احتفلت مدينة “تريم” عام 2010م بتتويجها عاصمة للثقافة الإسلامية، وهي تقع في وادي حـضرمـوت اليـمني؛ هذا الإقليم المشهور بسكانه المسالمين الذين هم أبــعد اليمنيين عن العنف وحمل السلاح، ورغم ذلك لعبوا دورًا كبيرًا في الفتوحات الإسلامية لمنطقة جنوب شرق آسيا، إضـافـة إلـى تشاركـهم مع الـعمانيـين فـي الفتوحات الإسلامية لمنطقة شرق إفريقيا. شعوب كثيرة وعظيمة اعتنقت الإسلام دون أن يـصلـها جندي واحد، حيث فُـتحت عن طريق الكتائب الناعمة التي حملت لواء الدعوة الـسلـميـة، الـدعوة المتسلحة بحسن فهم الإسلام، وحسن تنزيله على الواقع، وجودة تطبيقه في الحياة العملية.
وفي هذا العصر الذي أسـاء فـيـه مـسلـمـون للإسـلام، بـسبـب سوء الفهم وسوء التجسيد وسوء التقديم، وأسـاء فـيه خـصوم الـمسلـمين إلى الإسلام بسوء نية أو بحسن نية، ومن ذلك ما يرتبط بموضوعنا، حتى زعم الطرفان -رغم الهوَّة الكبيرة بينهما- أن الإسلام انتشر بقوة السيف، حيث اختُزل الجهاد الإسلامي في القتال، فهل الحقيقة كذلك؟ هذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه، مركّزين على دور الفتوحــات الناعمة في نشر الإسلام.

هل الجهاد هو القتال؟

في عصور التخلف تفـقد المصطلحات معانيها، ويتم الخلط بين كثير من الكلمات المختلفة، تحت عناوين عديدة منها الترادف، بـمعنـى أن هـناك اتـجاهات في أوساط المتدينين -من أصحاب التدين المنقوص- نـظرت إلى الجهاد كمرادف للقتال. وحتى ندرك الفرق بين الكلمتين، فسنحاول معرفـة مـعاني مصطلح الجهاد في لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم، أما القتال فهو معروف. من يقرأ قواميس العربية سيجد أن الجهاد ومشتقاته كالمجاهدة والاجتهاد والتجاهد، لا تخرج عن معنى بذل الوسع واستفراغ الطاقة لدرجة الشعور بالإجهاد.
والاجتهاد: أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشـقة، يُقال جـهدتُ رأيي وأجهدتـه: أتعبته بالفكر، والجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو. والـجـهـاد ثـلاثــة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وتدخل ثلاثتها فـي قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾(الحج:78)، ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ﴾(التوبة:41)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ﴾(الأنفال:72).
ويمكن اعتبار الجهاد في التعبير القرآني محاولة للوصول بالفعل إلى ذروة فاعليته البشرية، ببذل ما يستطاع من الأسباب، واستنفاد ما يمكن من الوسائل والأساليب من أجل تـحقيق الغاية المقصودة. وبعبارة أدق يمكن القول، إن استفراغ الوسع وبذل أقصى درجـات الـطاقة يمـكن أن نقول عنها “اجتهادًا” إذا كان في الجوانب العلمية، و”جهادًا” إذا كان في الجوانب العملية. ويدخل القتال ضمن مفردات الجهاد، لأن المقاتـل يستفرغ وسعه في محاولة تحقيق الهدف المقصود من وراء هذا القتال، بمعنى أن كل مقاتل في سبيل اللّٰه مجاهد، وليس كل مجاهد مقاتل. وبمزيد من استـعراض آيـات الجهاد والقتال، ستتضح الفروق بينهما، وهذه بعض الفروق:
1- شُرع القتال في المدينة المنورة بنزول قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّٰهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾(الحج:39). أمـا الـجهاد فقد شُرع في مكة رغم حرمة القتال في المرحلة المكية كـمـا هـو مـعـلوم، بـل حرم الرسول صلى الله عليه وسلم على أصحابه رضي الله عنهم حتى مجرد الدفاع عن أنفسهم أمام اضطهاد قـريـش وتـعذيـبها لـهـم. وقـد وردت آيـات عـدة تحدثت عن الجهاد في عدد من السور المكية، أهمها العنكبوت، النحل، الفرقان، لقمان. وهكذا فإن الجهاد مكي والقتال مدني.
2- الجهاد منظومة كاملة لعمارة الحياة وتـعبـيد الـناس للّٰه سبحانه وتعالى عـن طـريق البيان والإقناع، وبالتالي لا يتـوقـف الـجهاد فـي أي ظـرف. أمـا الـقتال فهو حالة استثنائية، تأخذ حيزًا زمانيًا، ومساحة مكانية محدودتين بحسب الضرورة، بمعنى أنه آخر الدواء، فهو شبيه بالكَيّ، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا﴾(البقرة:190).
3- لا يجوز التوقف أبدًا عن معانـقـة أسـبـاب الـجهـاد لـعبـادة اللّٰه سبحانه وتعالى فـي مـحراب الـحياة، باستعمار الأرض وخدمة حقوق الآخرين. أما القتال فهو ضرورة آنية، ومن الضرورة بمكان أن يفقه المسلم أحكامه حـتى لا يـعتـدي علـى أحـد، لكن الأصل في عـلاقـته مـع الآخرين هو السلام، قال تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللّٰهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(الممتحنة:8). ولهذا فإن المؤمن مأمور بالاستزادة في مضمار الجهاد، أما القتال فإن مـن نعـم اللّٰه سبحانه وتعالى على المؤمنين كفايتهم له، قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللّٰهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللّٰهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾(الأحزاب:25)، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو، وعندما فرض اللّٰه سبحانه وتعالى القتال وضّح كراهة الطبيعة الـبشـريـة لـه فـقـال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾(البقرة:216).
4- أجاز الإسلام جـهـاد المـنافـقيـن ولـم يـجز قـتلهم إلا عنـد الخروج على النـظام العـام للمجتمع، قال تعـالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾(التوبة:73). ومن المعلوم أن الجهاد هنا ليس قتالاً، بدلالة عدم قتل الرسول صلى الله عليه وسلم للمنافقين، ورفضه لمحاولة بعض الصحابة كعمر بن الخطاب رضي الله عنه لقتل بعض زعمائهم ولا سيما عبد اللّٰه بن أبي، مما يؤكد أن جهاد المنافقين هو جهاد أبيض، تستخدم فيه كل الأسلحة المتوفرة في كنانة “الحكمة”، وحتى في كنانة ما أصبح يسمى في الفكر السياسي المعاصر بـ”الحرب الباردة”، بحيث لا يـؤدي أي سـلاح مـنهـا إلـى إراقـة الدماء، لأن الغاية من جهادهم إعادتهم إلى رشدهم، أو تحجيمهم وهتكهم وكشف مؤامراتـهم وفـضح أسرارهم، كما فعلت سورة التوبة التي سميت بالفاضحة، حتى لا تنطلي أراجيفهم على المسلمين.

الجهاد أوسع دائرة من القتال

إن تدبر آيات القرآن الكريم، واستقراء سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم -وهـي الـتـجـسـيـد العملي للقرآن- يؤكدان أن ميدان الجهاد أوسـع بـكثـير مـن القتـال. فـإن تـجويد الـتربية والتعليم، والترقي بالأفكار والأفعال، والوصول إلى الفاعلية في صناعة الحياة والقضاء على مظاهر ومسببات الوهن والغثائـية، وصـناعة الأرقـام الصحيحة في ميادين التميز والتفرد وخدمة حقوق الإنسان، من خلال شُعب الإيمان وميادين الحياة، كلها مساحات واسعة في ميدان الجهاد.
أما القتال فدائرته ضيقة لا تـستـوعـب إلا حـالات خـاصة ومـحددة في المواجهة المسلحة، كـلها استثنائية. فـمن يستحـقون الـقتال هـم استـثناء مـمن يـستحقون السلام، وظروف القتال زمانًا ومكانًا تظل محدودة. وحتى في المساحات الجائز فيها القتال، فإن المقاتل المسلم لا يتحرك في هذه الدائرة إلا بـحـذر شـديد، حـتى لا يـقع فـي الاعــتـداء المنهي عنه شرعًا. فلا يجوز قتل المستسلم أو من اعتنق الإسلام، ولا مطاردة الفار ولا التمثيل ولا القتل بدون حاجة، ولا الـفساد في الأرض كالتدمير لمقدرات المقاتلين إلا للضرورة القصوى، والضرورات تقدر بقدرها بالطبع.
إن الجهاد أوسع مساحة، لأنـه مـمتد زمـانًا ومـكانًا وأنـاسًا بدون حـدود، ولـذا فإن مدخلاته أكثر بكثير من مدخلات القتال. وأهم مدخلات الجهاد هي الأموال، لأنها التي تقوم بتربية وتنمية الأفراد وخدمة حقوقهم وتلبية متطلباتهم، وإيـجاد الـمشاريع العملاقة التي تستثمر طاقات الأرض في عمارتها؛ زراعة وصناعة ورعيًا وصيدًا وتجارة. وقد اقترن ذكر الأموال والأنفس في القرآن في اثني عشر موضعًا، فتقدمت الأموال في أحد عشر موضعًا، لأن الجهاد أحوج إلى الأموال أكثر من الأنفس، ولم تتقدم الأنفس إلا في آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾(التوبة:111)، لأنها جاءت في سياق الحديث عن القتال، والقتال يحتاج إلى الأنفس أكثر من الأموال، ثم إن سياق الآية يتحدث عن شراء اللّٰه سبحانه وتعالى لما يملكه الإنسان، ومن الطبيعي أن نفس الإنسان أغلى عليه من ماله، فبدأ اللّٰه سبحانه وتعالى بما هو أثمن.
وفي عصور التخلف أصيبت مجاميع كبيرة من المسلمين بالأمية الفكرية نتيجة ضيق دائرة وعيها، وانعكس هذا الضيق على تضييق كثير من الدوائر المتسعة، مثل دائرة العبودية التي هي بسعة هذه الحياة، لكن هؤلاء ضيقوها على الشعائر التعبدية، وفي دائرة العلوم الشرعية التي كانت تتسع لكل العلوم التي تساهم بجلب مصلحة أو درء مفسدة للمسلمين في معاشهم أو معادهم، ضاقت الدائرة لتضم فقط ما يُعرف اليوم بالتخصصات القائمة في كليات الشريعة والدراسات الإسلامية، ولتخرج كل العلوم الإنسانية والطبيعية من هذه الدائرة. ومثل مصطلحي العبادة والعلوم الشرعية، ضاقت مصطلحات الأخلاق، رحمة اللّٰه، جماعة المسلمين، وبالمثل ضاقت دائرة الجهاد لتضم فقط القتال. ولذلك فإن من يذكر الجهاد اليوم يقصد في الغالب القتال، أو على الأقل يتبادر إلى أذهان السامعين القتال.

الجهاد الكبير.. جهاد الإعمار

القتال في الرؤية الإسلامية هو آخر مراتب الجهاد، سواء من ناحية عدم اللجوء إليه إلا للضرورة، مثل عمليات البتر لأي عضو في الإنسان، إذ لا يلجأ الطبيب للبتر إلا بعد استنفاد كل الأدوية، مع استمرار المشكلة في التصاعد، والتهديد بتضخمها أو الإنذار بتحولها إلى مشكلة عاصفة بالجسم كله، أو من ناحية عدم استخدامه إلا بعد إيجاد البنى التحتية الأخرى التي تجعله خيارًا ضروريًا وناجحًا في آن، لضمان تحقق الهدف بأقل الخسائر المادية الممكنة وبأقل وقت، ولذلك رفض الرسول صلى الله عليه وسلم القتال في مكة، لأنهم لم يستنفدوا أسباب الدعوة (الجهاد) ولم يستكملوا البنية التحتية التي ستتحمل أعباءه. وقد يرى غير المتفقهين في الإسلام من أبنائه أن القتال خيار قريب المنال؛ نتيجة عجزهم عن القيام بأعباء الجهاد وتوفير متطلباته، سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجمعي.
ومن أمثلة المستوى الفردي، ما كان يفعله الجاهليون العرب الذين كانوا يزعمون أنهم على دين إبراهيم، ومع ذلك فإن عجز بعضهم عن تحمل أعباء طلب الرزق لكفاية الأولاد -وهو من صور الجهاد- دفعهم إلى قتل هؤلاء الأولاد، فنهاهم القرآن قائلًا: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ﴾(الإسراء:31).
أما بالنسبة للمستوى الجمعي، فإن أبرز مثال له اليوم، لجوء بعض التيارات إلى القتال، إما ضد الغرب أو ضد الحكومات القائمة في بلدان المسلمين، تحت عنوان “الجهاد”، نتيجة العجز أو عدم الصبر عن تحمل أعباء الجهاد الحقيقي؛ جهاد التربية والتعليم، جهاد المدافعة واستثمار السنن، جهاد العلم والعمل، جهاد الإنتاج والتنمية، الجهاد السياسي والاجتماعي، الجهاد الإعلامي والثقافي… الجهاد الذي يستثمر طاقات القرآن غير المحدودة، وفاعلياته العظيمة، وقواه الذاتية المطلقة، في تعظيم فاعليات الناس بربطهم به، وانطلاقهم منه، ودورانهم حول محاوره، وسعيهم لتحقيق مقاصده، وصولًا بهم إلى الدوران حول فلك الإسلام، والسعي الحثيث في كل شُعب الإيمان.
ولهذا أمر اللّٰه سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجاهد الكافرين بالقرآن فقال: ﴿فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان:52)، وهذا الأمر كان في مكة المكرمة وقبل أن توجد الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، بما يؤكد أن الجهاد مرتبط بالدعوة، بينما يكون القتال ألصق بالدولة التي من حقها اللجوء إليه عندما تستكمل مفردات الجهاد الكبير، متمثلة بالدعوة إلى القرآن وتعليمه واكتشاف كنوزه وهداياته وتطبيقها في الواقع، حتى تكون الدولة أداة لخدمة حقوق اللّٰه وحقوق الناس، وإقامة كل معروف وهدم كل منكر، مما له صلة بواقع الناس معاشًا ومعادًا، ولهذا وصف اللّٰه سبحانه وتعالى القائمين على السلطة الإسلامية فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾(الحج:41).
وبالقرآن صارت جاذبية “الدعوة” أقوى من تأثير “الدولة”، ولذلك دخل الناس في الإسلام أفواجًا، متأثرين بالقوة الذاتية للقرآن، إذ نجح في مناجاة القلوب ومخاطبة العقول، جامعًا بين الإقناع والإمتاع، مع كونه زادًا للروح وداعية للتزود بكل حاجات الجسم، وظهرت محاسنه بالأمس بسبب حسن تمثل الصحابة لقيمه ومقاصده، حتى صاروا قرآنًا يتحرك على الأرض. لقد دخل الناس في الإسلام عندما فتح القرآن عقولهم وقلوبهم، ولذلك ذكرت أم المؤمنين عائشة رضي اللّٰه عنها أن المدينة المنورة فُتحت بالقرآن. والحقيقة أن كل الفتوحات التي تحققت في العقود الأولى من تاريخ أمة المسلمين، كان القرآن هو سببها وأداتها، هداية وإعجازًا. أما القوة المسلحة، فقد كانت وظيفتها فتح الأبواب الموصدة، من أجل دخول الدعاة من حملة القرآن الذين أحسنوا حمله أفكارًا وأفعالًا، فصاروا إعلانات متحركة لعظمة هذا القرآن، بما يؤكد أن الدولة كانت مطية للدعوة، وأن الدعوة هي التي أقنعت الشعوب بالولوج إلى الإسلام، احتماءًا بعبادة رب العباد من عبادة العباد، واعتصامًا بعدل الإسلام من جور الأديان.

الدولة مطية الدعوة

في المرحلة المبكرة من تاريخ هذه الأمة، أحسنت الدولة حمل الدعوة الإسلامية بأفعالها أكثر من أقوالها، وبشرائعها لا بشعاراتها، حتى صارت مطية للدعوة، أوصلتها إلى كثير من شعوب الأرض، لكنها لم تتدخل في إدخال الأفراد في الإسلام. فقد كانت هذه مهمة الدعوة الإسلامية القائمة على الحكمة والموعظة الحسنة، وعلى المحاورة والإقناع.
فإن الإسلام يؤمن بالعالمية لا بالعولمة، وهو لا يقبل الإيمان ما لم يكن ناتجًا عن قناعة كاملة واختيار ذاتي حر. ويمكن القول بطمأنينة قائمة على قراءة واعية لوظيفة القتال في الإسلام، أن غايته العظمى هي إصلاح البنى السياسية والاجتماعية المعوجة التي لا تسمح بحرية الحركة للفكرة الإسلامية، بحيث تستطيع الدعوة الوصول إلى الناس، ويستطيعون العبور إليها إذا أرادوا بدون موانع. فإن القتال يكون آخر الأدوية في صيدلية “الجهاد”، بل هو على وجه أدق، غرفة العمليات في مستشفى الجهاد. ولذلك نستطيع القول إن كل الشعوب الإسلامية دخلت إليه من أبواب الفتوحات الناعمة.

الفتوحات الناعمة الصرفة

وإذا كان هناك شك في أن القرآن هو فاتح الشعوب الأولى التي وصلتها جيوش المسلمين، فإن الأقدار قد هيأت نماذج لا لبس فيها، إذ لم يصل إليها أي جندي مسلم وأعداد أبنائها اليوم يساوون قرابة نصف العدد الإجمالي للمسلمين، ويتوزعون في ثلاث مناطق رئيسة في العالم، هي:
منطقة جنوب شرق آسيا: هذه المنطقة كانت تدين بالديانة البوذية وبعض الوثنيات المحلية، وتضم اليوم حوالي 250 مليون مسلم، وهم سدس مسلمي العالم، ويتوزعون في عدد من البلدان تبدأ من أقصى الشرق بالفيليبين وتنتهي بجزر المالديف في وسط المحيط الهندي، وبينهما أندونيسيا وماليزيا وبروناي، وهي شعوب ذات أغلبية إسلامية كبيرة إلى اليوم رغم كرّ الليالي وفرّ الأيام.

وهناك أقليات كبيرة في الفيليبين، وتتركز في إقليم مورو (مندناو) وتشكل 12% من سكان الفيليبين، ومثلها في تايلند التي يتركز المسلمون فيها في الجنوب في إقليم “فطاني” المحادد لماليزيا، وتوجد أقلية في بورما تتركز في إقليم “أراكان” المحادد لبنجلاديش، إضافة إلى أقلية في سنغافورة وهي الدولة التي اقتطعها الإنجليز من ماليزيا، الدولة الإسلامية الأقوى علميًا وصناعيًا في هذه المنطقة، بل وفي العالم. وفي كل مراحل التاريخ القريب تناقصت أعداد المسلمين -ولولا القوة الذاتية للإسلام- وقناعة أولئك الناس بالإسلام، نتيجة جودة الدعوة التي قامت بها كتائب الفتوحات الناعمة عبر التجار العرب، ولا سيما الحضارمة منهم، لصار المسلمون في هذه المنطقة أثرًا بعد عين.
منطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا: رغم أن طلائع المسلمين وصلت إلى هذه المنطقة في وقت مبكر من تاريخ الدعوة أثناء هجرة مسلمي مكة إلى الحبشة، إلا أن قلة المسلمين لم تمكنهم من تحقيق فتح كبير لهذا الدين، وخاصة أنهم عادوا بعد قيام دولة الإسلام في المدينة المنورة. وعندما انداحت فتوحات المسلمين التي كانت الدولة فيها مطية للدعوة، لم يصل أي جندي إلى هذه المنطقة، وفي أوقات متتابعة كانت كتائب الفتوحات الإسلامية تشق هذه المجتمعات، فاتحة بأخلاقها الزاكية ومعاملاتها الرائعة قلوب الناس وعقولهم لهذا الدين.
واليوم وبعد قرون من التخلف والتراجع ما تزال هذه المنطقة تضم شعوبًا ذات أغلبية مسلمة في الصومال وجيبوتي وتنزانيا وإرتيريا وجزر القمر، بل تعربت أكثر هذه الشعوب، وثلاثة منها اليوم هي أعضاء في جامعة الدول العربية، إضافة إلى وجود أقليات إسلامية كبيرة في كل دول المنطقة، ولا سيما في أثيوبيا، وكينيا، وموزمبيق.
منطقة غرب إفريقيا وجنوب الصحراء: في هذه الظروف العصيبة التي توقف فيها المد الإسلامي تذكر الأرقام الرسمية الموثقة، أن هذه المنطقة توجد فيها خمس عشرة دولة تفوق نسبة المسلمين فيها الـ70%، وتليها عشر دول تزيد نسبة المسلمين فيها عن الـ50% من مجموع السكان. إضافة إلى وجود نسب أقل في كل دول المنطقة. طبعًا هذه الأرقام قائمة بعد عقود طويلة من الاستعمار الغربي لهذه البلدان، ولا سيما فرنسا التي أخذت نصيب الأسد فيها، وبعد قرون من الجَزْر الإسلامي الذي قابله مد مسيحي قوي، لكن بقاء قرابة مائتي مليون مسلم في هذه المنطقة، إنما هو تجسيد لقوة هذا الدين الذاتية، وتأكيد على أهمية وعظمة الفتوحات الإسلامية الناعمة، إذ لم يصل أي جندي مسلم إلى هذه المناطق الشاسعة من الأرض، بل وصلها التجار الذين كانوا يُسوِّقون أفكارهم الإسلامية الثمينة قبل بضائعهم، بجانب رجال التصوف الذين لعبوا دورًا مشهودًا وسط شعوب هذه المنطقة التي تضم أكبر الشعوب الإسلامية في قارة إفريقيا قاطبة، وهو الشعب النيجيري الذي يزيد سكانه عن 140 مليون، 65% منهم -على الأقل- مسلمون.
ويكفي الفتوحات الناعمة فخرًا أنها جذبت إلى الإسلام أكبر شعب مسلم في قارة آسيا وهو الشعب الأندونيسي، وأكبر شعب مسلم في إفريقيا وهو الشعب النيجيري. وتوجد في العالم مناطق وبلدان أخرى انتمت إلى الإسلام، حبًا بالدعوة وإعجابًا برجال الفتوحات الناعمة، مثل بعض المناطق في جنوب الصين، وشمال آسيا، حيث المناطق التي تقع شمال القوقاز، وحتى سيبيريا التي تمتد من روسيا إلى المحيط الهادي، وهي المناطق التي لعب الدعاة والتجار الآتين من بخارى، دورًا كبيرًا في إسلام كثير من أهاليها. وينطبق مثل هذا الكلام على شبه جزيرة القرم التي تقع شمال شرق أوربا، وهي اليوم جزء من جمهورية أوكرانيا.
وإذا كانت الكتائب العسكرية قد انهزمت أمام اجتياح المغول والتتار للدولة العباسية، إذ تساقطت مثل أوراق الخريف، فقد رفعت الكتائب الناعمة لواء الإسلام عاليًا، حتى نجحت في إقناع الغزاة باعتناق الإسلام. ولأول مرة في تاريخ البشر يقوم الغالب بتقليد ثقافة المغلوب إلى حد اعتناق عقيدته، مما يؤكد جدارة الفتوحات الناعمة، ويثبت أنها الأكثر لياقة بمقاصد هذا الدين العظيم وعالميته الإنسانية الرحيمة، ويؤكد انتصار القلم على السيف، والمداد على الدم.

المستقبل للكتائب الناعمة

من يرى قوافل العلماء والباحثين الغربيين الذين يهاجرون سنويًا إلى الإسلام، يدرك عظمة هذا الدين، لكنه يدرك أيضًا خطورة انحطاط المسلمين، إذ ما زال الإسلام أشبه بجوهرة بيد فحام. ويستغرب كل من يتعرف على الإسلام لبعد المسافة القائمة بين تقدم الإسلام وتخلف المسلمين. ولذلك فإن المسلمين لو جَسَّروا المسافة القائمة بينهم وبين إسلامهم، لصار ذلك فتحًا عظيمًا لهذا الدين.
فالعصر عصر الإسلام لولا سلوكيات المسلمين التي صارت فتنة للذين كفروا. فكيف لو أضيف إلى ذلك تشجيع الجهاد المدني الممنهج؟ هذا الجهاد الأبيض الذي يتسق مع طبيعة هذا الدين، ويمكنه الانغراس بسهولة في قلب هذا العصر.
إن المستقبل للجهاد الأبيض الناعم، فإن اليد في الرؤية الإسلامية، لا تمتد إلا إذا مُنع اللسان من التمدد، ولا يتدخل السيف إلا إذا كُسر القلم. في الجهاد المدني لا تتحرك الدبابة ما دامت أقدام الدعاة تدب على الأرض بحرية، ولا تنطلق الطائرات مغيرة على أحد ما دام صوت الإسلام يطير عبر أثير الإذاعات وقنوات التلفزيون… والأيام تثبت أن هذه القنوات ومواقع الإنترنت، أسرع وأكثر فاعلية من الصواريخ والبوارج الحربية في تطيير حقائق الإسلام وأوضاع المسلمين إلى كل بيت في العالم، لأن الإسلام عظيم، ولأن قضايا المسلمين عادلة.
هذا هو العصر الذهبي للجهاد الأبيض، إذا أحسن المسلمون استثماره، فإن “الكتب” يمكن أن تسد مسد “الكتائب”، و”الصحف” يمكن أن تقوم مقام “الصفائح”، وتأثير “أسهم” الشركات أقوى من “سهام” الجيوش، وفاعلية “فرق” الدعوة المدنية أفضل من “فرق” الدولة المسلحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.