وقع تحت يدي أوراقا بدت عليها سنون كنت قد نسيتها فيما نسيت أمسكتها بين يدي وقرأتها فأخذتني عبر الزمن الماضي حيث كنت بالسنة الرابعة بكلية الآداب، وبالطبع لا يهم العام حتى لا ينكشف المستور وكنت أهوى العمل الصحفي وإجراء الحوارات والتحقيقات فاستهواني موضوع تاريخ التعليم في مصر وكيف كان شكله ومن بدأه وقد استوقفني حينها مقولة العالم الإنجليزي جانسن في كتابه “الإسلام الحربي” عن أهمية التعليم الذي كان يأخذ شكل الكتاب  -ويسميه الفصل الدراسي- في تمتين وثبات الشخصية العربية وقال: “إن الدراسات التي أجراها الإنجليز والفرنسيون في بداية القرن العشرين حول هذا الموضوع لاحظت أن تعليم الطفل العربي له دور في تعزيز تماسكه وصلابته ،ففي طفولته المبكرة كان يتعلم القراءة اللغوية فيتقنها ولم يزد عمره على السادسة”..

والسؤال الذي توجهت به إلى أساتذة التربية عن شكل التعليم في مصر قديما أجاب الدكتور جمال الدهشان الذي كان حينها  أستاذ أصول التربية بحامعة المنوفية،  “بأن الكتاب يضرب بجذور عميقة حيث ظهر قبل الإسلام في مصر، وكان يتولى التدريس فيه الأقباط وكان يهتم بالعمليات الحسابية بشكل أساسي، وبعد ظهور الإسلام واهتمامه الكبير بالتعليم بدأ الاهتمام بإنشاء الكتاتيب ومع بدايتها اتخذت شكلين الأول: كان ينشأه المعلمون والآباء وكانوا يرسلون أولادهم لتلك الكتاتيب نظير أجر ويدفعون للمعلمين وكانت وسيلة يتكسب منها المعلم. والأخر:كان ينشاه الحكام والأغنياء وخصصوها لأطفال الفقراء والأيتام من المسلمين ولذلك سميت بكتاتيب الأيتام أو السبيل.

أما عن كيفية  تعلم الطفل الانضباط والسلوك المستقيم  أجاب الدكتور محمد عمارة الذي كان  أستاذا بجامعة الأزهر -رحمه الله- أن الطفل حينما يذهب إلى الكتاب في سن الرابعة تبدأ شخصيته في النضوج تحت يد الفقيه، هذا الفقيه يحفظ القرآن الكريم جيدا وهو صارم في أوامره وعندما يعود الطفل إلى منزله لا يخوفونه بأبيه وأمه وإنما يخوفونه بعصا الفقيه، زيدي على ذلك أن الفقيه هو الإمام في الصلاة، فكان الطفل يحرص على إرضاء معلمه فكان ينخرط في سلك المصلين، ثم كانت طريقة حفظ القرآن الكريم طريقة سليمة يكتب جزء من القرآن بيده وهذه معاناة في حد ذاتها ثم يقرأ على الفقيه قراءة صحيحة ثم يبدأ اليوم التالي ليحفظه، وتلك أحدث طريقة في علم النفس.

يضيف الدكتور جمال أن الكتاتيب لم يغلب عليها القسوة -كمايزعم البعض-ولكن ما يجب أن نلتفت إليه أن كثيرًا من الكتاتيب كانت مقرونة بالأبوة، وحينما نقرأ شروط بعض الكتاتيب الخاصة والتي وصلت إلينا، نجد أنها تضمن قواعد ندعوا إليها الآن وهي أن تبدأ بالثواب أولا ولا يلجأ المعلم إلى الضرب إلا إذا استنفد الوسائل الأخرى وكانوا يلجأون إلى الضرب للسلوكيات التي كانوا يعتبرونها انحرافات خطيرة مثل ترك الصلاة والكذب والسرقة، أي إنها لا ترتبط بشكل العملية التعليمية من خفظ وغيره بل يتجاوز الأنر من حدود التعليم إلى حدود التربية.

كيف تكون العودة؟

رأى الدكتور محمد رحمه الله أن الخطوة الأولى على طريق الإصلاح تبدو قي إبراز الكتاب في صورته القديمة، ويهتم بالفقيه باعتباره محور العملية التعليمية.

ورأى الدكتور الدهشان على الرغم من منطقية هذه الدعوة إلا أننا نقع في تناقض وهو أنه لا يمكن أن نستخدم حلولاً في عصر سابق لعصر لاحق؛ لأن ظروف العصر متغيرة، ولكن من الممكن أن نستفيد من تاريخ التجربة، بمعنى أن أقدم التجربة وأن أخذ المبدأ العام بها، والمبدأ العام من الكتاتيب هو أن المؤسسات ينبغي في تدريسيها أن تعتني بما يرتبط بدين المجتمع وثقافته، والكتاب نجح لأنه مرتبط مباشرة بمعتقدات المجتمع ولأنها كانت تتسم بالسمة الدينية، فالاستعلنة بعلوم الحاسب مطلب ضروري بالإضافة إلى ذلك أن نؤهل المعلم أو الفقيه تربويا ونفسيا ليفهم شخصية الطفل، فالكتاب نستعيده بروحه وليس بجسده.