لو أنَّ هذه الزهرة كانت مثل الكثيرين منا لما شقَّت الأرضَ الصلبة الوعرة بلا ماء، ولما رمت بجمالها إلى الشمس تنافسها سواء بسواء، ضاربة جذورها في عطاء لا ينبض من رب الأرض والسماء، مستنزلة الرحمات كل حين وآن من العلياء..

أنا مِثلها، وهي مَثلِي..

من جلالها أستقي المعنى الجميل، ومن جمالها أرسم خط الحياة الجليل..

ولله الحمد والشكر والثناء..

على غير العادة، لا أدون الأفكار في هذه المقالة، وإنما أرسم على صفحة التراب أمامي خطًّا طويلا، متعرجًا أحيانًا، ومستقيمًا أحيانًا؛ وأكتب أسفلَه “هكذا كنا”، وأعلاه “وهكذا سنكون”؛ وفوق الخط أكتب عبارة: “لله الحمد والشكر والمنة والثناء الحسن”… ثم أشفع ذلك بنقطة يتحول فيها السهم من وجهة إلى ضدها، وأكتب أمامها: “نقطة الانعطاف”..

نحن لا نختار مصيرنا، ولا نرسم قدرنا؛ وإنما نتصيد الأسباب، ونرفع أكفَّ الضراعة لرب الأسباب؛ ثم نجاهد ونجتهد، ونفرغ الوسع ما استطعنا؛ وبعد ذلك نترك الثمرة والنتيجة للقدر الحكيم، وللرب الرحيم؛ فما شاء يكون، وما لم يشأ لن يكون..

لو خيرني أحد للعودة إلى الصبا، ثم إعادة تجربة الحياة، فإني لن أختار إلا ما اخترته من قبلُ، ولن أرضى إلاَّ بما كُتب لي على مر السنين؛ والحقُّ أني أختلف عن كثير من الناس، وذلك أني لا شيء ندمتُ عليه في حياتي، صِدقا لا شيءَ؛ فما كان من حُسنٍ شكرت الله عليه؛ ذلك أنه من فضله وكرمه عليَّ؛ وما كان من سوءٍ، فبما كسبت يداي، وغالبًا ما حوَّلته إلى خير بالصبر، وبالاعتبار، وبالمراجعة..

ثم أحيانا تكون الضراء أنفع لي من السراء، بخاصَّة إذا انتهت إلى قلبٍ كسير، وروحٍ عامرة بالتوجه إلى السماء، وبتلاوة قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: “عجلتُ إليك ربي لترضى”… وعلى لسان المصطفى عليه السلام: “إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا… لله رب العالمين”

عافاني الله تعالى من أمراض وأسقام كثيرة، ولا يزال..

غمرني الله سبحانه بأفضال لا تحصى، من أعظمها نعمة ملازمة العلم وأهله..

نجاني الله ذو الجلال من مخاطر كثيرة كانت محدقة بي، من قنابل انفجرت أمامي، إلى ما لا أحصيه..

رزقني الله جل جلاله بعلاقات كلها من الطراز الملائكي: الوالدان، الزوج والأهل، الأساتذة، الإخوة، الأصدقاء، المحبون، الطلبة..

حمَّلني الله الكريم بمسؤوليات جسام، منه ما تحملته بعونه، ومنه ما أخفقت فيه لضعفي؛ ولكني لم أكن يومًا ما جبانا حيال المسؤولية، إلاَّ أن أجد أني لستُ أهلا لها، وأني لو تقدمت لما كنت الرجل المناسب..

هربت من وظائف ومقترحات لا حصرَ لها، منها ما هو في مستوى عالٍ من السلك الإداري، ومنها ما يلائم تخصُّصي، ومنها ما هو اجتماعيُّ… وذلك لسبب واحد، وهو أني لا أضيّع ما في يدي، وأتلقى بالأحلام ما ليس في يدي… سامحني الله إن أخطأت التقدير…

أبلغني الله تعالى الخمسين في أسرع من البرق، ولكني أحسُّ أني في بدايات الطريق، وأني لا أزال في ريعان الشباب، وفي الأشدّ؛ وأني ملزَم بالعمل أكثر وأكثر، وبالاجتهاد بلا كل ولا ملل… فلا أشتكي ولا أضجر…

أنا صارم مع نفسي أكثر من صرامتي مع الآخرين، وبرنامجي الزمني صعبُ المراس، أحيانا أقدره واستطيعه، وأحيانا يتفلت مني، ويفضح كسلي… ثم لا ألبث أن أعود..

اليومَ أقرر أنَّ ما سيكون غدًا -إن شاء الله- مختلف تمامًا عما كان البارحة؛ العالـم بعد الجائحة ليس هو العالم قبلها؛ لا التفكير هو ذات التفكير، ولا البرنامج هو نفس البرنامج، ولا المخطط، ولا المقدرات، ولا الوجهة… كل شيء إلى تغير، شئنا أم أبينا…

فقط، سيكون الاختبار حول مدى إدراكنا للتحول، وكذا الاستجابة لتبعات الانعراج، وتغيير الرؤية والفكرة، والقدرة على السلاسة في استقبال المستجدات… وإلا طحنتنا التقلبات، وصرنا خبرا بعد عيان…

أنا متفائل جدا ليوم غدٍ، وأعتقد أن الأسوء قد مرَّ، وأنَّ ما يأتي بكل المعايير أفضل مما مرَّ؛ لأنَّ ساعة الوهم قد غادرت، وساعة الصراحة قد حلَّت… قد يطول الزمن، قد يستغرق أكثر مما كنا نتصور؛ لكنه على كل حال هو آتٍ، بكل ما فيه وبكل ما ليس فيه…

لدي إحساس دفين أنَّ من كان يبني أسوارا من الظلم لعقود وسنوات، قد حلَّ أجله، وآن أوانه؛ وقد يخلفه من يواصل مهمَّته، لكنه لن يكون في مثل جبروته وفرعونيته، سيكون “فرعونا ضعيفا”، إذ كلَّما مات فرعون حلَّ مكانه قارون، وشتان بين الأول والآخر؛ هما سواء في إرادة الشر، ولكنها يختلفان في المدى وفي الأثر…

أما الخيرون، فلقد كانوا لقرون مشتتين، مقهورين، ضعفاء… إلاَّ أنَّ توالي المحن بدأت تقوي شوكتهم، وتتالي المظالم بدأت تلم شملهم؛ ولم يبق لهم سوى “رأس الحرباء” لينطلقوا في الآفاق، وليزرعوا الحسن والخير حيثما حلوا، ويتركوا الأثر الطيب من حيث ارتحلوا…

أخيَّ، ابحث عن خير قريب منك، واجمع نيتك إلى نيته

غالب داعي الأنا فيك، واعمل على “النحن”، ما استطعت إلى ذلك سبيلا..

لا تكن جبانا، ولا خوانا، ولا متهورا… فإنَّ الله قد رشحك لأمر عظيم..

ثق في الله تعالى، واحذر فقدان الأمل، فإنه الحالقة، وهو الطامة الكبرى..

حتى ولو بقي رجل صالح واحد في المدينة، فإنه قد يأتي من أقصاها، وقد يغير التاريخ، وقد يكون نقطة انعطاف للبشرية برمتها؛ فلم لا تكون أنت ذلك الرجل..

سلامي إلى غد، وإن غدا لناظره قريب.