لو تصورنا أن جميع النباتـــات علـــى وجـــه اليابسة عديـــــمة الأوراق، فكيــــــف تبـــــدو الأرض أمامنا يا ترى؟ مخيفة أليس كذلك؟ ولو تصورنا الأمر كذلك من الناحية البيولوجية والأيكولوجية، فماذا نرى؟ نرى بكل تأكيد أرضًا لا تصلح للعيش والحياة أبدًا. نعم، إن الورقة التي لا نعيرها اهتمامًا في غالب الأحيان ونمر عليها مرار الكرام لكثرتها، لها -في حقيقة الأمر- قيمة لا يُستغنى عنها بالنسبة للمخلوقات كافة.

إذن، ما الحكمة من خَلق هذه الورقة؟ ما قيمتها وما دورها في هذه الحياة؟ ولماذا توجد بكثرة على وجه الأرض؟

أسئلة عديدة تجيب عنها الورقة بنفسها من خلال حوار أجراه معها الإنسان؟ تشرح لنا ماهيتها وطبيعتها، وتكشف عن خفاياها المكنونة فيها؛ لتُدخِلنا عالم التفكير والتأمل الذي ينتهي بنا إلى معرفة القدرة العظيمة المخفية في ثنايا كل مخلوق.

وهل الورقة تحكي؟ نعم، إن كل مخلوق في هذا الكون يحكي بلسان حاله قصتَه والمهمة التي كُلِّف بها في هذه الحياة الفانية.. والآن هلمّ عزيزي القارئ لنسمع إلى هذا الحوار ونحاول الاستفادة منه قدر الإمكان.

الإنسان: مرحبًا أيتها الورقة.. هلاّ تحدّثتِ لنا عن نفسك قليلاً؟

الورقة: أهلاً وسهلاً.. اسمي الورقة، وأنا جزء أساسي من النباتات، إذ أُوجَد على أطراف براعم النباتات ما عدا الفُطر والطحالب. لقد وهبني ربي قدرة استعادة تبادل الغاز العادي مع الغلاف الجوي، كما خلقني بتصاميم عجيبة متنوعة الأشكال والأحجام، ثم كلّفني بعملية التركيب أو التمثيل الضوئي.

وأما الثغور الدقيقة الموجودة على بشرتي، فهي المكلّفة بتأمين ثاني أكسيد الكربون من الهواء اللازم للتركيب الضوئي لتوفير الحرارة والماء؛ وهذه الثقوب الدقيقة المسماة بـ”المسامات”، تملك موهبة الانفتاح والانغلاق إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك. فبخار الماء والأكسيجين اللذان أقوم بإنتاجهما عن طريق التركيب الضوئي، يتم تحويلهما -عند انفتاح المسامات- إلى ثاني أكسيد الكربون اللازم لعملية التركيب الضوئي أيضًا، وبذلك يتم طرح الإنتاج الزائد من الفضلات خارجًا لتستفيد منها الأحياء الأخرى. وقد أقوم بامتصاص المواد التي أحتاجها من أجل البقاء على قيد الحياة، لأني -كواحدة من المخلوقات- أنا أيضًا أتغذى وأنمو، وحين ينقضي أجلي أموت وأبلى.

الإنسان: كيف تتم ولادتك؟

الورقة: أمرّ من مراحل مليئة بالأسرار إلى حين ولادتي. أولاً وقبل أن أُولد، يجب أن أتغذى جيدًا، تمامًا مثلما يتغذى الجنين في رحم أمه. لهذا، سخّر لي ربي الطاقة الشمسية، وثاني أكسيد الكربون، ومواد الغذاء في التربة والماء. نعم، أحتاج إلى أشعة الشمس الدافئة اللطيفة، وإلى الماء، كي أستطيع الخروج من البرعم في فصل الربيع. وأنتم تعرفون هذه العملية بـ”نمو الورقة”. وهناك جزء يسمى “برعم الورقة” مكلَّف برعايتي إلى حين ولادتي وتفتُّحي عندما يحين الأوان، وهو مثل الأم لي وللبراعم المتموضعة إلى جواري على الغصن. ومن تجليات اسمي “الرحمن” و”المدبر”، فقد أمدّني ربي بموهبة تخزين المواد الغذائية داخل جذعي لسنة كاملة، فأتمكّن بهذه العملية من تخزين غذاء للاحتياط، وهذا يطمئنني عندما لا أستطيع تأمين الغذاء والماء بالقدر الكافي من التربة في تلك السنة، فلا أقلق ولا أخشى. إنه أمر يشبه عملية اختزان الدهون والغليكوجين في أجسامكم أنتم البشر، وذلك احتياطًا عندما لا تجدون شيئًا تتغذون عليه. ومن أجل ذلك، يُلاحَظ في فصل الربيع، دوران كبير للمواد والطاقة في جذوع النباتات المعمِّرة.

الإنسان: وهل ندرك ذلك نحن البشر؟

الورقة: طبعًا تدركون.. مثلاً، إذا قطعتم -في فصل الربيع- جذع شجرة “الزان” قبل تفتّح براعمها، فسوف ترون -بعد فترة- تفتَّح براعمها وتزيّنَها بالأورراق كاملة، والفضل يعود إلى المواد الغذائية المخزَّنة احتياطيًّا في جذع هذه الشجرة.

يعدّ الغصن الذي أتموضع عليه، بمثابة عضو يساعدني على التفتّح والانبثاق من البرعم، وبالتالي توجيه سطحي نحو الضوء. وقد يوجد داخل هذا العضو حُزَم كثيرة من الأنابيب؛ تنقل إلينا النسغَ والمعادن الموجودة في التربة.

وإذا تفحصتم سطحي بدقة فسوف ترون وجود خطوط نقل كثيرة تشبه نظام الدورة الدموية في أجسامكم. أما وظيفة هذه الخطوط فهي توزيع النسغ الغني بالمواد الغذائية العضوية واللاعضوية -التي تصلني عبر الغصن الذي يحملني- إلى كل أطراف جسمي. وقد تتم عملية النقل عبر حزم الأنابيب هذه الموجودة داخل العروق.

حين ننبثق -نحن الأوراق- من براعمنا؛ ترون الاختلافات في أشكالنا، وألواننا، وأشكال حوافّنا، وعدد عروقنا، ومساحات سطوحنا.. تمامًا مثل تنوعكم -أنتم البشر- بالطول والوزن والشكل والملامح والشخصية.

نتوزع إلى ثلاث مجموعات رئيسية؛ الأوراق الإبَرية، والأوراق الحرشفية، والأوراق المسطحة العريضة. والغريب في الأمر أننا رغم انبثاقنا من برعم واحد، نتحلى بأشكال هندسية مختلفة عن بعضها البعض، تمامًا مثل التوائم الأخوية غير المتشابهة.

عندما كانت الورقة تتحدث عن خلقتها العجيبة، تعلَّق نظر الإنسان بحوافّ الأوراق الخضراء التي تبدو وكأنها قطع بديعة موشّاة بالدانتلاّ؛ بعضها ملساء، وبعضها متزينة بالتواءات ونتوءات عجيبة، وبعضها الآخر أحيطت بالشوك.. فأخذ الإنسان يفكر ويتساءل عن الحكمة في ذلك! فكّر أنّ ذلك ربما كان لحكمة أيكولوجية ليس لها تفسير.. وفي نهاية المطاف خلص إلى أن كل هذا التنوع لا يمكن أن يكون إلا بقدرة قادر واحد خلق من اللاشيء كل شيء.

لاحظت الورقة شرود الإنسان في التفكير، رفعت صوتها قليلاً واستطردت في الكلام:

نعم يا صاح؛ إنَّ خلْقنا في أشكال متنوعة أمرٌ مهم للغاية؛ فقد وُهِبنا هذا التنوع ليصبح التعريف بخصائصنا ممكنًا. حين ترون -مثلاً- الأشجار ذات الأوراق الإبَرية، سرعان ما تطلقون عليها اسم “الصنوبر”، ولكن هناك أيضًا شجرة البيسية، والتنوب، والأرز، تنتمي إلى نفس المجموعة التي تنتسب إليها شجرة الصنوبر، ولكن كلها تختلف اختلافًا كبيرًا عن بعضها البعض.

لقد خلق الخالق العظيم الأحياء ووهبهم القدرة على التأقلم مع الظروف الصعبة للبقاء على قيد الحياة والحفاظ على النسل.

وإليك سرًّا آخر لهذا التنوع: في الوقت الذي تكون فيه أوراق الأغصان المنخفضة لشجرة البَهْشيّة، قاسية وشائكة، نرى الأوراق على أغصانها العالية ملساء طرية بلا أشواك، وبذلك تكون هذه الشجرة قد حَمَتْ نفسها من الحيوانات العاشبة بسياج وَرَقي طبيعي. إليك مثالاً آخر: ثمة أوراق في عالمنا تُعرَف بـ”أوراق الظل” و”أوراق الضوء” يختلف تركيبها الداخلي عن الخارجي بشكل بارز، وبالتالي يمكن أن يوجد كلا هذين النوعين الأوراق على نفس النبات، ولكن رغم اختلاف تركيبهما وطبيعتهما نراهما على النباتات العشبية تقوم دورَ أوراق الظل تارة، ودور أوراق الضوء تارة أخرى.

هذا وقد مُنحتْ أوراق الظل قدرة القيام بعملية التمثيل الضوئي -حتى وإن كان الضوء خافتًا- لكي يتم تجاوز احتمال انخفاض التمثيل الضوئي الذي قد ينجم عن انخفاض الضوء، وذلك بفضل التغيرات التي تقع في تركيب أعضاء التركيب الضوئي.

إن بعض الأنواع النباتية كـ”دالية العنب”، تحمل نوعين من الأوراق؛ لذا خُلِق بعضها بسطح عريض ولديها القدرة على القيام بعملية التركيب الضوئي لتجميع الجلوكوز، وخُلِق بعضها الآخر بميزة التسلق والالتفاف على شيء لحمْل عناقيد العنب إلى الأعلى؛ حيث يلتف هذا النوع من النباتات ذات الجذوع الواهنة العاجزة عن الانتصاب، على عمود ويتسلق، ليحمل الأوراق العريضة القادرة على إنتاج التركيب الضوئي إلى ارتفاع ملائم تلتقط خلاله الضوء بسهولة.

والجدير بالذكر أن هذه الداليات التي تبحث دائمًا عن مكان تلفّ عليه جذوعها الواهنة الضعيفة، قادرة على الدوران بزاوية 360 درجة، وإنها تجد ما ستلتف عليه في بضع دقائق فقط، وخلال 20 ثانية تشرع بالالتفاف والتمسك.

ازدادت بشَرة الورقة تألّقًا وإشراقًا باعتقاد أنها كشفت عمّا في ثناياها من عجائب، وقدّمتْ إلى الإنسان المعلومات الكافية التي تدفعه إلى التفكير والتأمل في خلق السماوات والأرض.

إننا بمثابة لوحة فنية منقوشة على أغصان آلاف الأنواع من النباتات، وإنَّ خلقنا بأشكال متنوعة وصور في غاية الانتظام والدقة والجمال، وإنَّ نوالَ المخلوقات الأخرى الحياة من خلالنا، وتعزيزَ الأغصان بعشرات آلاف البراعم بميزات عديدة، واصطفافَنا فوق الأغصان بمسافات محسوبة، وإنتاجَنا موادًّا غذائية للأحياء الأخرى عبر غاز خانق.. لهي جميعًا حقائق واضحة كوضوح الشمس تشير إلى صاحبها الواحد الأحد لا مناص.

(*) كاتب وباحث / تركيا. الترجمة عن التركية: محمد مراد.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.