قبل سنوات قليلة كان الحديث عن الصحة يتمحور حول اتباع نظام غذائي معيَّن، وممارسة الرياضة بصورة منتظمة، والإقلاع عن التدخين والكحول.. ولقد أضاف العلماء “النوم” إلى هذه القائمة في أيامنا هذه؛ كجزء مهم يسهم في الحفاظ على الصحة، ويقي الإنسان العديد من الأضرار البدنية والنفسية.
نعم، النوم بمثابة شاحنٍ يملأ المرء طاقة، ويشحذ دماغه وجسمه قوة تساعده في القيام بمهامه اليومية بكفاءة عالية. وبالتأكيد فإن الحصول على قدر كاف من النوم، أمر مفيد لنكون أكثر صحة ولنشعر بنشاط أكبر أثناء النهار. ولكن رغم معرفة ذلك، فكثير من الناس حول العالم يعانون من مشاكل عديدة متعلقة بالنوم والراحة البدنية.
لا شك أن فترة النوم الصحية تختلف من شخص إلى آخر، علمًا بأن الاستيقاظ المتكرر في الليل يزيد مدة النوم عند الإنسان، ومن ثم يؤدي إلى اضطرابات وإرهاق في البدن والحالة الروحية. كما أن عدم النوم يعيق على الدماغ تأدية وظائفه التي يقوم بها أثناء فترة النوم، ويزيد من الوزن. بيد أن النوم الكافي يقوي الذاكرة ويؤثر تأثيرًا إيجابيًّا على التعليم والتعلّم، وينظم شهية الإنسان في الطعام.
والجدير بالذكر أن كفاية النوم يعد أمرًا لا غنى عنه للتغلب على أمراض واضطرابات الجسم، ولذلك فالأطباء يقومون بتنويم مرضى العناية المركزة من خلال الأدوية، لا سيما مرضى النزيف الدماغي والنوبات القلبية. وتشير الدراسات إلى أن النوم يعدّ ضروريًّا لتعافي جروح ما بعد العمليات الجراحية، ولهذا السبب يقلّص الأطباء فترات الزيارة حتى يأخذ المريض كفايته من النوم ويتعافى سريعًا.
في أثناء النوم يقوم الجسم بالتقليل من وتيرة عملية الأيض وتوجيه أغلب طاقته لمعالجة الدماغ والجسم، فالنوم يعد النظام المثالي لإصلاح وترميم أي جزء متضرر في الجسم. وقد كشفت الأبحاث العلمية أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات النوم يكونون أكثر عرضة للأمراض لا سيما مرض الزهايمر والخرف، حيث إن عدد الخلايا العصبية مهمة للذاكرة، علمًا بأن هذه الخلايا تقل مع تقدم عمر الإنسان، وتضعف ذاكرته، ولا يُتمكَّن من التغلب على ضعف الذاكرة الناتج من ضعف الشبكة العصبية في دماغ الإنسان إلا من خلال النوم الصحي. هذا وتؤكد الدراسات العلمية وجود علاقة بين اضطراب قلة النوم، والاكتئاب ومرض السرطان؛ فجهاز مناعة الإنسان يتدهور لدى من يعانون من قلة النوم، ولا يمكن لجهاز المناعة أن يجدد نفسه أو يقوي من آلية الدفاع عنده إلا أثناء النوم.
ومن المؤكد أن القهوة والشاي ومشروبات الطاقة، وكل المشروبات التي تحتوي على الكافيين، تمنع القدرة على النوم، ولذلك فإن فنجان القهوة أو كوب الشاي الذي يتناوله الإنسان وقت الظهيرة، قد يسبب له مشاكل في النوم ليلاً، وكذلك فإن تناول وجبة عشاء تحتوي على كميات كبيرة من البروتين أو الدهون، يؤدي إلى اضطرابات في النوم أيضًا.
ساعات العمل
بعض الأشخاص -ووفقًا لظروف عملهم الليلية- يضطرون للنوم نهارًا، ولقد تبيَّن أن الأشخاص الذين يعملون ليلاً لفترات طويلة، مثل الأطباء والممرضات ورجال الشرطة، يعاني الكثير منهم من مشاكل أمراض القلب، وكذلك يحدث لهم -أحيانًا- خلل في وظائف الدماغ. فقلد خُلقت أدمغتنا وفقًا لنظام النوم مساء، والعمل والاستيقاظ صباحًا، ولذلك فالأشخاص الذين يسهرون لساعات متأخرة من الليل، يعانون من مشاكل صحية؛ حيث يؤدي النوم صباحًا بعد السهر، إلى عدم القدرة على النوم في الليلة التالية. ولا ننسى هنا ذكر ما يؤكد عليه الأطباء من أن القيلولة وقت الظهيرة تعد أمرًا عمليًّا، حيث يستعيد الإنسان نشاطه الصباحي، والفضل يرجع إلى عملية إعادة تنظيم الهرمونات التي يقوم بها الجسم.
إن ساعة الجسم الحيوية مرتبطة بشروق وغروب الشمس، ونمط الحياة الحديث يؤدي -عند معظمنا- إلى قلة الاستفادة من أشعة الشمس في النهار، وإلى كثرة التعرّض لأشعة الأجهزة الإلكترونية أثناء الليل، الأمر الذي يؤثر بصورة مباشرة على مواعيد النوم، بينما كثرة التعرض لضوء الشمس والتقليل من التعرض لأشعة الأجهزة الإلكترونية أثناء الليل، يساعد في ضبط مواعيد النوم ويمكّننا من النوم مبكرًا.
نظام دقيق للاستيقاظ
أحد أهم شروط الحصول على نوم صحي، هو الالتزام بمواعيد معينة ودقيقة للنوم وللاستيقاظ، فيجب على الإنسان أن يستيقظ في نفس الوقت يوميًّا وبغض النظر عن الساعة التي نام فيها ليلاً. والقاعدة العامة هي أنه على المرء الاستيقاظ في نفس الوقت بدون استثناء لنهايات الأسبوع أو العطل.
عندما يكون الإنسان منهكًا جسديًّا يصعب عليه الغرق في النوم، لذلك ينصح الأطباء بتجنب القيام بأعمال جسدية شاقة قبل عدة ساعات من النوم. ويعتقد الكثير أن قراءة الكتب ومشاهدة التلفاز مستلقيًا قبل النوم، تساعد على الاسترخاء والدخول في النوم، ولكن هذا الاعتقاد خالٍ من الصحة؛ فهذه النشاطات يجب أن تتم بعيدًا عن غرفة النوم، فأسرَّة النوم يجب أن تستخدم للنوم فقط، كما ثبت أن النوم في أماكن غير المكان المعتاد، يؤثر سلبًا على نوعية النوم وكفاءته.
إن المقيمين في المدن الكبيرة، يستيقظون مبكرًا جدًّا في الصباح لكي يذهبوا إلى أعمالهم، ويعودون إلى منازلهم متأخرين نتيجة الازدحام المروري أو سبب آخر، وهذا بطبيعة الحال يؤخر عليهم ساعة النوم ثم يستيقظون باكرًا للذهاب إلى العمل، مما يؤدي إلى الأرق الشديد عندهم ولا يتيح للجسم شحن نفسه واستعادة طاقته من جديد. ولقد أظهرت بعض الدراسات أن التأخر في الاستيقاظ يزيد من نسبة تعرض الإنسان لمشاكل صحية ترافقه مدى الحياة.
وهناك بعض المعايير التي من الممكن أن تقلل من الأضرار السلبية لاضطرابات النوم؛ فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون هناك مرونة أكثر بالنسبة لمواعيد العمل، تسمح للموظف بأن ينام باكرًا ويذهب إلى العمل باكرًا ولكن بحيوية أكبر تنعكس على كفاءته وإنتاجه اليومي.
النوم مهم لحيوية الجسد
من المتعارف عليه أن النوم فترة للراحة الجسدية، إلا أنه في الآونة الأخيرة اكتشف العلماء والمتخصصون في اللياقة البدنية، أن النوم مهم جدًّا للياقة الجسم، لأن الجسم يقوم بإفراز هرمونات النمو خلال فترة النوم العميق، لذلك ينبغي الحرص على النوم العميق غير المتقطع، ولا سيما عند الأطفال.
وضعيات النوم
إن وضعية النوم تعد مهمة خاصة لكبار السن، فيجب أن يتم النوم في وضعية يكون الجسم فيها مرتاحًا لأقصى درجة؛ فراحة القلب -مثلاً- تتوفر عند النوم على الشق الأيمن، ففي هذه الوضعية يتنفس الإنسان عبر فتحة أنفه اليسرى، وهو ما يمكّن الجهاز السمبثاوي من الاستراحة، ويفتح مجال عمل الجهاز الباراسمبثاوي، وعندما يحدث ذلك يتمكن الإنسان من النوم سريعًا. ومعظمنا يعرف أن السنة النبوية الشريفة أشارت إلى أهمية النوم على الشق الأيمن وتأثيره على صحة الإنسان قبل أربعة عشر قرنًا.
إن العديد من الدراسات العلمية التي ظهرت في السنوات الأخيرة، تشير إلى أن المعالجة بالحجامة وتدليك القدم تزيدان من كفاءة النوم؛ حيث إن هاتين الطريقتين تساعدان على إفراغ الكهرباء الموجودة في جسم الإنسان، وتساعد على تقليل التوتر النفسي وهو ما يسهل الغرق في النوم والسبات العميق.
إن الإفراط في النوم يعادل خطورة قلّته؛ فقد وجد العلماء أن الذين ينامون أكثر من ثماني ساعات يوميًّا، أكثر عرضة لخطر الإصابة بالنوبات القلبية. وفي دراسة نرويجية وجد أن النوم أكثر من ثماني ساعات يوميًّا أو أقل من أربع ساعات يوميًّا، يزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية. لقد قامت الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا بهذه الدراسة التي طُبِّقتْ على خمسين ألف حالة تتراوح أعمارهم بين 20-89 سنة، واستغرقت أحد عشر عامًا.
كانت النتيجة النهائية للبحث، أن الأشخاص الذين ينامون لأكثر من ثماني ساعات يوميًّا، وكذلك الذين ينامون أقل من أربع ساعات يوميًّا، أكثر عرضة للوفاة بالنوبات القلبية بنسبة 35% مقارنة بمن ينامون فترات تتراوح ما بين 6-8 ساعات يوميًّا.
إذن، على كل شخص أن يأخذ كفايته اليومية من النوم، إنه أمر جوهري للمحافظة على الصحة البدنية والروحية للإنسان، بالإضافة إلى أن الاستراحة وقت القيلولة لفترة تتراوح ما بين ساعة إلى ساعة ونصف تعد مفيدة للغاية. كما أن النوم الزائد يؤدي إلى تخدير العقل، ويجلب الكآبة إلى القلب، وقد يؤدي بالإنسان إلى عدم القدرة على اتخاذ القرارات السليمة، علمًا بأن النوم بعد تناول الطعام مباشرة، قد يؤدي إلى مشاكل صحية من ضمنها السمنة والبدانة.

(*) كاتب أكاديمي تركي. الترجمة عن الإنكليزية: صالح القاضي.