سعة النفس أن ينهض الرجل بعظائم الأمور بل بأعظمها جدًا ووقارًا وهو إقامة الأديان وإصلاح الأمم وتحويل مجري التاريخ، ثم يطيب نفسًا للفكاهة ويطيب عطف،ا على المتفكهين، ويشركهم فيما يشغلهم من طرائف، فللجد صرامة تستغرق بعض النفوس فلا تتسع لهذا الجانب اللطيف من جوانب الحياة . .  ولكن النفوس لا تستغرق هذا الاستغراق إلا دلت علي شئ من ضيق  الحظيرة ونقص المزايا وإن نهضت بالعظيم من الأعمال. .  فاستراحة رسولنا صلى الله عليه وسلم ـ إلي الفكاهة هي مقياس تلك الآفاق النفسية الواسعة التي شملت كل ناحية من نواحي العاطفة الإنسانية، وهي المقياس الذي يبدي من العظمة مايبديه الجد في أعظم الأعمال، ومن الأمور التي افتقدناها اليوم في مجتمعاتنا الإسلامية:

أولاً: المزاح

الملاطفة بالقول في المزاح، ومداعبة الإخوان والخلان، يضفي على الحياة الاجتماعية روحًا شفافة تستمع النفوس بجمالها ووتتذوق معنى السعادة في ظلالها، وشرط ذلك في أدب الإسلام أن لايجافي الحقيقة، وأن يكون بقدر، ولقد  قالوا يارسول الله إنك تداعبنا، قال:”إنى لا أقول إلا حقًا”(1)، وأتى رجل إليه صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، احملنى، فقال صلى الله عليه وسلم “إنا حاملوك على ولد ناقة”.  قال: ما أصنع بولد الناقة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم” وهل تلد الإبل إلا النوق؟”(2) وهكذا أجاب ــ صلى الله عليه وسلم ــ الرجل إلى طلبه، ومزح معه في الجواب، حتى تساءل الرجل ـ ماذا أصنع بولد الناقة ؟ أى لايقوى على حملي، فكان الجواب لطيفًا صادقًا “وهل تلد الإبل إلا النوق ؟”.

وفي موقف آخر قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنس رضي الله عنه:”ياذا الأذنين”(3) فهذامزح، ولكنه مزح لايدخله الكذب فكل إنسان له أذنان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صادق في وصفه إياه بذلك. وأتت إمرأة عجوز إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: يارسول الله، أدع الله تعالى أن يدخلنى الجنة فقال: يا أم فلان إن الجنة لاتدخلها عجوز، فولت تبكى، فقال:أخبروها إنها لاتدخلها وهى عجوز، إن الله تعالى يقول(إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً*فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا*عُرُبًا أَتْرَابًا)(الواقعة:35-37). والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا كله لم يقل إلا حقًا، فمثل هذا المزاح تطيب به نفس المخاطب، وتحصل به المؤانسة. ولايجوز الإفراط في المزاح والمداومة عليه لأنه يشغل عن مهمات الحياة، ويؤذى الناس ويسقط المهابة والوقار، وهذا الذى ورد فيه النهى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ورد عنه  “لاتمار أخاك ولا تمازحه”.

ثانيًا: التبسم

الابتسامة العذبة التى تعلو الوجه في لقاء الأحباب، ومعاشرة الأصدقاء تضفي على الحياة مرحًا طيبًا، وفي أنس الأخ لأخيه وسروره بلقائه، وهى أمر مشروع يذهب بالجفاء، ويروح عن النفس فأما التجهم فإنه يورث الناس وحشة تباعد بين قلوبهم، وتفسد ذات بينهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في لقائه مع صحابته يبتسم في وجوههم، يقول ابن عبد الله البجلى:” ما رأني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم في وجهى”(6)

ثالثا: الضحك

الضحك فوق التبسم ودون القهقهة، فالتبسم انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور دون صوت، وهو مايكون بصوت لايسمعه إلا القريب، والضحك -وكذا البكاء- من الفطرة مصداقًا لقوله تعالى (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى)(النجم:43) (7).

وللضحك أسباب مختلفة كالتعجب أو الاحتجاب، أو الملاطفة بطلاقة الوجه. ولابأس بالضحك عند توافر دواعيه ودون إفراط بما لايصل إلى القهقة ودون أذى من سخرية أو غيرها فقد ضحك صلى الله عليه وسلم، عندما دخل عمر بن الخطاب رضى الله عنه، والنسوة يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكثرن من المسألة، فاحتجبن(8)، وضحك صلى الله عليه وسلم عندما كان بالطائف وقال لأصحابه إنا راجعون غدًا للقتال إن شاء الله، فسكتوا(9)، وعندما جبذه أعرابى بردائه جبذة شديدة أثرت في عنقه، فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم وضحك(10)، ثم أمر له بعطاء.

والذى يظهر من الأحاديث أن النبى صلى الله عليه وسلم كان في معظم أحواله لايزيد عن التبسم، وربما ضحك أحيانًا، أما الاكثار من الضحك والإفراط فيه فإنه يذهب الوقار، وقد ورد النهى عنه “لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب”(11). ويضرب لنا النبى صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في أريحيته وحبه لأصحابه وخاصة مع النعيمان بن عمرو أشهر الأنصار بالدعابة، لا يترك منها أحدًا ولا يراه النبي صل الله عليه وسلم فيتمالك أن يبتسم . .  وربما قصد النبي صلى الله عليه وسلم ببعض هذه الدعابات لطمعه في حلمه وعلمه بموقع الفكاهة من نفسه.

ففي يوم من الأيام جاء أعرابي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد وأناخ راحلته بفنائه، فقال بعض الصحابة لنعيمان : لو نحرتها فأكلناها ؟ . .  فإنا قد قرمنا إلى اللحم ، ويغرم النبى صلى الله عليه وسلم حقها، فنحرها نعيمان وخرج الأعرابي فرأى راحلته فصاح : واعقراه يا محمد! فخرج النبي يسأل “من فعل هذا ؟” قالوا : نعيمان فاتبعه النبي حتى وجده بدار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قد اختفي في خندق وجعل عليه الجريد.  فأشار إليه رجل ورفع صوته “ما رأيته يا رسول الله” وهو يشير بأصبعه إلي حيث هو ، فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تعفر وجهه بالتراب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما حملك علي ما صنعت ؟” قال: الذين دلوك عليّ يا رسول الله هم الذين أمروني، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عن وجهه التراب ويضحك. .  ثم غرم ثمن الراحلة للإعرابي.

وأخيرًا، إذا مزح الرسول صلى الله عليه وسلم فإنما كان يعطي الرضى والبشاشة حقهما، ولا يأخذ لهما من حق الصدق والمروءة، فكان مزاحه آية من آيات النبوة لأنه كان كذلك آية من آيات الإنسانية.

 

هوامش ومصادر

1ـ أخرجه مسلم.

2ـ أخرجه أبو داود والترمذى.

3ـ أخرجه أبو داود والترمذى كذلك.

4ـ الآيات 35: 37 الواقعة، والحديث رواه الترمذى في الشمائل.

5ـ أخرجه الترمذى.

6ـ متفق عليه.

7ـ آية 43 النجم.

8ـ روى هذا الحديث في الصحيحين.

9 ـ رواه البخارى.

10ـ مخرج في الصحيحين.

11ـ رواه البخارى في الأدب المفرد وكذلك ابن ماجة.

12ـ مجلة الأزهرـ ذى الحجة 1415هـ ـ مايو 1995م ـ الجزء الثانى عشر ـ السنة السابعة والستون ـ مجمع البحوث الإسلامية.

13ـ عظمة الرسول ـ محمد عطية الأبراشى ـ مكتبة الأسرةـ مهرجان القراءة للجميع 2002م ـ هيئة الكتاب المصرية.

14ـ عبقرية محمد ـ عباس محمود العقاد ـ مكتبة الأسرة ـ هيئة الكتاب المصرية

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.