ينقسم الناس اليوم حول السنة النبوية، فمنهم من لا يرون في السنة إلا تراثًا لا يصلح في أحسن الأحوال إلا للسرد والتبرك قاعدين متقاعدين، ومنهم من لا يرون في المصادر إلا القرآن ويسقطون السنة من الحساب ويسردون في ذلك واهيات العلل والأسباب، ومنهم نفر لا يرى في السنة إلا كلامًا منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرقى ليؤسس نظرية في المعرفة ومنصة إطلاق لكثير من الرؤى في الإدارة والتخطيط والأخذ بأسباب الحضارة، تتساند مع منهج القرآن تبيينًا وتفصيلاً عمليًّا وتأسيسًا لدرر الفكر الذي ما أحوج الأمة لتلقفه استلهامًا لأجوبة مشرقة عن أسئلة العصر المقلقة.

إذا أردنا استشراف المستقبل ببصيرة وصدق، فإن علينا أن ندرك أن خير ما يمكن أن نفعله على الفور في سبيل ذلك، هو تحسين قرارات الحاضر والارتقاء بها؛ إذ ينبغي ألاّ تخدعنا الأوهام.

إننا نعتقد أن الأمة في مسيس الحاجة إلى دراسات تشرح الواقع بعين الوحي قرآنا وسنة لنفهم طبيعة أمراضنا وعللنا، إلى جانب بحوث تستطلع وتستشرف المستقبل، لأن سؤال الغد سؤال جوهري لكل من يقدم نفسه معالجًا لوضع البشرية المفكك. إنه التخطيط وبناء المعرفة المستقبلية، تلكم المعرفة الملتصقة بتطلعات الأمة ومشكلاتها وهمومها، إنها قرون الاستشعار الممدودة في جوف المستقبل، وعلى مقدار تحسسها له والتصاقها به، تكون كفاءتها وصلاحيتها.
يعرّف “هنري فايول” أحد رواد الفكر الإداري الغربي التخطيط بأنه: “التنبؤ بما سيكون عليه المستقبل مع الاستعداد لهذا المستقبل”(1)، ويعرّفه “البرعي وعابدين” بأنه: “التصور المستقبلي المبني على الدراسة والتحليل للوقائع، والإحصائيات الثابتة للعمليات المستقبلية، ويتم -عادة- قبل العمل والتنفيذ”(2).
يلزمنا ونحن نعالج قضية المستقبل، أن نطرح السؤال التالي: هل كان في السنة النبوية تصور مستقبلي؟ هل كان فيها دراسة للبدائل؟ هل كان فيها نفس توقعي لأزمات قادمة؟ أم أن الأمر كان انتظارية وواقعية صماء تعالج ما نزل من الأمور والحوادث بما أتيح وأمكن ضمن شروط العصر ومتاحاته؟
حقيقة، لقد رفض الإسلام استشراف الغيب من طريق غير مشروع يدعي فيه المستشرف إمكان معرفته بما استقل الله تعالى بعلمه قبل وقوعه بالإطلاق، لكنه لم يرفض ما جاء من طريق الدراسة العلمية التجريبية أو الميدانية. فهذه الدنيا قائمة على سنن، منها ما يسير به الكون ومنها ما يسير به التاريخ، سنن في الطبيعة وسنن في المجتمع، والذي يتعرف إلى هذه السنن يستطيع أن يتنبأ بالنتائج إذا وجدت أسبابها دون أن يكون ذلك علمًا بالغيب أو مزاحمة لله في علمه. فالله الذي أذن للإنسان أن يتعرف على الكون وعلى نفسه، هو الذي أذن له أن يتعرف على حركته ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً، وتبقى الفروق ثابتة بين علم الله المحيط وعلم الإنسان المحدود، بين علم الله المطلق وعلم الإنسان النسبي(3).
والمسلمون اليوم تأسيًا بما علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته العطرة، مدعوون للأخذ بأسباب استشراف المستقبل، بما ترشحه وسائل العصر الحديث من إحصائيات وحسابات ودراسات مدققة في اتجاه الرقي بالعمل الإسلامي وحفظه مما يمكن أن يأتي عليه بالهدم والنقض أو العرقلة والتعطيل.
إن السنة في جوهرها تعلمنا الاستعداد لكل نائبة متوقعة من نوائب الدهر عن طريق استشراف المستقبل، والتخطيط المسبق، والنظرة بعيدة المدى. فنحن مستخلفون في هذه الأرض، فوجب أن نعدّ لها عدتها، ليس على أنها دار قرار أبدي، ولكن على أساس أننا مطالبون بعمارتها. ولا عمارة من غير تخطيط واستشراف للمستقبل، ولا تعارض إذ ذاك بين المفهومين، ومفهوم التخطيط في السنة هو من صميم التوكل والعزم، ويكفي أن نستحضر حديث النبي صلى الله عليه وسلم ناصحًا: “لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين” (رواه البخاري)، للتأكيد على الحاجة لوعي الأخطاء في التخطيط للمستقبل، وهي قاعدة لا غنى عنها في الدراسات المستقبلية. وكذا حديث الأعرابي مع النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخبره أنه ترك ناقته عند باب المسجد، وقد توكل على الله دون أن يعقلها فهربت، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم: “اعقلها وتوكل” (رواه ابن حبان) في دلالة مباشرة على أن مفهوم التخطيط الإسلامي، ينبغي أن يأخذ بالأسباب الشرعية مع التوكل على الله في تلقي النتائج.

إن السنة في جوهرها تعلمنا الاستعداد لكل نائبة متوقعة من نوائب الدهر عن طريق استشراف المستقبل، والتخطيط المسبق، والنظرة بعيدة المدى.

النبي صلى الله عليه وسلم يقدم المخطط الراجح

هناك نمط في ميدان التخطيط يسمى “النمط الاستطلاعي” (Exploratory)، وهذا النمط يستند إلى محاولة استشراف المستقبل المحتمل أو الممكن تحقيقه، من خلال معطيات علمية، وبيانات توضح العلاقة ما بين العناصر المبحوثة، مثلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مشاوراته في غزوة بدر وغزوة الخندق.
فالتخطيط الاستطلاعي قضى تقديم خطة الحباب بن المنذر في بدر بتغيير موقع النزول والتربص، وقد أدى ذلك الاختيار الموفق للنقط الإستراتيجية بحيث تكون في منأى عن العدو، ويتحكم المسلمون في مصادر القوة “المياه”، فيجعلونها خلف خطوطهم للاستفادة منها في المعركة دون أعدائهم، فتم بذلك تأمين نقطة نفيسة في إدارة الحرب من خلال تخطيط استطلاعي محكم.
وهكذا يبدو لنا أن مقتضيات التخطيط -سواء المدني أو العسكري- للمستقبل القريب والبعيد، هي في جوهرها “اتخاذ قرارات” في ماذا سنعمل؟ وماذا نعمل؟ وماذا لن نعمل؟ فكثير من الأهداف والإجراءات هي مهمة وضرورية، وكذلك كفاءة الفريق أو المجموعة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل بمنطق الفريق والجماعة في اختيار أكثرها أهمية، وتأخير أو إلغاء أهداف أو إجراءات أخرى هامة، وهو ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمقياس للتقديم أو التأخير هو في مردودها الكبير على فعالية النشاط أو العملية المرتقبة.
وفي بدر لم يكن اختيار الإجراءات الإستراتيجية مرتبطًا بفرد واحد، بل شارك فيه أكثر من عنصر وهو أرقى مستوى في التخطيط، يعرف بالتخطيط الجماعي، حيث يعهد بالأمر في استشارات موسعة يقدم فيها الأكثر خبرةً وعلمًا في مجال الهدف، فكل علم يسأل عنه أهله، وما خاب من استشار، والحكمة ضالة المؤمن.
وفي مثال ثانٍ، نرى كيف قدم النبي صلى الله عليه وسلم خطة سلمان في الخندق، حتى كانت غزوة الخندق (الأحزاب) من أنجح المعارك الدفاعية على مر التاريخ، إذ تمكنت قـوة صـغيـرة مـن الدفـاع عن المدينة ضد قوات متفوقة عـددًا وعـدّة، ويرجـع ذلك إلى إشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه على رسول الله صلى عليه وسلم بأن الفُرْس يستخدمون الخنادق مانعًا صناعيًّا، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن طور الرسم الهندسي للخندق، حتى يكون مانعًا هندسيًّا منيعًا يخدم الخطة الدفاعية، وقام بحفر خندق طوله 8 كيلومترات وعرضه 6 أمتار وعمقه 5 أمتار. وقد برع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكوين ذلك المانع الهندسي أمام الحد الأمامي لدفاعات المسلمين، فقد ارتكزت جوانب ذلك الخندق على موانع طبيعية من الصخور، والتي لا يمكن للعدو التقدم من قِبَلها.

لا يمكن بناء خطط إستراتيجية للمستقبل دون إعمال لمعطيات حسابية وبيانات رياضية مدققة تكون بمنزلة المقدمات لبرامج المستقبل وعملية اتخاذ القرار.

وكان لحفر الخنادق تطور كبير في التخطيط للمعارك الدفاعية؛ حيث لم يكن معروفًا في شبه الجزيرة العربية. وقد كان هذا الخندق، أول تجهيز هندسي لموانع عسكرية في ذلك العصر، ثم أصبح إحدى أعظم التجهيزات الدفاعية في العصر الحديث، وخاصة أن ذلك الخندق تم اختيار موقعه في عـنق المواجـهة على طـريق الاقتراب إلى المدينة. وقد كان لرسـول الله صلى الله عليه وسلم الفضل ليس في عمل الخندق، وإنما في اختيار المكـان والأبعـاد الهـنـدسـيـة التـي أمــر بها، بحـيث لا يستطـيع لا الأفراد ولا الفرسان اختراقه أو تجاوزه.

عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بالإحصاء في استشراف المستقبل

لا يمكن بناء خطط إستراتيجية للمستقبل دون إعمال لمعطيات حسابية وبيانات رياضية مدققة تكون بمنزلة المقدمات لبرامج المستقبل وعملية اتخاذ القرار، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصًا على الإفادة من معطيات الإحصاء كما جاءت بذلك الأخبار المروية؛ فقد روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أَحصوا لي كم يَلْفِظُ الإسلامَ؟ فقلنا: يا رسول الله أتخافُ علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ قال: إنكم لا تدرون لعلكم أن تُبْتَلوْا، فَابتُلينا حتى جعل الرجل منَّا لا يُصلّي إلا سِرًّا”.
وقد جاء في رواية البخاري “اكتبوا”، وفي بعض الروايات للبخاري وغيره “اكتبوا من يلفظ بالإسلام فكتبنا”، وفي رواية النسائي وغيره “أَحصوا لي من كان يلفظ بالإسلام”، وفي رواية أبي يعلى الموصلي “أحصوا كل من تلفظ بالإسلام”. ووقع في رواية البخاري: “فكتبنا له ألفًا وخمسمائة” فقلنا: تخاف ونحن ألف وخمسمائة”، وفي رواية للبخاري أيضًا: “فوجدناهم خمسمائة” وقد يقال وجه الجمع بين هذه الألفاظ أن يكون قولهم “ألف وخمسمائة”؛ المراد به النساء والصبيان والرجال، ويكون قولهم “ستمائة إلى سبعمائة” الرجال خاصة، ويكون “خمسمائة” المراد به المقاتلون، ولكن هذا الجواب باطل برواية البخاري في أواخر كتاب السير في باب كتابة الإمام الناس قال فيها: “فكتبنا له ألفًا وخمسمائة رجل”، والجواب الصحيح إن شاء الله تعالى أن يقال: لعلهم أرادوا بقولهم ما بين الستمائة إلى السبعمائة رجال المدينة خاصة، وبقولهم: “فكتبنا له ألفا وخمسمائة” هم مع المسلمين حولهم، وأما قوله “ابتلينا فجعل الرجل لا يصلِّي إلا سِرًّا” فلعله كان في بعض الفتن التي جرت(4).
إن اهتمام المحدثين والشراح رضي الله عنه، انصرف لتوجيه اختلاف العدد الوارد في الحديث، ولم يلتفت كثيرًا لأهمية الإحصاء في حد ذاته وفقه التخطيط والاستشراف في هذا الحديث، والعبارة الجوابية للرسول صلى الله عليه وسلم تعطينا بُعْدَ الاستباق “Anticipation” في تخطيطه وإحصائه: “لعلكم أن تبتلوا”، أي إن الهدف من وراء الإحصاء مرتهن بتخوفات من المستقبل ينبغي الإعداد لها والتهيؤ لمجيئها. إنه التفكير في العقبات والتهديدات ونقاط القوة ونقاط الضعف.
وعناية الرسول صلى الله عليه وسلم بالإحصاء جاءت في غير ما محل، من ذلك ما روي عنه حين تعرف إلى عدد جيوش الأعداء، من خلال السؤال عن عدد ما ينحرون من الإبل كل يوم، فجاء من حديث علي رضي الله عنه قال: “لمَّا قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها، فاجتويناها وأصابنا بها وَعْك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخبَّر عن بدر، فلما بلَغَنا أن المشركين قد أقبلوا، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وبدرٌ بئرٌ، فسبقنا المشركون إليها، فوجدنا فيها رجلين منهم: رجلاً من قريش، ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القرشي فانفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: “كم القوم؟”، قال: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجَهَد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره كم هم، فأبى، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: “كم ينحرون من الجُزر؟”، فقال: عشرًا كل يوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “القوم ألف، كل جَزور لمائة وتَبِعَها”، ثم إنه أصابنا من الليل طَشٌّ من مطرٍ، فانطلقنا تحت الشجر” (الإمام أحمد).
والحق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذا نظر ثاقب ورؤية بعيدة مستشرفة للمستقبل حين أمر بكتابة وإحصاء عدد المسلمين، ذلك أن من شروط القيادة المحنكة والرشيدة، أن لا تبادر لاتخاذ أي قرار يهم جماهير الناس الذين تسوسهم حتى تنظر في عددهم الإجمالي وميولاتهم واتجاهاتهم، وهو عين ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم حين أمر بإحصاء من يلفظ بالإسلام. فهو إحصاء مبني على قاعدة الميولات الفكرية المكونة من القيم
(Values) والمعتقدات (Beliefs)، يقول تومبسون: “إن معرفة المستقبل ينبغي أن تعتمد على معرفة الاتجاهات والميول قبل معرفة أي شيء آخر”(5).
وهكذا، فإن الإحصاء، باعتباره أداة تقويم وقياس في عمليات التخطيط للمستقبل، وظفه النبي صلى الله عليه وسلم توظيفًا ذكيًّا يضاهي ما توصلت إليه أحدث المقاربات المعاصرة في دراسة المستقبل قياس قدرات الذات وقياس قدرات الخصم، قياس نقاط القوة وقياس نقاط الضعف. والتخطيط له يذكرنا بما يسمى بـ”التحليل الإستراتيجي الرباعي”، أو ما يصطلح عليه اختصارًا بـ”SWOT” وهو دراسة المعلومات والبيانات والآراء للتعرف على نقط القوة والضعف، وكذلك التعرف على الفرص المتاحة والتهديدات المتوقعة في البيئة المحيطة.
في الختام، بقي أن نقول بأنه إذا أردنا استشراف المستقبل ببصيرة وصدق، فإن علينا أن ندرك أن خير ما يمكن أن نفعله على الفور في سبيل ذلك، هو تحسين قرارات الحاضر والارتقاء بها؛ إذ ينبغي ألاّ تخدعنا الأوهام، ونظن أن جهودنا الحالية في التنمية، وحديثنا بملء الفم عن المستقبل، سوف تحسن من فرص العيش الكريم للناس في قابل الأيام؛ إذ من غير المألوف أن نستولد مستقبلاً جيدًا من واقع رديء، قال الله تعالى (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، وهي أم القواعد في باب التطوير والتنمية وتصميم المستقبل.

(*)أكاديمي ومفكر مغربي.
الهوامش
(1)Fayol, Industrial and general management, Translated by Constance Storrs, London: pitman, publishing co, ltd, p43.
(2) الإدارة في التراث الإسلامي، محمد البرعي، وعدنان عابدين، مكتبة الخدمات الحديثة، ج1، 1987، ص:25.
(3) الفكر الإسلامي والمستقبل، عز الدين توفيق، ضمن مجلة البيان، ع84، س9، 1995، ص:94.
(4) شرح النووي على مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 2/179.
(5)نحو فهم المستقبلية، آلان تومبسون، ترجمة: ياسر الفهد، ضمن مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، ع1، مج15، 1987، ص:299.

Leave a Reply

Your email address will not be published.