يعد فقه التعارف والتواصل بين الشعوب من أهم دعائم استقرار المجتمعات، وله الأثر البالغ في نمو الحضارات، خصوصا ونحن في عصر تتعدد فيه الأديان والمذاهب والتوجهات الفكرية؛ هذا التعدد والاختلاف ما هو إلا سنة إلهية كونية.

وقد أقام الإسلام دعائم ثابتة للعلاقات فيما بين الناس ثبات سنة الله، تكفل باستبعاد الصراع العنصري الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت، ومازالت تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة.

وسأسلط الضوء في بحثي هذا على الدور الذي يلعبه فقه التعايش والتواصل بين الشعوب في بناء الحضارات، مبرزا الدعائم التي ينبغي الأخذ بها أثناء التواصل مع الأعراق والأجناس على اختلاف تنوعهم. لذا سأجعل عملي مبنيا على محاور ثلاثة:

  1. التعارف والتواصل غاية الاختلاف بين الشعوب.
  2. دعائم التعارف والتواصل بين الشعوب.
  3. أثر فقه التعارف والتواصل في بناء الحضارات.

المحور الأول: التعارف والتواصل غاية الاختلاف بين الشعوب

فقه التعارف والتعايش هو علم يبحث في ضوابط تعامل المسلمين مع غيرهم من أتباع الديانات والمعتقدات والحضارات الأخرى لعيشوا على أساس تبادل الاحترام والخبرات والمنافع لعمارة الأرض وتحقيق السلام مع الحفاظ على الهوية الإسلامية.

إن عظمة الإسلام تتجلى في التفريق بين العقيدة التي تؤصلها النصوص الشرعية والتعارف والتواصل الذي يفرضه ديننا الحنيف، فالإسلام هو الذي نهى المؤمن عن التشبه بالكفار، بغية أن تكون له كينونته الخاصة؛ هو الإسلام نفسه الذي أوجب على أتباعه التعايش والتعارف مع غير المسلمين، إلى درجة تجعل من يقدم من المسلمين على ظلم غير المسلم في بلاد الإسلام في خصومة بينه وبين نبي الرحمة يوم القيامة.

وما نشهده في العالم من صراعات وحروب يعود لغياب الفهم الدقيق لفقه التعايش السلمي بين أبناء الديانات والجنسيات والأعراق المختلفة، وعلى النقيض من هذا فالقرآن الكريم جعل التعارف والتعايش غاية الاختلاف بين البشر.

إن التعايش بين البشر هو من صميم رسالة الأديان جميعًا، فقد تختلف الشرائع في العبادات وطريقة أدائها وفق طبيعة الزمان والمكان، لكن الأخلاق والقيم الإنسانية التي تكون أساسًا للتعارف والتواصل؛ لم تختلف في أي شريعة من الشرائع.

إذن فالاختلاف سنة إلهية كونية، فالإنسانية التي خلقها الله من نفس واحدة، تتنوع إلى شعوب وقبائل وأمم وأجناس وألون، وهذا التنوع والاختلاف في الثقافة واللون والأفكار، إنما هو آية من آيات الله عز وجل.

وسار الخلفاء الراشدون على نهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعايش السلمي مع غير المسلمين، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضمن لأهل إيلياء من المسيحيين أمنهم، وأعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم… وهذا دليل على عظمة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين.

وقد تفرد الإسلام على الحقيقة بمبدئه الداعي إلى التعارف والتواصل والتعايش مع غير المسلمين، والناظر للتاريخ والواقع أيضا يعلم هذا، أما التاريخ فيبين أن المسلمين لما فتحوا البلاد وأناروها بالإسلام لم يجبروا أحدا على اعتناق الإسلام وبقيت طوائف متعددة من غير المسلمين تعيش في البلاد الإسلامية آمنة مطمئنة لا يعكر صفوها شيء، بينما عانى المسلمون كثيرًا في الأندلس مثلاً، ولم يسمح لهم بأداء شعائرهم لما تغلب النصارى عليهم، وعوملوا أسوء معاملة، ولقوا أشد أنواع العذاب.

أما الواقع، فإننا نرى المسلمين اليوم يضطهدون في بورما، وكشمير، وفلسطين، والشيشان…، هكذا يعامل المسلمون، ولا يطبق عليهم مبدأ قبول الآخر أبدًا؛ بينما تعيش الأقليات غير المسلمة في ربوع البلاد الإسلامية عامة والمملكة المغربية خاصة آمنة مطمئنة كما هو مشاهد معلوم.

ونختم هذا المحور ببعض المقتطفات من الرسالة التي وجهها الملك محمد السادس إلى المشاركين في مؤتمر حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي الذي انعقد في مراكش شهر يناير2016م:

“وكلما تأملنا مختلف الأزمات التي تهدد الإنسانية ازددنا اقتناعا بضرورة التعاون بين جميع أهل الأديان وحتميته واستعجاليته، وهو التعاون على كلمة سواء، قائمة لا على مجرد التسامح والاحترام، بل على الالتزام بالحقوق والحريات التي لابد أن يكفلها القانون ويضبطها على صعيد كل بلد…، والتحلي بالسلوك الحضاري الذي يقصي كل أنواع الإكراه والتعصب والاستعلاء.

“إن عالمنا اليوم في حاجة إلى قيم الدين، لأنها تتضمن الفضائل التي نلتزم بها أمام خالقنا رب العالمين، والتي تقوي فينا قيم التسامح والمحبة والتعاون الإنساني على البر والتقوى، لا في سماحتها وحسب، بل في استمداد طاقتها من أجل البناء المتجدد للإنسان، وقدرتها على التعبئة من أجل حياة خالية من الحروب والجشع، ومن نزعات التطرف والحقد، حيث تتضاءل فيها آلام البشرية وأزماتها، تمهيدا للقضاء على مخاوف الصراع بين الأديان”.

المحور الثاني: دعائم التعارف والتواصل بين الشعوب

إن مصلحة العالم اليوم تتطلب تعارفًا على مستوى العقائد والأفكار والسلوك الإنساني، وأن تزول كل العقبات، كما أن التعارف يفرض البحث عن المفاهيم السائدة في الغرب والشرق، حتى نصل من خلال هذا التعارف إلى الحد الأدنى من القواسم المشتركة بين الشعوب. وفي إطار الوحدة الإنسانية وأخوتها، أقام الإسلام دعائم ثابتة للعلاقات فيما بين الناس ثبات سنة الله، ومن بين هذه الدعائم:

احترام الرأي الآخر: من الدعائم المهمة لتقليل حدة الخلاف، احترام الرأي المخالف، وتقدير وجهات نظر الآخرين، وإعطاء آرائهم الاجتهادية حقها من الاعتبار والاهتمام؛ ما دامت لم تمس ثوابتنا العقدية. وذلك مبني على أصل مهم، وهو أن كل ما ليس قطعيا من الأحكام، هو أمر قابل للاجتهاد، وإذا كان يقبل الاجتهاد فهو يقبل الاختلاف.

الحرية: في هذه الدعامة يتجلى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه، وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني.

ومن أجل الحرية قرر الإسلام مبدأ لا إكراه في الدين؛ والحرية لا تعني التحلل من كل الضوابط اتباعا للهوى، حتى ينتهك المرء حقوق الآخرين.

العدل: يعتبر العدل شعار الوحدة الإنسانية الدال عليها، وسورها المحدد لها، ووجب أن تكون الفروق الشخصية بمنأى عن محيط العدل، يستوي فيه القوي والضعيف والغني والفقير والقريب والبعيد والمسلم وغير المسلم.

ويعتبر العدل سنة الإسلام وخاصيته، فهو الميزان المستقيم الذي يحدد العلاقات بين الناس في حال السلم وحال الحرب، وبالتالي فالعدل هي البوصلة التي تنظم الوجود الإنساني.

التسامح: هو تحمل عقائد غيرنا وآرائهم وأعمالهم وإن كانت تخالفنا أو باطلة في نظرنا، ولا نطعن فيهم بما يؤلمهم رعاية لعواطفهم وأحاسيسهم، ولا نلجأ إلى وسائل الجبر والإكراه لتصريفهم عن عقائدهم أو منعهم من الإدلاء بآرائهم أو القيام بأعمالهم.

هذه الدعائم بمثابة الحقيقة المسلم لها عند المسلمين ويسعى الإسلام جاهدا إلى تتبنى البشرية هذه الدعائم حيث السلام والوئام. والعمل بهذا الأمر كفيل باستبعاد الصراع العنصري الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت، وما زالت تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة في الجاهلية الحديثة، التي تفرق بين اللون، وتفرق بين العناصر، وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة، وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم وتنسى إلى الإنسانية الواحدة والربوبية الواحد

المحور الثالث: أثر فقه التعارف والتواصل في بناء الحضارات

إن فكرة تعارف الحضارات؛ إنما هي محاولة لتطوير مستويات الفهم في النظر إلى عالم الحضارات، والسعي لاكتشاف آفاق جديدة أو غائية تساهم في تجديد العلاقات بين الحضارات، وتوسع من دائرة التواصل فيما بينها، والتأكيد على ضرورة بناء هذه العلاقات على أساس المعرفة المتبادلة، ومن خلال بناء جسور التعارف، لإزالة كافة صور الجهل، والتخلص من رواسب وإشكاليات القطيعة.

وفي هذا الصدد يعرف ابن خلدون الحضارة بأنها نمط من الحياة المستقرة ينشئ القرى والأمصار، ويضفي على حياة أصحابه فنونا منتظمة من العيش والعدل والاجتماع والصناعة وإدارة شؤون الحياة والحكم وترتيب وسائل الراحة وأسباب الرفاهية.

ويرى عبد العزيز بن عثمان التويجري أن التعايش الحضاري هو أن تلتقي إرادة أهل الأديان السماوية والحضارات المختلفة في العمل من أجل أن يسود الأمن والسلام العالم، وحتى تعيش الإنسانية في جو من الإخاء والتعاون على ما فيه الخير الذي يعم بني البشر جميعا، من دون استثناء.

إن وجود البشرية اليوم واستمرارها رهين بتعدد الحضارات التي عاشت متجاورة، فتعددها لا يمثل عقبة أمام وحدة العالم؛ بل العكس هو الصحيح، فالتنوع إثراء، وغنى للحضارات. والحضارة التي تقوم على شكل واحد، ولون واحد، وصورة واحدة، هي حضارة فقيرة، والحضارة الغنية الخصبة هي التي تأخذ من الجميع، وتستفيد من الجميع، وتقتبس من الجميع.

لهذا فالتعارف بوصفه مبدأ إنسانيا حضاريا ساميا، له الدور الأكبر في بناء الحضارات من خلال منع النزاعات والصراعات، فهو يقرب الأفكار والمسافات، ويهدف إلى بناء أسس حوار حضاري مثمر وبناء، كما أن له آثارا على السلوك الإنساني بشكل عام، فهو يوحد البشرية جمعاء في وجه الأفكار العنصرية والحروب الظالمة، كما أنه يساهم في التطور العلمي والحضاري ليعم الجميع.