
وهي نفس القوة التي تحكم تكوُّر الأرض، وتكوُّر كافة أجرام السماء، وتكوُّر الكون كله، كما تحكم عملية تخلّق النجوم بتكدس أجزاءٍ من الدخان الكوني على بعضها البعض، بكتلات محسوبة بدقة فائقة، وتخلّق كافة أجرام السماء الأخرى، كما تحكم دوران الأجرام السماوية كلٌّ حول محوره، وتحكم جَرْيَهُ في مداره، بل في أكثر من مدار واحد له. وهذه المدارات العديدة، لا تصطدم فيها أجرام السماء رغم تداخلاتها وتعارضاتها الكثيرة، ويبقى الجِرم السماوي في مداره المحدد، بتعادل دقيق بين كلٍّ من قوى الجذب إلى الداخل بفعل الجاذبية، وبين قوى الطرد إلى الخارج بفعل القوة الطاردة (النابذة) المركزية.
وقوة الجاذبية العامة تعمل على تحدّب الكون أي تكوّره، وتُجبِر كافة صور المادة والطاقة على التحرك في السماء في خطوط منحنية (العروج)، وتمسك بالأغلفة الغازية والمائية والحياتية للأرض، وتحدد سرعة الإفلات من سطحها. وبتحديد تلك السرعة، يمكن إطلاق كل من الصواريخ والأقمار الصناعية.

الجاذبية الكمية

تُجمِع كافة القوانين المتعلقة بالجاذبية، مع الأخذ في الحسبان جميع التأثيرات الكمية على اعتبار أن إحداثيات الكون تتبع نموذجًا مشابهًا للإحداثيات الأرضية، وأن أبعاد الكون تتبع نموذجًا مشابهًا للأرض بأبعادها الثلاثة، بالإضافة إلى كلٍّ من الزمان والمكان كبُعد رابع. وعلى الرغم من كونها القوة السائدة في الكون -بإذن اللّٰه- فإنها لا تزال سرا من أسرار الكون. وكل النظريات التي وُضعت من أجل تفسيرها، قد وقفت دون ذلك، لعجزها عن تفسير كيفية نشأة هذه القوة وكيفية عملها، وإن كانت هناك فروض تنادي بأن جاذبية الأرض ناتجة عن دورانها حول محورها، وأن مجالها المغناطيسي ناتج عن دوران لب الأرض السائل، والذي يتكون -أساسًا- من الحديد والنيكل المنصهرين حول لبها الصلب، والذي له نفس التركيب الكيميائي تقريبًا، وكذلك الحال بالنسبة لبقية أجرام السماء.

موجات الجاذبية

منذ العقدين الأولين من القرن العشرين، تنادي العلماء بوجود موجات للجاذبية من الإشعاع التجاذبي تسري في كافة أجزاء الكون؛ وذلك على أساس أنه بتحرك جسيمات مشحونة بالكهرباء مثل الإليكترونات والبروتونات الموجودة في ذرات العناصر والمركبات، فإن هذه الجسيمات تكون مصحوبة في حركتها بإشعاعات من الموجات الكهرومغناطيسية. وقياسًا على ذلك فإن الجسيمات غير المشحونة -مثل النيوترونات- تكون مصحوبة في حركتها بموجات الجاذبية. ويعكف علماء الفيزياء اليوم على محاولة قياس تلك الأمواج، والبحث عن حاملها من جسيمات أولية في بناء المادة يحتمل وجوده في داخل ذرات العناصر والمركبات، واقترحوا له اسم “الجاذب” أو “الجرافيتون”، وتوقعوا أنه يتحرك بسرعة الضوء. وانطلاقًا من ذلك، تصوروا أن موجات الجاذبية تسبح في الكون، لتربط كافة أجزائه برباط وثيق من نواة الذرة إلى المجرة العظمى وتجمعاتها إلى كل الكون، وأن هذه الموجات التجاذبية هي من السنن الأولى التي أودعها اللّٰه تعالى مادة الكون وكل المكان والزمان.
وهنا يجب التفرقة بين قوة الجاذبية، وموجات الجاذبية، فبينما الأولى تمثّل قوة الجذب للمادة الداخلة في تركيب جسم ما حين تتبادل الجذب مع جسم آخر، فإن الثانية هي أثرٌ لقوة الجاذبية. وقد أشارت نظرية النسبية العامة إلى موجات الجاذبية الكونية، على أنها رابط بين المكان والزمان على هيئة موجات تؤثر في حقول الجاذبية في الكون، كما تؤثر على الأجرام السماوية التي تقابلها. وقد بُذلت محاولات كثيرة لاستكشاف موجات الجاذبية القادمة إلينا من خارج مجموعتنا الشمسية، ولكنها لم تكلل بعد بالنجاح.
والجاذبية وموجاتها التي قامت بها السماوات والأرض منذ بدء خلقهما، ستكون سببًا في هدم هذا البناء عندما يأذن اللّٰه سبحانه وتعالى بتوقف عملية توسع الكون، فتبدأ الجاذبية وموجاتها في العمل على انكماش الكون، وإعادة جمع كافة مكوناته على هيئة جرم واحد شبيه بالجرم الابتدائي الذي بدأ به خلق الكون، وسبحان القائل: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾(الأنبياء:104).

نظرية الخيوط العظمى وتماسك الكون

في محاولةٍ لجمع القوى الأربع المعروفة في الكون (القوة النووية الشديدة، والقوة النووية الضعيفة، والقوة الكهرومغناطيسية، وقوة الجاذبية) في صورة واحدة للقوة، اقترح علماء الفيزياء ما يعرف باسم “نظرية الخيوط العظمى” (The Theory Of Superstrings)، والتي تفترض أن الوحدات البانية للبنات الأولية للمادة من مثل الكواركات والفوتونات، والإليكترونات وغيرها، تتكون من خيوط طولية في حدود 10-35 من المتر، تلتف حول ذواتها على هيئة الزنبرك المتناهي في ضآلة الحجم، فتبدو كما لو كانت نقاطًا أو جسيمات وهي ليست كذلك. وتفيد النظرية في التغلب على الصعوبات التي تواجهها الدراسات النظرية في التعامل مع مثل تلك الأبعاد شديدة التضاؤل، حيث تتضح الحاجة إلى فيزياء كمية غير موجودة حاليًا. ويمكن تمثيل حركة الجسيمات في هذه الحالة بموجات تتحرك بطول الخيط، كذلك يمكن تمثيل انشطار تلك الجسيمات واندماجها مع بعضها البعض، بانقسام تلك الخيوط والتحامها.
وتقترح النظرية وجودَ مادة خفية، يمكنها أن تتعامل مع المادة العادية عبر الجاذبية، لتجعل من كل شيء في الكون من نواة الذرة إلى المجرة العظمى وتجمعاتها المختلفة إلى كل السماء.. بناء شديد الإحكام قوي الترابط. وقد تكون هذه المادة الخفية هي ما يسمى بـ”المادة الداكنة”، والتي يمكن أن تعوض الكتل الناقصة في حسابات الجزء المدرك من الكون، وقد تكون من القوى الرابطة له.
وتفسر النظرية جميع العلاقات المعروفة بين اللبنات الأولية للمادة، وبين كافة القوى المعروفة في الجزء المدرك من الكون. وتفترض النظرية أن اللبنات الأولية للمادة، ما هي إلا طرق مختلفة لتذبذب تلك الخيوط العظمى في كون ذي أحد عشر بُعدًا. ومن ثم إذا كانت النظرية النسبية قد تحدثت عن كون منحنٍ، أي منحنية فيه الأبعاد المكانية الثلاثة (الطول، العرض، الارتفاع) في بعد رابع هو الزمن، فإن نظرية الخيوط العظمى تتعامل مع كون ذي أحد عشر بُعدًا، ومنها سبعة أبعاد مطوية على هيئة لفائف الخيوط العظمى لم يتمكن العلماء بعدُ من إدراكها، فسبحان القائل: ﴿اللّٰهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾(الرعد:2). اللّٰه سبحانه وتعالى قد أنزل هذه الحقيقة الكونية على خاتم أنبيائه ورسله صلوات اللّٰه عليهم أجمعين من قبل أربعة عشر قرنًا، ولا يمكن لعاقل أن ينسبها إلى مصدر غير اللّٰه الخالق سبحانه وتعالى.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.