يعد شعر الهايكو ضربًا من ضروب الشعر الياباني، ويتميز بقدرته على التعبير عن الأحاسيس والانفعالات التي تنتاب الإنسان أمام مواقف معينة.. شعر عميق عبر ألفاظ قليلة العدد بسيطة واضحة الدلالة.
وبفضل تقدم وسائل الإعلام وازدهار الترجمة، تمكن الكتاب بالعربية من الانخراط في هذه التجربة الإبداعية مع جعلها تلائم رؤيتهم الإبداعية، ولم يلتزم بعضهم بالقالب المعروف في الهايكوي كما درج عليه شعراء اليابان. وقيل إن السباق إلى كتابة قصيدة الهايكو هو الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، الذي ما يزال مخلصًا لكتابة هذا النوع من الشعر بعد أن بدأه بقصيدة هايكو تانكا.
فريد الأنصاري كاتب مغربي متنوع وغزير الإنتاج، ويأتي ديوانه “إشارات” ضمن مؤلفاته الأدبية الإبداعية، ومنها ديوان القصائد، وديوان جداول الروح، وديوان مشاهدات بديع الزمان النورسي، وديوان المقامات، وديوان المواجيد.. وبذلك يكون الشاعر ذا قدم راسخة في مجال الكتابة الشعرية.
الديوان مرصع بقصائد قصيرة عميقة تحمل النبض والفكرة وبُعد النظر، قصائد كثيرة قصيرة يسيرة النسج جميلة الإيقاع، تختزل الرؤية الواسعة في عبارات قصيرة فهي أشبه بالقصة القصيرة جدًّا من حيث الإدهاش والترميز والتكثيف والاستعارة.. والقصائد المتضمنة في الديوان كثيرة، منها إشارة، شروق، سكينة، بشارة، اللقاء، توبة، ميلاد، المساء، المصير، السحر، السفر، وصفة، العاصفة، حنين، السجين، الصلاة، الشهيد، الجهاد، العمى، التوحيد، الندى، القيام، المستحيل، الشهادة، العطش، الحيرة، ركون، دعاء، حسرة سلام، رجاء، حقيقة.
عناوين تحيل على المعجم الديني والوجداني والنباتي وهو الغالب عليها.. والديوان بذلك مفعم بالاستعارات من حقول معجمية متنوعة، جعلته ديوانًا جذابًا يعمق الرؤية إزاء مظاهر الطبيعة العاكسة لأحوال ومصائر الإنسان.
قصة الديوان
استهل الكاتب بقصة ديوانه مشيرًا إلى كونه وهو طالب بكلية فاس يتابع مجلة الدوحة، ليقرأ في أحد أعدادها عن الشعر اليباني المعروف بالهايكو، في مقال للدكتور محمد المسيري تحت عنوان “الهايكو قصة أقصر قصائد الشعر في أدب العالم”. وقد جذبه إلى هذا النوع من الشعر، ما يتميز به من خصائص رفيعة تجعله أشبه بالقصة القصيرة جدًّا من حيث القدرة على إبراز قضية واحدة بسيطة غير مركبة. فقصيدة الهايكو عبارة عن لمحة أو إضاءة ذات موجة واحدة تكفي لإيصال إحساس بسيط وعميق في نفس الوقت إلى المتلقي في أقل لفظ ممكن، وبأعمق موجة وجدانية ممكنة.. ومضة واحدة كافية لإشعال غابة من التداعي الفني الجميل، مما لا يمكن إشعاله -عادة- إلا بقصيدة ذات مقاطع ومقاطع.
أضف إلى ذلك أن الهايكو شعر يقوم على توظيف عناصر الطبيعة على غرار الشعر الرومانسي، لكن في صورة جمالية أقرب إلى الرسم الانطباعي الذي ينبض بالحياة المتدفقة. أما المضمون فغالبًا ما يميل إلى رسم فكرة دينية كما هي في التصور البوذي، إذ إن منشأ هذا الضرب من الشعر ديني أصلاً.
على ما سبق بنى الشاعر فكرة ديوانه “هايكو إسلامي” أو شعر الإشارات. ويشير إلى كونه لم يلتزم التزامًا صارمًا مع مقاييس وضوابط الهايكو ولا الشعر الإشاري الصوفي شكلاً ومضمونًا.
إطلالة على قصائد الديوان
يتخذ الشاعر الطبيعة مرتعًا للتعبير عما يراه يجري بين عناصرها، وكأنها أحياء آدمية يجري بينها ما يجري بيننا ونحن نتواصل في مجتمع تطبعه مواقف تستوجب إصدار التصرفات المتنوعة والمشاعر المختلفة. فالطبيعة في الديوان ملاذه في التعبير عن اللحظة وما تحميله من المثيرات الحسية والتأملية التي تفيض بها مظاهرها ومشاهدها.. ولا ننسى أن الهايكو في أصله يتخذ الطبيعة منبعًا للتعبير الشعري الخاطف المسجل لانطباع ودفء اللحظة. إنها الطبيعة الحضن الجميل الذي أودع فيها خالقها البديع سبحانه مكامن البهاء وسحر الجمال المتجدد في كل وقت وحين؛ السماء بغيومها ونجومها وشمسها الذهبية وقمرها البهي، والأرض وأزهارها وبحارها وأنهارها وأطيارها وأشجارها وتضاريسها المتنوعة.. مظاهر أخاذة تستحق منا التوقف قصد التأمل العميق في خباياها.
ولأن الشاعر على غرار غيره من المبدعين تستميلهم مظاهر الطبيعة بما تحمله من أسرار، فقد وجد في الطبيعة مجالاً فسيحًا للتعبير عبر الهايكو المرتبط بالبيئة، وما تحمله من كائنات ومشاهد تجعل الروح مفعمة ببهاء اللحظة ومعالم الجمال.. يقول الشاعر في قصيدة “إشــــارة”:
غصن الليل الساجي يوقظ بالأنداء الولهى أسحاره
ويسافر عبر الريح إلى الفجر الأخضر ميادا
فلعل براعمه تكسب من قنديل الوارد أنواره
آه يا غصن ألا ما أوحش هذا السير المدلج فردا
فغيوم الحزن القاتل ما زالت تحجب أقماره
يا غصن أبسط أشواقك أجنحة حتى تومض بارقة الأمطار
واحفظ عني: تلك لدالية الأنس إشارة.
نص جميل وعميق يجعل الغصن في رحلة نحو البحث عن ملاذ يخرجه من ربقة الحنق المستبد به، فيسافر عبر طريق يغشاه الظلام مشتاقًا يروم بارقة أمطار هي أمله وأربه، وهنا يشخص الغصن ويؤَنْسِنُه ليصير كائنًا آدميًّا يفعل ويطمح ويرحل من أجل تحقيق مراده.
يقول في قصيدة “سكينة”:
مهما تدوي في الليالي يا رعود العاصفة
وتروعي الأطيار في أوكارهن الراجفة
يبق السكون بروضتي يلقي الظلال الوارفة
فأنا “الخليل” بناره: رقي القلوب الواجفة
هذا النص يذكرنا بنص “ميخائيل نعيمة” المعروف بين طلاب المدارس في كل الوطن العربي، ومنه قوله:
سقف بيتي حديد ركن بيــتي حجــر
فاعصـفي يـا رياح وانتحب يا شجر
واسبحي يا غـيوم واهطـلـي بالمـطـر
واقصفي يا رعود لست أخشى خطر
إلى أن يقول:
لست أخشى العذاب لست أخشى الضرر
وحــلـــيــــفــــي القــضاء ورفــــيــــقـــــــي القــــدر
فكلا الشاعرين حاولا تحدي الضجر، وإنشاء عالم يفضي إلى السكينة والطمأنينة باستحضار الجانب الديني المفعم بقصص من تجاوز تخوفاته، ليعيش في أمن ما دام القدر يتحكم في كل الوقائع التي تطرأ في عالمنا.
فمهما “تدوي في الليالي يا رعود العاصفة، وتروعي الأطيار في أوكارهن الراجفة”؛ فالشاعر أشبه بالخليل إبراهيم ؛ المشهور عنه أنه بعد تحطيم الأصنام أمر النمرود بحرقه، لكنه خرج من النار بلا أذى.
في قصيدة “توبة” يقول:
في بطن الحوت أنادي: وَا نَدمي!
رباه أيشرق نور في ظلمي؟
شجر اليقطين دواؤك يا سقمي!
بشرى خضراء تفتحُ في حلمي.
فقد استلهم نصه هنا من قصة يونس ؛ الذي التقمه الحوت مدة، ليعود سليمًا معافى كمعجزة ربانية أدهشت معاصريه.. والشاعر هنا يحاول طمأنة نفسه على أن الفرج آت من الله لا محالة، فمهما اشتدت الأسقام وتعددت الأهوال، فالمخرج والفرج آت بإذن الله.. والنص له علاقة من حيث مرماه مع النص السابق، بل إن نص “بشارة” يمكن أن يندرج في هذا المجال، حيث التفاؤل والاستبشار بالمخرج من الكمد حيث النور يلوح له في الأفق فلْيخلع نعليه كما فعل موسى  استعدادًا لمناجاة الله ، يقول:
من يروي أشواق القلب الصادي؟
من يمحو ديجور الكمد العادي؟
لا شيء سوى نور الأفق الحادي:
نار بالطور تجدد ميلادي!
فاخلع نعليك.. فإنك بالوادي
وفي ذات المنحى يدفع بك الشاعر فتستحضر النبي الصبور أيوب  وقد اشتد به المرض، وهو المبتلى بكثير من المحن فصبر وشكر، وأشفاه الله تعالى بعد مرض دام سنوات.
قصة يعيد الكاتب رسمها في موجة شعرية واحدة، تجعلك أمام كل إنسان صبور يتحمل ويلات الزمن، فيأتيه الفرج من حيث يدري ولا يدري.. يقول الشاعر في قصيدة “ميلاد”:
أيوب يا وطنًا تكبله ليالي الاكتئاب
دمك المراق: شهادة الميلاد بعد الاغتراب
فاركض برجلك: فهو مغتسل يعيد لك الشباب
وحين يصور الشاعر حيرته وترقبه، تجده يربطه بعناصر الطبيعة وكأن بينهما علاقة وطيدة من التفاعل المتبادل في السراء والضراء، ذلك أن الطبيعة تصير عنده وعند غيره من الشعراء، مجالاً للبوح وتبادل الأسرار في وحدة تضامنية تعكس المشاعر عبر مظاهرها التي تتغير كما تتغير مشاعرنا بين موقف وموقف وبين رغبة ورغبة.. يقول الشاعر في قصيدة “المساء”:
موت يعانق ميلادًا على الشفق
والبحر يصخب في قلبي على قلق
وحيرة من رؤى المجهول في أفقي.
هذا الشعور بنوع من الاغتراب الذي تنضح به القصيدة، نجد مثيله في قصائد أخرى تجسد استبداد الحيرة والضيق أحيانًا على الشاعر في حياة قصيرة مهما طالت، وزائلة مهما اعتقد البعض بخلودها.. وهنا يقف الشاعر وقفة تأمل وتحسر على حياة تحمل قوة ونشاطًا، لتنتهي بالسكون والضعف والعدم. يقول الشاعر في قصيدة “المصير”:
يحط المساء على المقبرة
ولا صوت إلا صدى قبره
“هنا سوف ترقد يا عنترة”
فالشاعر في هذا النص يستحضر تجربته العميقة من مجريات التاريخ، ومن قصص الأولين والآخرين، كي يشير إلى وجوب الاتعاظ بها.. وهنا نجد جل نصوص الشاعر تستوحى من النهج الإسلامي، وتصوره للحياة وما يعتريها من نقائص وثغرات وقوة وانتصارات.
الصلاة:
كل من سار تاه!
غير سفر الفلاة:
رعشة ممطرة
ذاك جذب الصلاة
فالتيه إشارة إلى هذه الدنيا التي تشبه فلاة تقتضي منهجًا وضفافًا من القيم تمنع سالكها من التيه.. فالصلاة في النص، تحيل على الجانب الروحي الغاسل لعذاب التساؤل، والراسم للطريق القويم المانع من التهور والضياع والبحث المضني. وهنا يقع الإنسان في حيرة البحث عن الحقيقة المفضية إلى السعادة.. ويجسد الشاعر هذا البحث وهذا التساؤل في نص “مسروقات”، حيث يقول:
من سرق السماء من سمائنا؟
من سرق النجوم من نجومنا؟
من سرق الليل إذا سجى من ليلنا؟
من سرق السحر؟
الشاعر يعيش مضمخًا بحقيقة رحابة العالم الروحي بما يجود به من طمأنينة وسكينة على الإنسان، وهو يشعر بفقدان توازنه في عالم يحتاج إلى ضوابط وتعقل. وهو في وجدانه يرى العالم برؤية العارف بمنهج خالقه، وهو المنهج الذي بإمكانه أن يجعلك ترى السعادة في حقيقتها.
والشاعر في ديوان الإشارات مستفيد من تجربة القصيدة التصوفية المحققة للعمق الفني بناء على سعة الخيال والرمز، تعبيرًا عن الأحوال الروحية وهواجسه الوجدانية بما تحمله من تساؤلات وشجون.

(*) كاتب وباحث مغربي.
المرجع
(1) ديوان الإشارات، لفريد الأنصاري، منشورات الدفاع الثقافي، الطبعة الأولى 1419هـ.