منذ أن قُتل هابيل على يد أخيه قابيل والإنسانية تعيش على وقع سلسلة صراعات لا تكاد تنتهي؛ بفعل تنامي حدة الأحقاد التي يكنها الإنسان لأخيه الإنسان.. فبدل أن يُشرع في بناء جسور التواصل والحوار بين الشعوب لبناء مجتمع يضمن للكل حقه في العيش بهناء وسعادة، اتسعت هوّة الخلاف وهو ما تسبب في استفحال ظاهرة التعصب بشتى أشكالها، تعصب للفكرة وللجنس وللدين. وهذا الأخير -التعصب الديني- أضحى خطرًا محدقًا يهدد إنسانية الإنسان بالإرهاب والقتل دون أدنى شفقة، لأن الدين قد يصبح خطرًا إذا ما استُغل في تدمير الإنسان. ولا غرو في أن الحرب التي تنشُب عن خلفية دينية، تكون عواقبها وخيمة على الإنسان وعلى الكون، لأن الطرفين فيها يعتقدان أنهما على صواب، مستمدين شرعية أفعالهم من الدين نفسه، وحجتهم في ذلك تطبيق آوامر الإله. فالناظر في تاريخ الديانات، يجدها حُبلى بالصراع والاقتتال، وهذا راجع لفهم الناس، وإلا فروح الدين تهدف إلى إسعاد البشر في العاجل والآجل.
ولما كانت روح الدين تدعو إلى التعارف بالانفتاح على الآخر المخالف دينيًّا وعرقيًّا، فإننا لا نجد أي بُدّ من الصداقة ما دمنا نعيش في عالم واحد ونتنفس هواء واحدًا، إيمانًا منا بقيمة الصداقة باعتبارها قبولاً واحتواء، تتطلب منا غض الطرف عن الخلافات التي هي في جوهرها طبيعية والانتقال إلى واقع يقبل الجميع، ويُسهم في بناء المشترك الإنساني الذي يُجمع الكل حول أهميته باعتباره ضرورة للعيش معًا.
ففي الوقت الذي تدعو فيه كل الديانات إلى نبذ أشكال العنف والتعصب، نجد هناك بعض الحالات الشاذة التي تؤوّل النصوص الدينية حسب الأهواء، وتعمد إلى إشهار السيوف في وجه المُخالف تحت ذريعة الجهاد، وغيرها من الخطابات التي لا يمكن لعاقل أن يصنفها داخل الأخلاق ولا الدين، باعتباره (الدين) جاء لخدمة البشرية وتمتيعهم بالسعادة الروحية فكان أن حصل عكس المبتغى؛ لأنه ترجم في العديد من الأحيان إلى حروب دامية راحت في سبيلها أرواح عديدة، وبدل أن يعيش الإنسان حرًّا في إرادته أصبح يتملكه هاجس الخوف في التعبيرعن مواقفه وقراراته ، خوفًا من المواجهة مع من يختلفون معه. ولقد ازدادت حدة العنف تلك في السنوات القليلة الماضية، واتخذت عدة تلوينات طائفية دينية وغيرها. فكيف للصداقة أن تنقلنا من العنف إلى اللاعنف؟

في أهمية الصداقة

لدينا كلنا ذاك الصديق الذي نلجأ إليه عند الشدة والضيق، ولم نفكر يومًا أن هذا جوهر الصداقة، إنما نطلب منفعة عرضية تجعلنا بعيدين كل البعد عن جوهر الصداقة المحمودة (صداقة الفضيلة)، فهل الصديق هو من يصاحبنا في وقت المحنة؟ يجيبنا أرسطو بقوله: “الصديق هو من يعيش معك، ويتحد وإياك في الأذواق، وتسره مسرّاتك وتحزنه أحزانك”. إن الصداقة بهذا الاعتبار هي تجرد من الذات -من الأنا إلى النحن- وهي ضرب من المشاركة الوجدانية. وهذا هو المعنى الحقيقي لصداقة الفضيلة. وعمومًا ينحصر الإنسان بين نوعين من الصداقة، صداقة المنفعة وهي عرضية زائلة تنتهي بانتهاء الغرض الذي يصبو الإنسان إلى تحقيقه على المدى القريب، وصداقة الفضيلة التي تتجاوز كل ما هو محسوس غائي إلى الحب باعتباره أسمى الغايات بين البشر.
إن الإنسان بما هو إنسان يظل وجوده مرتبط بالغير، فإما أن يكون صديقًا أو عدوًّا، لأن انتماءه للبشرية يفرض عليه الانخراط بشكل إرادي في الحياة الاجتماعية، لذا لا يُتوقع أن يعيش الإنسان السوي في معزل عن أخيه الإنسان، والصداقة هي التي تسهم في بناء الروابط الاجتماعية وتمتينها، طبعًا إذا ما تغيت روح الإنسان بعيدًا عن الخلافات التي لا يمكن أن تحدث أي مساس بالجوهر الأساسي للإنسان، وهي تقتضي عامل الزمن؛ فكلما طال عمر الصداقة أيقن الإنسان بدوامها، لأن الصداقات العابرة في الغالب ما تكون غايتها بلوغ مصلحة ما، وهي بهذا المعنى لا ترقى إلى ”الصداقة الخلاقة” المبنية على الفضيلة وحب الآخر.
أن يكون الشخص صديقًا ليس معناه أن تكون له نفس معتقداتك وأفكارك، فهذا كله أمر شخصي ومن المغالطات الإمساك بمثل هذه الخيوط، واعتبارها حُجة وذريعة لتبني فكرة العنف. قال الجنيد ذات مرة: “لو صحبني فاجر حسن الخلق، كان أحب إلي من أن يصحبني عابد سيء الخلق”؛ فالأكيد أن ما يهمني من الصديق هو خلقه وما يبديه لي من احترام، أما معتقداته وأفكاره وغيرهما فهي تخصه هو ولا دخل لي بها. وغير بعيد عن واقعنا الذي نعيشه كثيرًا ما نسمع أو نشاهد أخلاق المخالفين لنا من الغرب، في الوقت الذي تفتقر فيه كثير من مجتمعاتنا لهذا الرقي، وهذا يدفعنا لإعادة طرح السؤال القديم الجديد “لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟”. والواقع أن المجتمع الذي تسوده القيم الأخلاقية هو مثال للتقدم والتحضر، لأنه يؤمن بروح الإنسان والأخلاق التي تتجاوز كل الحدود الدينية والعرقية.
إن ما يدفع الناس إلى ربط علاقات الصداقة هو هذا الإحساس بالنقص، فالصديق هو من يوفر للشخص نوعًا من الأمان وتبادل وشائج الحب، ففي الحالة الاجتماعية تغمر الفرد رغبة قوية تحمله على الانفتاح تجاه الأصدقاء، لتبادل مشاعر الحب والإخاء فيما بينهم، عملاً بأهمية الصداقة في خلق جسور التواصل والحوار بين بني البشر. لذا نجد الصداقة اقترنت بوجود الإنسان داخل الجماعات، فمنذ أن وُجد الإنسان وهو في بحث مستمر عن إنشاء وإقامة علاقات صداقة مع الآخرين، وإن كانت في البداية اتخذت شكل عشائر وجماعات لمواجهة قسوة الطبيعة، إلا أنه ومع تطور الإنسان وبروز تلك الانقسامات التي عرفتها البشرية، أصبح الإنسان يصادق الإنسان لمواجهة أخيه الإنسان بشتى أنواع العنف والتقتيل.

العنف فعل إنساني

بالرغم من أن الإنسان يتميز عن غيره من الكائنات بالعقل والتفكير، إلا أن هذا لم يمنعه من عيش تجربة العنف بشتى أشكالها.. ولا يزال الإنسان يرتكب الجرائم والقتل في حق أخيه الإنسان إلى أن يفنى، فحيث ما وُجد الإنسان وُجد العنف، بمعنى أن العنف مرتبط بوجود الإنسان وملازم له، والعنف يصبح أخطر حينما يواجه بعنف مضاد؛ عندها يصبح البقاء للأقوى، كما هو الحال في الحروب منذ فجر التاريخ إلى اليوم، حيث لا زال الإنسان يحتفظ في ذاكرته الجمعية بصور شنيعة جدًّا.
إن أخطر صور العنف هي تلك التي اقترنت بالتجربة الدينية، بالرغم من الأصوات الداعية إلى التسامح والحوار مع الديانات المخالفة، إلا أن الناس لم يزدهم ذلك إلا إصرارًا وإنتشاء بإزهاق الأرواح. فقد “كان الديني -ولا يزال- يرمي إلى تهدئة العنف ومنعه من التفجر، وبكلام أوضح، فإن هدف هذه المسلكيات الدينية والأخلاقية هو تحقيق اللاعنف بطريقة مباشرة”. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى عقول تَقبل الآخر، وتعتبره فعالاً في بناء المشترك الإنساني والحفاظ عليه، للحد من هذا العناد والتعصب في التعاطي مع المسألة الدينية؛ وبالتالي النظر إلى الإنسان الآخر على أنه قيمة القيم، بمعنى أن القيمة التي يتصف المرء بها يجب -قطعًا- أن تَخدِم الإنسانية جمعاء، وأن تحقق الخير الأسمى لكل إنسان، وأن تكون كونية الطابع، حتى تتحصل لديها تلك الدلالة المفاهيمية التي ينص عليها مجال القيم والأخلاق، وحتى الدين.
يكاد العداء أن يكون سمة ملازمة لكل أخوين في العهد القديم والأساطير الإغريقية على السواء، حيث يبدو كلاهما مدفوعًا بما يشبه الحتمية القاهرة إلى ممارسة العنف ضد الآخر”. فالإنسان مدفوع لممارسة العنف ضد أخيه الإنسان، فحتى في الأوقات التي نظن فيها أننا بعيدون عن ممارسة العنف والعدوان نكون حقًّا ممارسين للعنف بأي صيغة من الصيغ. “فالعالم ليس بئيسًا إلا في أعين الذين يسقطون عليه بؤسهم.

الصداقة من العنف إلى اللاعنف

إن الصداقة باعتبارها حاجة إنسانية أساسية، تهدف إلى إسعاد الناس فيما بينهم، وهي بذلك تتبوأ أعلى الدرجات في سلم الحاجات لدى الإنسان، إذ نجد الإنسان الذي حقق التوازن النفسي والتوافق الاجتماعي، هو الذي نجح في خوض تجربة الصداقة. فكلما نجح الإنسان في كسب صداقات خارجة عن الوسط الذي يعيشه -مثال العائلة- اكتسب مناعة أوفر تُمكّنه من العيش بسعادة، وهذا ما نحتاج إليه اليوم في وقت أصبحت فيه الإنسانية تعيش على وقع الفرقة والانقسام، حتى بات الكل يعيش نوعًا من الغربة، غربة في الحب في الوطن وفي الكون.
وإذا كانت الصداقة رابطة أنطولوجية وروحية تسعى إلى تحقيق الخير الأسمى للإنسان في العاجل والآجل، فإنها تعد أنموذجًا عمليًّا لفض النزاعات التي سببتها وحشية الإنسان من عنف هستيري وشغف في إبراز الذات ولو على حساب الآخر، وهذا كله بلا شك يسهم في يناعة العدوان وبالتالي العنف. إن مجرد التفكير في العنف، يجعل الفرد قلقًا يحمل هوية موسومة بشعور عدم الأمان والريبة من الغير، وهذا مبلغ الفرقة والشتات.
إن العنف باعتباره فعلاً لا عقلانيًّا موسوم بفرض الذات على الآخر، يصعب مقاربته فلسفيًّا رغم أن الفلسفة اهتمت به موضوعًا للنقاش مثل جميع المواضيع التي تهم الإنسان؛ بمعنى هل تتم مناقشته بما هو كائن أم بما يجب أن يكون، والعنف في الحقيقة يمثّل وضعًا تنعدم فيه كل القيم الأخلاقية، وتلغى فيه القوانين. بهذا المعنى يصبح العنف أساسه عدم قبول الذات بالأحرى، وعدم قبول الآخر، فغياب الحوار الداخلي المتمثل في المصالحة مع الذات هو المسؤول عن رفض الآخر.. فما دمنا لم نتدرب بعد على أن نعيش معًا، فالأكيد أننا سنعيش على وقع العنف، وهي دعوة لبناء المشترك والحفاظ عليه من خلال قيمة الصداقة التي “تتمثل في أن نحب الصديق”.

خاتمة

لقد عُرفت العلاقات الإنسانية بالتشنجات منذ فجر الإنسانية إلى اليوم، نتيجة الرغبة الجامحة التي تدفع بالإنسان نحو التملك والسيطرة على أخيه الإنسان، الأمر الذي لا يتم قبوله من لدن الآخرين، فيتبلور إلى عنف وصراعات عويصة يصعب الفكاك منها، وتبقى الصداقة حلاًّ واحدًا ووحيدًا، لأنها تنقل الإنسان من التفكير الذاتي إلى التفكير الجماعي، من الأنا إلى نحن.. وحاجة الإنسان إلى الصداقة تعدل حاجته إلى المأكل والمشرب، فأن يصادق الإنسان هو ضرب من إرضاء للنفس وللروح، ويتحقق له الاستقرار المنشود الذي تحتاجه البشرية اليوم، في ظل هذا الوضع الآيل للتأزم.

(*) باحث في الفلسفة والعلوم الإنسانية / المغرب.
المراجع
(1) الحياة المشتركة، لتزفيتان تودورف، ترجمة منذ عياشي، المركز الثقافي العربي 1995، الطبعة الأولى 2009.
(2) الصداقة والصديق، لأبي حيان التوحيدي.
(3) العنف والمقدس، لرينيه جيرار، ترجمة سميرة ريشا، مراجعة جورج سليمان، ط1، 2009، مركز دراسات الوحدة العربية.
(4) التجربة الصوفية بين الحب والعنف، لأنوار حمادي، كتاب جماعي، التصوف والعنف، من تنسيق صابر سويسي، منشورات مؤمنون بلا حدود، 2018.
(5) في الحل والترحال، لميشيل مافيزولي، ترجمة عبد الله زارو، أفريقيا الشرق، 2010.
(6) ما هي الصداقة؟ لجاك دريدا، ترجمة فتحي المسكيني، مومنون بلا حدود، 6 مارس 2019.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.