“تحل بالأمل” عندما يقول لك أحدهم هذه الجملة، يكون مراده أن تشرق روحك وتقبل على الحياة بصدر رحب وعزيمة ماضية، فالأمل إذا ليس ترفًا بمقدورنا الإستغناء عنه ولكنه ضروري كالهواء، لهذا نكثر الحديث عنه بيننا وبين أنفسنا وبين من نحب، ودومًا نتحدث نحن عنه، ولكن لو حدثنا هو عن نفسه؟ لو كان الأمل رجلاً ماذا كان ليقول؟ وكيف كانت ملامحه الشخصية لتبدو؟ لهذا أنقل لكم حديثه الذي أسر به إليّ غير مبدل ولا محرف…

يقولون عنى رسول جديد *** خليل اليتامى نصير العبيد

يطل بليل كئيب فيغدو *** ضحوكًا لعوبًا كصبح وليد

وبين الدراويش أحيا كشمس(1) *** وبين الملوك تراني الرشيد(2)

وبين الرفاق ودود حنون *** وبين الحماة أنا ابن الوليد(3)

كما الصالحين أقوم الليالي *** كما العاشقين بجفن سهيد

وتلقاني حينا نسيمًا طليقًا *** وتُلفيني حينًا رميمًا بليد

ورغم السبات الطويل أقوم *** أطيش وأروى الظّمَا من جديد

ومن عاش دونى يعيش كَميْت *** ومن مات دوني فحَىّ شهيد

وكَفِّى كصخر شديد أصمٍّ *** وقلبي كقلب صَبىٍّ مَريد

تراني مطيعًا كقط أليف *** وصعب المراس كمُهر شريد 

وليس كمثلى صفىُّ طروب *** عفيف كطفل جميل وليد

تحييني شمس الوجود بشوق *** وبدر الليالي بأحلى نشيد

وتشدو القوافي بأوراد ذكري *** ويشقى لأجلي فؤاد القصيد

ونفحي لشعب بوصل رهيف *** كوجه الإله تجلى بِعيد

وحقًا وصالي شحيح ولكن *** أتبتاع نجمًا بسعر زهيد!

وإسمي بديع كزهر الربيع *** يجوب شذاه المجال البعيد

يراني الشيوخ بعيدًا كنجم *** يراني الصغار كحبل الوريد

يقولون صبرًا فلليوم يوم *** يليه وحتم الوصال أكيد

فتمضي الليالي سراعًا ويبقى *** رجاء ضعيف بقلب كديد

فتفني الخطوب بقاياي منهم *** وتُلقي مكان الحماس الجليد

فبادر وعش في سبيلي ولكن *** ببذل الغوالي وأنت السعيد

تصبر وكن في ودادي كصَبٍّ *** هواه أغر كفجر جديد

يَدُكُّ على العاذلين حصونًا *** ويبني لأجليَ قصرًا مشيد

وأقسم إني سأبقى عصيًّا *** عليك وقلبي كصخر صَليد

أجود عليك ببحر الوعود *** بخير وفير كحَبّ الحصيد

وشعري يُمَنّيك جنات عدن *** ونصرًا وعزًا ومجدًا تليد

ولكنّ قلبى خؤون ويومي *** يجيد الهروب كلِصٍّ عتيد

وتضني عهودي قلوبَ العذارى *** وتلهو بعقل الحكيم الرشيد

تريقون فيض الدموع لبُعدى *** أحب الدموع فهل من مزيد؟

هوامش

(1) شمس التبريزى رفيق الرومى.

(2)هارون الرشيد الخليفة العباسى.

(3)الصحابى خالد ابن الوليد.