أوضحت دراسة هولندية حديثة، أن هناك صراعًا مستمرًّا داخل العقل البشري يحدث عندما يحاول الإنسان استيعاب معلومات جديدة، ويتذكر أخرى اختزنها من قبل في آن واحد؛ فمثلاً عندما يقوم الإنسان بقيادة سيارة في مدينة غير معروفة له، ويقوم -في الوقت نفسه- بتفسير الإشارات المرورية المعروفة لديه، يكون قد استرجع -من خلال آلية معقدة- معلومة قديمة واستوعب معلومة جديدة، الأمر الذي يُنشئ منافسة بين الذاكرتين الحديثة والقديمة.

ونجح القائمون على الدراسة في وضع تصوُّر لهذا الصراع وتصويره من خلال الأشعة، مبيِّنين أن هناك “سنترالاً مركزيًّا” داخل المخ البشري يعمل على تنظيم تلك العملية عن طريق تنشيط بعض المراكز في المخ الواحدة تلو الأخرى.

كما كشفت دراسة علمية حديثة أجراها فريق من العلماء بكلية “يونيفرستي كوليدج” في لندن النقاب، عن أن المخ البشري يتمتع بنظام إنذار مبكر عجيب، حيث يتمكَّن الإنسان من خلاله من تذكر الوقائع التي تعرض لها في الماضي وبطريقة لاشعورية.

لماذا لا تتجدد خلايا المخ؟

يبلغ عدد الخلايا العصبية في جسم الإنسان مائة ألف بليون خلية تعمل في توافق شديد للغاية، فخلايا الكبد تجدد نفسها بصورة كبيرة كل خمس أو ست سنوات، وتتجدد خلايا الكلى كل عامين، بينما لا تتجدد خلايا المخ؛ وذلك لأن الكبد والكلى يجددان خلاياهما لتعرضهما للسموم، فمثلاً إن لم تتجدد خلايا الكلى، لَما استطاع الإنسان أن يعيش أكثر من عام ونصف على الأكثر. وعدم تجدد خلايا المخ هي معجزة من معجزات الخالق تعالى في حقيقة الأمر، لأنه إذا تجددت خلايا المخ لاحتجنا لتعلم اللغة كل ست سنوات.

هناك سؤال يتردد على ألسنة كثير من الناس وهو؛ هل تختلف أدمغة العباقرة عن أدمغة الإنسان العادي؟ فمنذ وقت طويل شُغل العلماء بفكرة ارتباط القدرات العقلية للإنسان بالتركيب التشريحي للمخ، وهي الفكرة التي كثيرًا ما أدت إلى فحص أمخاخ العباقرة بعد موتهم، للوقوف على أسرار تفوّقهم. وفي هذا المضمار جرى تشريح أمخاخ الكثيرين مثل العالم والفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت”، ثم الموسيقار الألماني “باخ”.

وفي القرن التاسع عشر أجريت في ألمانيا والسويد وكندا، بحوث مستفيضة لأمخاخ عدد كبير من الموهوبين، كان من بينهم عالم الفيزياء والرياضيات الشهير “كارل فريدرش جاوس”، والطبيب الكندي “وليام أوسلر” أول من درس الصفائح الدموية، وكذلك عالمة الرياضيات السويدية -الروسية الأصل- “سونيا كوفالفسكي”. ومع بداية القرن العشرين، بلغ عدد نوابغ الفن والأدب والعلم، الذين فحصت أمخاخهم 137 شخصًا، غير أن نتائج كل تلك الدراسات لم تؤكد صراحة على وجود فوارق تُذكر بين أمخاخ أولئك الأفذاذ وأمخاخ العامة. إنه لم يرد أي ذكر لهذه الاختلافات المفترضة قبل عام 1924م عندما توفي “فلاديمير لينين” أول زعيم للاتحاد السوفيتي؛ ففي ذلك الحين استدعي العالم الألماني “أوسكار فوجت” إلى روسيا لدراسة مخ “لينين” بناء على طلب رسمي من السلطات السوفيتية، التي أسست معهدًا لأبحاث المخ في موسكو خصيصًا لهذا الغرض. وبعد عامين كاملين من الدراسة، أعلن “فوجت” عن وجود بضعة اختلافات في مخ لينين، غير أن أحدًا لم يعلق أهمية كبيرة على ملاحظات “فوجت”؛ وذلك لأن “لينين” كان قد أصيب بعدد من الجلطات الدماغية في السنتين الأخيرتين من حياته، ومن ثم اعتُقد أن هذه الجلطات قد تكون مصدر الاختلاف في مخه.

أينشتاين وفحص دماغه

وأما آخر المشاهير الذين فُحصت أمخامهم فهو “أينشتاين، إذ عرف عن ذلك الفيزيائي الكبير أنه كان قد أوصى بالتبرّع بمخه لخدمة البحث العلمي. ويقال أيضًا إن أينشتاين لم يوص بذلك، وإنما عائلته هي التي وافقت بعد وفاته على التبرّع بمخه. وأيًّا كان الأمر، فالثابت أن عالم الباثولوجيا الأمريكي “توماس هارفي” الذي كلف بفحص جثمان أينشتاين إثر وفاته في عام 1955م، سارع إلى أخذ المخ قبل مرور سبع ساعات على الوفاة، ثم حفظه بالطرق العلمية لدراسته. وبعد فترة من الفحص أعلن “هارفي” أنه لم يعثر على شيء مختلف في مخ أينشتاين، ولعل ذلك كان السبب في تراجع الاهتمام بفحص أمخاخ النابهين لفترة من الوقت.. إلا أن الأمر عاد ليفرض نفسه بقوة في الأوساط العلمية، بعد أن تسارع التقدم في أبحاث المخ، وبعد أن كشفت التقنيات الحديثة عن وجود خصائص تميز بالفعل أمخاخ الموهوبين في مجالات بعينها. أعيد فحص مخ أينشتاين بعد مرور ما يقرب عن ربع قرن على وفاته، وكان ذلك في جامعة كاليفورنيا (بيركلي)، حيث تم فحص أربع قطع كل منها بحجم قطعة السكر الصغيرة، مأخوذة من مناطق بعينها في مخ أينشتاين، وتمت مقارنتها مع أربع وأربعين قطعة مماثلة من أمخاخ أحد عشر رجلاً ممن ماتوا عن أعمار تقارب عمر أينشتاين عند وفاته. ولقد وجد فريق البحث أن نسب الخلايا المكونة لنسيج المخ عند أينشتاين تختلف عن نسبتها في الآخرين، وذلك في منطقتين من المخ معروفتين بمسئوليتهما عن التخطيط والتحليل والمنطق الرياضي، وهي المجالات التي تفوّق فيها أينشتاين. وبعد ذلك بنحو عشرين عامًا -وتحديدًا في عام 1999م- أعيد فحص أجزاء من مخ أينشتاين للمرة الثالثة في جامعة ماكماستر بكندا، وأعلن فريق البحث أن مخ أينشتاين يخلو من جزء من أخدود معروف يوجد في الأمخاخ العادية، واعتبر الباحثون أن غياب ذلك الجزء من الأخدود، يمكن أن يكون سببًا في سرعة توصيل المعلومات بين المنطقتين الواقعتين على جانبي الأخدود في مخ أينشتاين، فضلاً عن أنه أضاف إلى مساحة هذه المنطقة لتصبح عند أينشتاين أعرض من المألوف بمقدار 15%. فهل كان مخ أينشتاين جديرًا حقًّا بكل هذا الاهتمام؟!

الخلاصة

يتباهى البشر في هذا العصر بما حققه من إنجازات علمية وتقنية في شتى المجالات، وخاصة في مجال أنظمة الاتصالات، وأجهزة الحاسوب، وشبكات المعلومات، وشبكات الطاقة الكهربائية.. ولكن إذا ما شرحت لمن يتباهى بهذه الإنجازات من تركيب وطريقة عمل الدماغ أو أي عضو من أعضاء جسمه، فإن مباهاته سرعان ما تتلاشى ويرتد إليه طرفه.. إذ يبلغ عدد التفاعلات الكيميائية التي تحدث في المخ في الثانية الواحدة بأقل تقدير 100 ألف تفاعل كيميائي. ويقدر العلماء بأن حجم الشبكة العصبية للاتصالات داخل المخ تزيد عن 1400 مرة من حجم شبكة التليفونات الثابتة والمحمولة على مستوى العالم.

ولقد اعترف العلماء بأن التعقيد الموجود في تركيب الدماغ، لا يوجد ولن يوجد في أعقد الأجهزة الإلكترونية التي اخترعها الإنسان، بل إن أحدهم قد قال إنه لو تم جمع جميع الحواسيب في العالم، وتم ضغطها لتكون بحجم دماغ الإنسان، فلن يصل تعقيد مكوناتها تعقيد مكونات الدماغ.

أما الوظائف التي يقوم بها الدماغ، فإن البشر لا زالوا يقفون عاجزين عن اختراع أجهزة تقوم بمثل هذه الوظائف، وعلى القارئ أن يقارن بين الحركات التي يمكن أن يقوم بها جسم الإنسان، مع تلك التي يقوم بها الإنسان الآلي أو الروبوت، وبين قدرة الدماغ على التعرف على ملايين الأشياء التي شاهدها لمرة واحدة، وبين فشل الحواسيب الجبارة على التعرف على أبسط الأشياء.

أما قدرة الدماغ على تمكين الإنسان من الإحساس بوجوده وبمشاعره وعواطفه، فلا أعتقد أن العلماء سيفكرون يومًا من الأيام في تصنيع أجهزة تقلده في فعل ذلك. وهكذا نرى أن الخالق أَوجد كل جزء في المخ لوظيفة معينة؛ لكي تتكامل وظيفة المخ في النهاية  لترتقي بالإنسان فوق جميع المخلوقات على الأرض.

(*) استشاري في طب وجراحة العيون / مصر.