إن من بين أهم شعب الدين الإسلامي، شعائر عظّمها الله تعالى من فوق سبع سماوات، ومقدسات زمانية ومكانية مرتبطة به ارتباطًا وثيقًا، احترمها الإسلام وعظمها وقدرها حق قدرها.. لكن -ومع مرور الزمن- ظهرت بين الفينة والأخرى آراء شاذة، وسُمعت أصوات ناشزة تستنقص من قدر تلك الشعائر، وتحط من قيمة مقدسات الدين الإسلامي استنادًا إلى دعاوى واهية وتأصيلات وهمية. وما ذلك إلا من أجل المساس بالإسلام وتصغيره في عيون الخلق وتشويه صورته الناصعة الحقيقية.. إلى أن ظهرت في أيامنا هذه اعتداءات على القرآن الكريم لفظًا وفعلاً، وعلى رسول الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم بشتى الطرق والأساليب، وعلى غيرهما من مقدسات الإسلام وشعائره.
وفي ظل تعدد الإساءات وتكاثرها، وبغية التنويه والتنبيه لخطورة الأمر وفداحته، نظمت مجلتا “يَني أُمِيت” (Yeni Ümit) التركية، وحراء -ذات المنبع التركي الناطقة بالعربية- مؤتمرًا دوليًّا تحت عنوان: “تعظيم الشعائر واحترام المقدسات في الإسلام”، وذلك يوم السبت 6 صفر 1436 يوافقه 29 نوفمبر 2014 بمركز فرات الثقافي بإسطنبول تركيا.
بدأت فعاليات المؤتمر بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، بصوت القارئ مصطفى يغيت، ثم أتبعه الدكتور أركون جابان رئيس تحرير مجلة يَني أميت التركية، بكلمة ترحيب بالضيوف الذين شرّفوا المؤتمر وزينوه بحضورهم، والذين قدموا من مختلف دول العالم؛ من تركيا والهند وتونس والمغرب والأردن والسودان والسنغال وموريتانيا.. ثم عرّج على تبيين المواضيع والمحاور الرئيسية التي سيتناولها العلماء والأساتذة المشاركون في المؤتمر.
أحيلت الكلمة للكاتب التركي علي بولاج في مستهل الكلمات الافتتاحية، فتحدث عن الأزمات التي يعيشها العالم اليوم عمومًا، والعالم الإسلامي بالخصوص، حيث بين بولاج أن “العالم الإسلامي اليوم يدفع فاتورة النزاع الموجود في العالم بأسره”.. وأكد في هذا الصدد على وجوب اعتماد المسلمين على أنفسهم في حلّ إشكالاتهم وحلحلة قضاياهم الشائكة بالرجوع إلى تراثهم الأصيل، ويشفِّعوا ذلك بقوة العلم منهجًا وموضوعًا.
واعتمد المفكر السوداني الدكتور حسن مكي في كلمته التي ألقاها، على وصف مشروع الخدمة على أنه الشمعة التي تقهر ظلام الفتنة والطائفية المنتشرة اليوم في العالم الإسلامي انتشار النار في الهشيم، فمشروع الخدمة -تحت لواء الأستاذ فتح الله كولن- يوقد شموع الأمل والتفاؤل بدل أن يلعن ظلام اليأس والقنوط، فشباب الخدمة يرفعون كلمة “الله أكبر” في سبيل الله تعليمًا للناس وتنويرًا لهم، لا مقاتلة لهم وفتنة.
هذا وقد أكد فضيلة الشيخ طاهر فال من السنغال، أن فكر الأستاذ فتح الله كولن علّم الناس الحب والاحترام، “وإنا لنرسل له كل تقديرنا واحترامنا نيابة عن كل السنغاليين”.
وفي كلمة ألقاها الشيخ عبد الله بن مدني من المغرب، بين فيها أن الأمة الإسلامية بحاجة ماسة اليوم إلى الالتفات نحو شعائرها ومقدساتها لأنها روح الأمة، لذلك عليها أن تطوّر قدراتها الذاتية لتكون حقًّا خير أمة أخرجت للناس، ولتتمكن من إخراج الناس والعالمين من وطأة التخبط من أيديولوجية إلى أخرى. وفي ما تعلق بموضوع المؤتمر، بيّن الشيخ بن مدني أن لتعظيم الشعائر ثلاث خصائص؛ وهي استعادة أشواق الفطرة، وحماية المقدسات من حماية البشرية، وإدراك الرؤية الجمالية في الحياة.
ومن الهند قدِم مولانا “حميد الله لُونَه” الذي استفاض في كلمته حول موضوع إحياء القيم الإسلامية وبعثها من جديد لتغدو ديدن الناس؛ بها يتعاملون ووفقها يعيشون، وأكد أن هذا الإحياء يقع على عاتق الشباب والجيل الجديد فهم ثروة الأمة وكنزها الثمين، يجب أن لا نفلتها ولا نضيعها بأفكار متطرفة، بل بالسلام والحب والعلم نستثمرها.

المحاضرة الافتتاحية

المحاضرة الافتتاحية قدمها الدكتور خليل النحوي من موريتانيا، حيث نوّه فيها إلى أن المؤتمرات العالمية التي يعقدها أبناء مشروع الخدمة، هي بمثابة عالم مصغر؛ ففيه تجتمع كل الجنسيات والأعراق وتلتقي في جو إنساني أخوي. ثم تطرق الدكتور النحوي إلى مظاهر تقليل احترام وتقدير اسم الجلالة “الله” الذي يعتبر أقدس مقدسات الإسلام، ولفت الانتباه إلى أمر تقني بسيط لكنه اعتبره عظيمًا؛ وهو ما هو مألوف في كتابة اسم الجلالة في الكمبيوتر، فمن الملاحظ أنه كلّما كُتبت كلمة “الله” في جهاز الكمبيوتر تضاءلت الحروف، وكلما أضيف أي حرف للفظ الجلالة عادت الحروف إلى حجمها الطبيعي، وختم بقول الله تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ((النور:15).. وأردف الدكتور خليل النحوي قائلا: “إن من أهم المقدسات التي أهملناها ولا نؤديها حق النصرة، بيت المقدس الذي يدنسه الصهاينة اليوم، ويشوهون صورته التاريخية الإسلامية”. وأضاف أن الاحترام في الإسلام يتعدى المقدسات إلى جميع المخلوقات، فالرسول صلى الله عليه وسلم جعل حرمة الشجر بحرمة النساء والأطفال في نصيحته لجيوشه الفاتحة.

الجلسة العلمية الأولى

ترأس الجلسة العلمية الأولى الدكتور سعاد يلديريم من تركيا، وشارك فيها كل من الدكتور محيط مرت، والدكتور محيي الدين أق كول، والدكتور علي إحسان ييتيك من تركيا. ابتدأ الدكتور محيط مرت مداخلته بالبُعد التربوي لاحترام الشعائر والمقدسات، ودعا إلى وجوب إدراج ما يدعو إلى احترام الذات الإلهية والمقام النبوي، وغيرهما من المقدسات ضمن المناهج التعليمية، وأكد على أن نشر وتعليمَ تعظيمِ المقدسات الإيمانية والعقدية، مهمّة تربوية جليلة وواجبة، وضرب مثلاً وأنموذجًا لذلك العلماء الربانيين الذين إذا أوردوا في حديثهم الذاتَ الإلهية أو سيّدَ الأنام محمدًا صلى الله عليه وسلم خشعوا ووجلوا واستحضروا كل معاني الاحترام والتعظيم.
وفي المداخلة الثانية من الجلسة العلمية الأولى، وضّح الدكتور محي الدين أق كول، أن منهج القرآن الكريم واضح في ذكره للأنبياء، فهو يحترمهم أثناء ذكرهم ويبجلهم، فوجب التدقيق دومًا في تأويل الآيات المتعلقة بمقام النبوة في القرآن الكريم، فليس من اللاّئق تفسيرها بما لا يرتقي إلى المقام العلي للأنبياء والرسل عليهم السلام، وهذا يقع على عاتق العلماء والمعلمين الذين عليهم أن يرسموا الطريق الموصل للناشئة لتعظيم ما عظّم الله، ويَقدروه حق قدره.
وفي مداخلة بعنوان “احترام الآخر في الإسلام”، عرَض الدكتور علي إحسان ييتيك بشكل عام، مقارنة بين الأديان في موضوع الإنسان من حيث قيمته وجزاؤه وعقابه، ثم استخلص أن الدين الإسلامي أرقى الأديان في نظرته وتعامله مع الإنسان، فقيمة الإنسان فيه مرتبطة بمدى تقواه وارتباطه بتعاليم المولى عز وجل.

الجلسة العلمية الثانية

في الفترة المسائية للمؤتمر، انطلقت الجلسة العلمية الثانية والتي ترأسها الدكتور حسن المناعي من تونس، وشارك فيها كل من الدكاترة جنيد أرن من تركيا، ومحمد خروبات من المغرب، وسليمان الدقور من الأردن.
استهل الجلسة الدكتور جنيد أرن بمداخلة بعنوان “القرآن وتعظيمه في الإسلام”، فبيّن أن العلاقة بين الجمرة وقابضها -في اللاّفتة الرسمية للمؤتمر والتي تشير إلى حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم- علاقة حماية وتوفير أمن، فالجمرة في الصورة بمثابة الدين الصاف الصحيح، واليد الممسكة بها تعتبر يد المؤمن المخلص الذي يعتقد أنه عليه -وجوبًا- حماية الدين من التشوية والتلبيس والتزييف، فمهما كان هذا الدور خطيرًا ومحرقًا ومؤلمـًا، فإن القيام به أمر لا مناص منه. ثم بين الدكتور “أرن” أن المفتاح الأساسي لفهم كلام رب العالمين مقترن بعملية التحول من القراءة المجردة للقرآن الكريم إلى قراءته قراءة عرض وتكليف، أي أن المسلم مكلّف بأن يعرض نفسه وأعماله على تعاليم القرآن الكريم وأوامره دومًا، وأن يكلف نفسه بتأديتها والالتزام بها في حياته.
هذا وقد تعرض الدكتور محمد خروبات من المغرب في مداخلته “مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام” إلى ظاهرة الاستهزاء بالمقدسات الإسلامية، ووَصَفها أنها أصبحت ديدن المغرضين طوال التاريخ.. وبيّن كذلك أن تعظيم الشعائر واحترام المقدسات الإسلامية لا يحتاج إلى كثير من علم ومعرفة، بل إلى تربية وتنشئة على أخلاق تقدير الآخر وتقبّله واحترامه. ثم لفت المحاضر الانتباه إلى أن ظاهرة الاستهزاء والتنقيص التي تطال الشعائر والمقدسات الإسلامية، لا تقتصر على أعداء الإسلام من المشركين فحسب، بل تجاوزتهم إلى أبناء المسلمين، وهذا أمر جلل وخطير ينم عن نقص في تربية الأجيال المسلمة وتعليمها.
ومن المغرب إلى الأردن، إذ تناول الدكتور سليمان الدقور موضوع “مكانة العالِم في الإسلام”، وبدأ من حيث انتهى منه سابقه الدكتور خروبات، حيث أكد على أهمية التربية في احترام المقدسات والشعائر، وعلى أن غير المسلمين يربون أبناءهم وينشؤونهم على احتقار المقدسات الإسلامية والتشكيك فيها، فعلينا أن ننشئ أبناءنا على التمسك بشعائرهم وتعظيم مقدساتهم لئلا تجرفهم التيارات الفكرية المعادية.
ومن المداخل التربوية التي على المعلمين والمربين اعتمادها، معرفة أسباب عدم توقير وتعظيم الشعائر والمقدسات، فمن أهمها -مثلاً- تعدد وتداخل وسائل التلقي عند الناشئة اليوم، فالمعلومة المعروضة مجانًا على الإنترنت مؤثرة، والتواصل اللاّمحدود بين جميع التيارات الفكرية والأيديولوجية عبر الإنترنت دون ضبط وتوجيه، له الأثر البالغ كذلك.

الجلسة العلمية الأخيرة

ترأس الجلسة الأخيرة الدكتور عثمان قاشقجي من تركيا، وشارك فيها كل من الدكاترة عبد الله الصيفي من الأردن، وعبد الحكيم يوجه، وعلي بوداق من تركيا.
تناول الدكتور علي الصيفي موضوع “دور أئمة المذاهب في فهم الدين”، وبيّن من خلاله أن الأنبياء لم يَمنحوا أحدًا شرف وراثتهم غيرَ العلماء الربانيين، فمن البديهي توقيرهم واحترامهم.. ثم استعرض الدكتور الصيفي عديد المواقف والقصص الواردة في التراث الإسلامي، عن مظاهر توقير أئمة المذاهب الأربعة لأساتذتهم وأئمتهم، ولبعضهم البعض أيضًا.
هذا وقد بين الدكتور عبد الحكيم يوجه في مداخلته “موقع الإرشاد الروحي في الإسلام وأهميته”، أن الأمة في حاجة ماسّة اليوم لمن يقودها معنويًّا قيادة حكيمة رشيدة، فقد افتقدت للأصوات المتوازنة الجامعة غير المفرّقة التي تعمل على المتوافق في الإسلام لا على المختلف فيه، قادة روحيين يأخذون بيد البشرية الحائرة إلى برّ التسامح والتآخي والعيش المشترك.
وفي المداخلة الأخيرة انتقل الدكتور علي بوداق بالحاضرين إلى “ضوابط المناظرة وآدابها”، ووضح أن المناظرة أمر لا مناص منه، ولا شِيَةَ فيه إذا كان منضبطًا بالضوابط التي وضعها الإسلام للمناظرة والنقاش، وعلى رأسها قول الله تعالى في محكم تنزيله: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(النحل:125)، فالمناظرة البناءة تعتمد على الاحترام المتبادل وتقبل الآخر، والابتعاد عن ادّعاء الحق المطلق، والتواضع، وكل هذا من الأخلاق الإنسانية التي أقرّها الإسلام.
وبانتهاء المحاضرة الأخيرة في المؤتمر، يكون الحاضرون والمشاركون قد جمعوا وأحاطوا بموضوع تعظيم الشعائر والمقدسات من مختلف جوانبه ونواحيه، وقد أكّد على هذا، الدكتور أركون جابان رئيس تحرير مجلة يَني أميت التركية في كلمته الختامية، كما نوّه إلى الخطوات العملية والتوصيات التي خرج بها المؤتمر، وشكر كل القائمين على إنجاحه وتنظيمه على أحسن ما يرام. والله الموفق والمستعان.
(*) كاتب وصحفي جزائري.

Leave a Reply

Your email address will not be published.