لم يقع الفنان المسلم في غواية الجسد البشري، ولم يستأثر ذلك التناسق البديع المتجلي في أعضاء ذلك الجسد على اهتمام الفنان المسلم كما عند فنان الغرب. ولذلك تنزه الفنان المسلم عن تجسيد الطبيعة، أو عن محاكاة الجسد البشري، وجاءت فنونه أقرب إلى التجريد منها إلى التجسيد أو التشبيه.
هذا فضلاً عن أن الفنان المسلم كان دائمًا بعيدًا عن النرجسية البغيضة، حيث لم تستأثر ذاته باهتمامه؛ فكثيرًا ينسى نفسه أو يتعامل مع فنه بروح عميقة، حيث الرؤية الحدسية تستغرقه فيأتي فنه وكأنه يـقـوم بعــمـل عبادي، وينسى حتى التوقيع على لوحاته. فكثير من الأعمال الفنية الإسلامية لا تعرف مَن صنعها، ولا مَن قام بإبداعها. إضافة إلى أن كثيرًا من هذه الأعمال كانت تتم بشكل جماعي، حيث ينخرط جمع من الصناع والفنانين المسلمين في إبداع لا يظهر فيه عمل الفرد منفردًا، وينسب هذا العمل إلى شخص المُلك أو الخليفة الذي أمر بصنعه وإنشائه.
أين هذا من الفن الغربي الحديث الذي ورث أطروحة أربعة قرون من عصر النهضة الإيطالية، والتي تجعل من الإنسان وجودًا مطلقًا مركزًا لمسار دائرة الوجود الكوني العام. وقد تظاهرت امتدادات هذه الفلسفة في استغراق بعض الاتجاهات الفنية في هوس الـ”أنا-المركز” و”اللوحة-الذات”، وتحول الأثر الفني إلى مرصد للسيرة الشخصية، وشاعت اللوحات الأنَوِية التي تمثل وجه الفنان بريشته، والصيغ التعبيرية التي تحمل الحد الأقصى من البطولة الأنَوِية المتفردة المتميزة المتفوقة.
إن المصور المسلم لم يكن يراعي في ترتــيـب وحـــداتــه قــــواعـــــد المنــظــور، على الرغم من أنه لم يكن جاهلاً بهذه القواعد، فقد راعاها أحيانًا في رسم قطع الأساس، أو رسم العروش والمناضد.. ولكنه كثيرًا ما تجاهلها، ولم يراعها مثل زميله الغربي، وكأننا به يريد أن يصور لنا كل وحدة على حقيقتها المجردة عن تلك الظروف الطارئة، من ضوء وظل، أو اختفاء وظهور، أو تقديم وتأخير.. لأن كل ذلك، أحوال عارضة تزول بزوال سببها، وتتغير بتغير الناظر ومكانه إلى الشيء، كما تتغير هذه الأحوال بتغير الزمان.. وإن مـا يـهـم الفنان المســـــلم، ما تراه “البصيرة” لا “البصر”، فإنها لا تعمى الأبصار ولكـن تعـــــمى القـلـوب التي في الصـدور.

 

إن الموقف من الأشياء والطبيعة، تحدده في الغرب الآلة وقواعد علم الضوء الثابتة، بينما يحدده في الصين الطبيعة التي تجعل الإنسان جزءًا منها.. وهو كذلك في الهند مع بعض المداخلة العلمية التي فرضها تأثير الغرب.

الموقف من الأشياء والطبيعة

إن الموقف من الأشياء والطبيعة، تحدده في الغرب الآلة وقواعد علم الضوء الثابتة، بينما يحدده في الصين الطبيعة التي تجعل الإنسان جزءًا منها.. وهو كذلك في الهند مع بعض المداخلة العلمية التي فرضها تأثير الغرب.
أما في الفن الإسلامي، فإن الموقف من المرئيات يحدده مفهوم الله الذي له ملكوت السموات والأرض، وهو المنطلق والمثل الأعلى للإنسان. فالأشــياء موجودة بالنسبة له، ورؤيتها لا تصدر عن العين الذاتية، بل عن العين الكلية.
إن التعمق في هذا التحليل، يؤدي بنا إلى تفسير سبب إهمال البُعد الثالث عند الفنان المسلم، وسبب إظهار الأشياء مرئية من عدد لا يحصى من زوايا النظر، ثم سبب التسطيح وعدم التحجيم في بناء الأشكال، وسبب عدم الفراغ في سطح اللوحة، وسبب خط الأفق اللولبي في توزيع الهيئات البشرية.
إن الوظيفة الأساسية للتصوير، هي الدلالة الفكرية أو الأدبية، وبهذا المعنى يصبح الفن لغة تشكيلية لأفكار عامة. ولكن الفن الإسلامي يبدو على النقيض؛ متحررًا من هذه الوظيفة مستقلاًّ بذاته. فاللوحة في مخطوطة شأنها شأن موضوع تصويري على سجادة، أو جدار بناء، أو على آنية ما، تبقى مستقلة عن الواقع بل تحمل واقعًا جديدًا كما يقول “وررنفر”، وهي في نزوع مستمر للتحرر من الدلالة المحددة تصويريًّا.
ومن هنا لا يكون غريبًا أن نجد الباحث د. عفيف البهنسي، يؤكد على أن قوانين الوجود المادي للأشياء التي يحكمها في الغرب علم المنظور وعلوم أخرى، يقابلها لدى العرب المسلمين قوانين روحية يحكمها مفهوم الوجود الأزلي (الله) ومفهوم فناء الأشياء وعلاقاتها بالوجود الأزلي.
ويجب أن نلاحظ أن من أهم الخصائص الجمالية للفن الإسلامي، أن الشكل المطلق أشد أهمية من لبوسه المادي. فالمثمن -مثلاً- مطبق في المساقط المعمارية، كما هو الحال في المقرنصات الجصية والسيراميك ورسوم المخطوطات.

براعة المسلمين في الفنون

لقد برع المسلمون أكبر ما برعوا في أربعة أشكال من الفنون: أولها التوريق المتشابك، وثانيها التحوير، وثالثها التلوين، ورابعها الكتابة الخطية. والتوريق المتشابك أو الرقــش، هو الفن الذي تجتمع فيه الزخرفة العربية، وقد سماه الغربيون “أرابيسك” يعنون بذلك فن العرب الأصيل المذهل.
وهذا التوريق هو الإجادة في استخدام الخطوط متلاقية متعانقة ثم متجافية متهامسة. ومن الطبيعة يستمد الراقش العناصر الأولى لفنه من ساق نبات أو ورقة، ثم ينضم الخيال إلى الإحساس بالتناسب الهندسي، ليتكون بعد هذا الشكل الزخرفي الهندسي الذي يرمز إلى نفس المسلم في تطلعها إلى الله .
وخـطوط الرقــش ألوان لا نهائية، وكأنها تفضي إلى نهاية غير معلومة. وقد يأتي من هذه الألوان ما يخضع إلى تناسق، فيكون أقرب إلى الفن التجريدي الذي ظل مجهولاً عند الأوربيين إلى عهد قريب.
والتحـوير الذي يمتلئ به هــذا الفن هو وليد التوريق المتشابك، إذ أساسه تشكيل الفنان لما جمع من عناصر فنية بذوقه الفني، تشكيلاً تكيفه روحه.
من هذا كانت المباعدة في الزخرفة الإسلامية بين روح المصور وبين الأشكال الأصلية للكائنات الحية. وإذا نزع إلى استخدام مثل ذلك مضطرًا، فإنه يعمد إلى تجزئة عناصرها، ثم بنائها على شكل مكرر، فإذا الشكل قد تحول إلى وحدة زخرفية يسودها التكرار، ويشيع فيها حس موسيقى رهيف.
وللون أثره الهام في إضفاء إشراقـة حلوة على أشكال الرقش الإسلامي، كما يكشف عن إحساس مرهف بالألوان. وكذا، كان للخط -هو الآخر- فيضه بالنبض على يد الفنان المسلم، إذ كان يحمل أشرف رسالة عن الله تعالى إلى نبيه الكريم يسجلها الناس مرسومة مقروءة.
كانت تلك رسالة الخط، لذا كان هذا التنسيق والتجميل بين جلالين؛ الجلال السماوي، والجلال الدنيوي. إن هذه النبضات الوجدانية التي أتى بها الإسلام في روح الفنان المسلم، والتي تكمن وراء كل عمل فني إسلامي، هي التي جعلت الفن الزخرفي العربي يتألق في البلاد العربية والمستعربة.

المنظور الروحي في الفن

ويبدو “المنظور الروحي” واضحًا في الرقش العربي. ففي التكوينات الهندسية تصبح الأشكال الواقعية مجردة عندما تنقلب أشكال هندسية تتداخل فيما بينها بتناسق جميل، منفصلة نهائيًّا عن مدلولها وعــن نسبياتها، إذ لا مجال فيها إلى بداية أو نهاية، أو إلى أي إسقاط أو إشعاع، ولكن ثمة اندياح في تكوين هذه الأشكال المجردة.
ومع أن الفن العربي في بدايته تأثر بالفنون القائمة قبل الإسلام -وهذا شيء طبيعي- والمتأثرة بالتعاليم الإغريقية التي تُمجِّد المحاكاة، وتؤكـد أهمية القانون العلمي في العمل الفني، فإن الفنان العربي استمر بعد الإسلام محتفظًا بطابعه الروحي الذي تجلى واضحًا في رسم الأشخاص وفق “المنظور الروحي”.
ويوضح لنا الباحث عفيف البهنسي حقيقة “المنظور الروحي”، من حيث أن مهمة الفنان العربي كانت دائمًا التعبير عن الرسم بذاته. لقد أهتم العربي المسلم في رسمه وتصويره بعدم مضاهاة الله في خلقه، فلقد درج على عدم تصوير البُعد الثالث والتعبير عنه. وكذلك فإن الأشياء والمشاهد ترى من خلال عين الله المطلقة التي لا تحدها زاوية بصر ضيقة، على عكس المفهوم الغربي الذي يجعل الأشياء والمشاهد مرئية من خلال عين الإنسان، وشتان بين رؤية شاملة ورؤية ضيقة بين رؤية الله ورؤية الإنسان.
وإذا كان الموضوع في المنظور الروحي لا يرى من خلال عين الإنسان بل من خلال عين الله، فإن هذا الموضوع ينفصل عن الواقع ويصبح شيئًا جديدًا، وواقعًا جديدًا يفرض نفسه على الناظر، في حين تبقى المواضيع الخاضعة للمنظور البصري تابعة لشروط الناظر الذي يحدد مفاهيمه العلمية وقوانينه المكتسبة على الفن، وهذا مخالف لأهم مبادئ الفن وهي الطرافة والجدة.
وهكذا فإن المنظر في لوحة مسطحة، يبقى حرًّا مطلقًا لا تقيده قواعد المنظور، وتقوده في مسارها المتعمق في البعد الثالث من خلال زاوية البصر المحددة. إن هذا التعدد والاستقلال في عناصر الموضوع، يجعل اللحظة الزمنية للعمل الفني متعددة بتعدد هذه العناصر. إن هدف الفنان المسلم هو أن يجعل الأشياء مجابهة للناظر من خلال أجمل ما فيها، دون تشويه قواعد المنظور حقيقتها وجمالها لحساب الرؤية المنظورية العلمية.
وإذا كان المنظور الخطي -كما يرى الباحث البهنسي- يسعى إلى إبراز البعد الثالث، أو العمق بأسلوب رياضي علمي، فإن المنظور الروحي لم يتخل عن هذا البعد تمامًا، بل انطلق وفق سيرة مختلفة؛ فالعين لا تنظر إلى الأشياء نظرة محددة، بل هي تنتقل من بؤرة الصورة إلى حواشيها بحـركة متصلة لولبية. ويمر خط النظر من أهم النقاط القائمة على الأشكال، وهي العــين واليد.
ولقد قام “بابا دوبولو” (Papa Dopoulo) في كتابه “جـمالية الـفـن الإسلامي” بإثبات هذه الطريقة؛ فاستعرض مئات من المنمنمات فلم ير من بينها ما يخرج عن هذه القاعدة. والواقع أن هذا البعد الثالث اللولبي (Spirale)، يتماشى مع المفهوم التصاعدي الروحاني للمنظور في الفن الإسلامي حسبما شرحناه.
وفي الحقيقة فهذا المنظور الروحي الذي نجده واضحًا في الفن الإسلامي -وله أهميته الكبيرة في تفسيره الفلسفي- نجد شبيها له في الفلسفات المثالية والروحية، خاصة عند الأفلاطونية وفي أوائل المسيحية، والتي أعرض عنها الغرب خاصة في العصر الحديث.
وهذا بالفعل ما حققه الفنان المسلم في لوحاته التجريدية، التي كان يحاول أن يجعلها معبرًا للامتناهي، ووسيطًا لبصيرة المؤمن الساعي للوصول إلى حدس الله، وإدراكه إدراكًا روحيًّا وجدانيًّا. وهكذا كان الفن الإسلامي المتمثل كثيرًا بصور تجريدية رائعة أفضل وسيلة تعبير عن تلك القيم المطلقة التي اعتنقها الإنسان المسلم والنابعة من كتابه المقدس ومن تعاليم نبيه الروحية. وقد رأينا من قبل الخصائص الأساسية للفن التشكيلي الغربي، وهو فن قومي مرتبط بجذوره الرومانية، وهو فن واقعي مثله الأعلى في الشكل الإنساني.

أزمة الفن الغربي

هل استمرت هذه الخصائص ثابتة في الفن الغربي، والتي تجعله على الطرف النقيض مع الفن الإسلامي؟
الحق أنه لم يلبث عصر النهضة -وقد وصل إلى قمته في القرن السادس عشر- حتى ظهرت النهـجـية (Manierisme)، وظهر بعدها بسرعة فن الباروك (Baroque) والروكوكو (Roccoco)، هذه الاتجاهات التي اعتبرها مؤرخو الفن في الغرب ضلالاً وانحرافًا، بل سقوطًا وانحطاطًا.. على الرغم من أنها استمرت قائمة حتى الثورة الفرنسية. وكان أول ما قامت به الثورة، أن نقضت هذه الفنون، وهي تقضي على الحكام والسادة الذين احتضنوا هذه الفنون.
ولكن ما إن انتهى عهـــد الثـورة، حتى تفجــرت الروح الرومانية، وتفتحت أبواب الإبداع، وظهرت مدارس واتجاهات فنية لا حصر لها.. ولم يكن بمقدور الفن الغربي -بمفهومه القديم- أن يظهر ثانية إلا عن طريق ثورة جديدة. فكانت الثورة الشيوعية عودة للفن الأوربي التقليدية وإن اختلفت أهدافه وموضوعاته. أما اتجاهات الفن في غربي أوربا وفي أمريكا، ما زالت تعاني التشرد بعيدًا عن ملامح الفن التقليدية وإن كانت منسجمة تمامًا مع التطور الصناعي والاجتماعي، ومع المشكلات والتأزمات الحضارية والاجتماعية والنفسية التي يعانيها الغرب اللبرالي.
ويعلل د. البهنسي أزمة الفن في الغرب بسببين: أولاً هو تحول الفن عن مفهومه التقليدي الذي يقوم على الواقعية، واعتبار الإنسان محور الجمال الفني كما هو محور الجمال الطبيعي، والتخبط في مجال البحث عن الطارف والجديد. ثانيًا التعثر في إيجاد مفهوم جديد للفن ينسجم مع بيئته القومية وتطورات العصر.
ولعل الفن العربي والإسلامي بمناخه وألوانه وفلسفته، كان أكثر جاذبية عند فناني الغرب، من أمثال “دولاكروا” (Delacrois)، و”ماتيس” (Matise)، و”بول كلي” (P. Klee) وغيرهم، ممن رأوا في الشرق الشمس واللون والخط المنساب والمواضيع الغريبة.. كل ذلك دون أن يكون من شأنهم البحث الفلسفي والجمالي، ولكنهم قدموا الدليل على مقدرة الفن الإسلامي على التطور السريع، تطورًا متمشيًا مع العصر ومع مفهوم الفن الحديث، كما أنهم وضعوا الفنان المسلم أمام مسؤولياته في العودة إلى تراثه وتقاليده وفنه، لكي يقيم عليها أساليب جديدة معاصرة.
(*) رئيس قسم الفلسفة والاجتماع، كلية التربية، جامعة عين شمس / مصر.
المراجع
(1) جمالية الفن العربي، لعفيف البهنسي، عالم المعرفة، العدد:14، عام:1979.
(2) أثر العرب فى الفن الحديث، لعفيف البهنسي، دمشق، عام:1970.
(2) سر الزخرفة الإسلامية، لبشر فارس، المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.