جاء في الأثَر عن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” (رواه أبو داود). وقد توالى ظهور المجددين عبر العصور، وكتب عنهم كثيرون قديمًا، منهم جلال الدين السيوطي في كتابه “التنبئة بمن يبعثه الله على رأس المائة”؛ وكتب عنهم كثيرون حديثًا منهم الشيخ عبد المتعال الصعيدي وقد استوعب في كتابه “المجدّدون في الإسلام” من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر الهجري.

وبالتنقيب في سير أولئك المجددين السابقين نجد أن:
• منهم مَن كان تجديده بإحياء السنن النبوية وإزالة البدع والخرافات التي التصقت بالدين.
• ومنهم من كان تجديده من خلال تقديم تفسيرات جديدة لآيات القرآن الكريم.
• ومنهم من جاء تجديده فِقهيًّا، فقدم اجتهادات غير مسبوقة، وسابقة لعصرها في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.
• ومنهم من جاء تجديده في ميادين الجهاد والدعوة إلى التحرر وإعلاء كلمة الله، ومقاومة الظلم والظالمين وإقرار العدل.
• ومنهم من جاء تجديده بإحياء الفهم الشامل للإسلام باعتباره منهج حياة متكامل، يتناول أمور الدين والدنيا جميعًا.

تعرض الشيخ فتح الله لحملات متلاحقة من التشويه ليس فقط بهدف النيل من شخصه الكريم، وإنما أيضًا بهدف النيل من فكرته، وإهالة التراب على الزاوية التجديدية التي نذر نفسه لها ألا وهي “عالمية الإسلام” في الواقع والتطبيق وليس فقط بالفسلفة والتنظير.

وهكذا مضت سنة الله في أمة الإسلام عبر القرون الماضية، إلى أن جاء على رأس المائة الخامسة عشرة الأستاذ المربّي محمد فتح الله كولن، داعيًا الأمة إلى تجديد أمر دينها من زاوية عملية وجديدة قياسًا إلى المجددين الذين سبقوه، وهي “العالمية”، وهي زاوية قلّما اهتم بها السابقون، رغم الأهمية الكبرى التي تمثلها فكرة “العالمية” في بناء رؤية إسلامية للعالم من الناحيتَين النظرية الأصولية، والتطبيقية الواقعية. وقد انصبت اجتهادات الأستاذ فتح الله كولن على إبراز “عالمية الإسلام”، وبيان كيف أنه يشمل جميع بني البشر ويستوعبهم ولا يستبعد فئة منهم، ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالخدمة والعمل الصالح النافع في آن واحد، ولا يكره أحدًا منهم على الدخول فيه أو ترك ما يدين به.
وكدأب أغلب المجددين وحملة العُدْوة إلى الله تعالى؛ تعرض الشيخ فتح الله لحملات متلاحقة من التشويه ليس فقط بهدف النيل من شخصه الكريم، وإنما أيضًا بهدف النيل من فكرته، وإهالة التراب على الزاوية التجديدية التي نذر نفسه لها ألا وهي “عالمية الإسلام” في الواقع والتطبيق وليس فقط بالفسلفة والتنظير. وكم كان حكيمًا في قوله “الآذان شبعى والأعين جوعى” في إشارة إلى حاجة الأمة إلى أن تقرن القول بالعمل، وأن يجدّ ويجتهد أبناؤها في بناء صرح الروح وصرح الحضارة معًا.
وقصدْنا هنا أن نرسم المعالم الرئيسية لشخصية الأستاذ محمد فتح الله كولن، باعتباره أحد مجددي الفكر الإسلامي المعاصر داخل تركيا وخارجها. وهو في نظرنا يستحق صفة المجدد بكل ما تحمله هذه الصفة من معاني التمسك بالأصول والاجتهاد في ضوء تحديات العصر ومكشلاته. لقد أسس الأستاذ حركة واسعة الانتشار لا تحمل اسمًا محددًا، وإنما توافق أغلب الباحثين والأكاديميين المعنيين بها على تسميتها باسم “حركة الخدمة”. هذه الحركة -كما سنرى- تستلهم أفكار الشيخ فتح الله وتحولها إلى مشروعات ومؤسسات وبرامج متنوعة تصب -رغم تنوعها- باتجاه تحقيق عالمية الإسلام بالمعنى الذي يشدد عليه الأستاذ فتح الله. كما تركز “الخدمة” أيضًا -وربما لأول مرة- على استخدام “القوة الناعمة” في ممارساتها العملية، استنادًا إلى رؤية معرفية تركز على قيم الحرية والعدالة والمساواة والسلام واحترام حقوق الإنسان؛ عبر منظومة من المشروعات والمؤسسات، والبرامج التعليمية والصحية، والإعلامية والفنية، والخدمية والإغاثية.
مَن هو محمد فتح الله كولن؟
الأستاذ “محمد فتح الله كولن” سبق أن جاء في المرتبة الأولى ضمن قائمة “أهم مائة مثقف معاصر في العالم”، وذلك “لتجاوز تأثيره حدود بلده، وذيوع صيته الثقافي في مختلف أنحاء العالم”؛ بحسب نتائج الاستطلاع الذي أجرته في صيف 2008 مجلّة السياسة الخارجية “Forgien Policy” الأمريكية، بالتعاون مع مجلة Prospect البريطانية. وللأستاذ فتح الله عديد من المؤلفات والبحوث والمقالات بلغت أكثر من 70 كتابًا، بعضها مترجم إلى العربية، وبعضها مترجم إلى عدة لغات أخرى. وله 485 مقالة، منشورة في ثلاث مجلات تصدر بالتركية، هي: مجلة سِيزِنْتِي (Sızıntı) وفيها 360 مقالة؛ ومجلة ياغْمُور (Yağmur) وفيها 44 مقالة؛ ومجلة يَنِي أُمِيد (Yeni Ümit) وفيها 81 مقالة. وله ديوان شعر من مجلدَين (بالتركية) بعنوان “المضرب المكسور” (Kırık Mızrap). هذا إضافة إلى آلاف الخطب والمحاضرات والمواعظ والدروس المسجّلة على أشرطة كاسيت. ويقوم تلامذته بتفريغها وتحريرها، ويقوم هو بمراجعتها قبل التصريح بطباعتها، وهي في معظمها لا تزال بلغتها الأصلية “التركية”.

قصدْنا هنا أن نرسم المعالم الرئيسية لشخصية الأستاذ محمد فتح الله كولن، باعتباره أحد مجددي الفكر الإسلامي المعاصر داخل تركيا وخارجها. وهو في نظرنا يستحق صفة المجدد بكل ما تحمله هذه الصفة من معاني التمسك بالأصول والاجتهاد في ضوء تحديات العصر ومكشلاته.

 

ولد فتح الله كولن سنة 1938 في قرية “كوروجك” التابعة لمدينة “حسن قلعة” في محافظة “أرضروم” بالأناضول التركي. وسكان الأناضول في عمومهم تغلب عليهم نزعة التدين والاعتزاز بالإسلام، والتمسك بالتقاليد والمحافظة عليها في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية. وقد أضحى من كبار رواد العمل المدني على مستوى العالم انطلاقًا من رؤية يؤمن بها، وهي أن الإسلام جاء لمد يد العون لجميع بني آدم، وأن عظمة هذا الدين تتجلى أكثر وأكثر عندما يشعر كل بني البشر -بغضّ النظر عن اختلاف عقائدهم وألوانهم وأعراقهم- أنهم آمنون في ظلاله، مستفيدون من عطاءاته في مختلف المجالات. وقد استطاع الأستاذ فتح الله بهذه الفكرة الواضحة أن يصل بحركته إلى العالمية، وأن يكشف عن “أنّ جوهر الرسالة الإسلامية هو “خدمة العالم”، كل العالم بلا استثناء”.
والذي يلفت النظر، هو أن معرفة النخب العربية -والمصرية على وجه الخصوص- بالأستاذ فتح الله وأفكاره وحركته، لا تزال محدودة جدًّا مقارنةً بمعرفة النخب العلمية والثقافية والإعلامية به في البلدان الأوربية والأمريكية. يشهد على ذلك كثرة الندوات الفكرية، والمؤتمرات العلمية، والبحوث والدراسات والرسائل الجامعية التي عكف أصحابها في تلك البلدان على تحليل شخصية “الأستاذ”، واهتموا بدراسة آرائه واجتهاداته، وسعوا للكشف عن عوامل كفاءتها ونجاحها في الاستجابة لمشكلات الواقع وتحدياته، إضافة إلى الاهتمام باستشراف المسارات المستقبلية التي يمكن أن تؤول إليها اجتهاداته وتوجيهاته على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والحضارية بشكل عام؛ داخل بلده تركيا وخارجها أيضًا على امتداد الساحة العالمية.
يكمن عدد كبير من الأسباب خلف نقص معرفتنا -في مصر وأغلبية البلدان العربية والإسلامية- بأحوال المجتمع والدولة والنخب الفكرية والعلمية والثقافية في تركيا، وليس فقط بالأستاذ “محمد فتح الله كولن” ومنهجه في التجديد وحركته المدنية واسعة الانتشار ذائعة الصيت عالميًّا.
بعض هذه الأسباب يرجع إلى ضعف التواصل الفكري والثقافي والعلمي بين العرب والأتراك نتيجة عوامل سياسية تراكمت في نهاية الدولة العثمانية، ثم تكرست منذ بدايات عهد الجمهورية التركية؛ حيث سادت نظرية “الانسلاخ المتبادل” بين الجانبين، أو تنكُّر كل منهما للآخر وتحميله مسؤولية تأخره.
والبعض الآخر من الأسباب يرجع إلى “صورة نمطية” موروثة من أزمنة سابقة، تؤكد على أن شهرة العثمانيين/الأتراك هي في ميادين الحرب والبطولات العسكرية، أكثر منها في ميادين العلم والفقه، ناهيك عن التجديد والاجتهاد في أمور الدين والحياة المدنية. ولا تزال هذه الصورة النمطية موجودة في الذهنية العربية إلى اليوم؛ إذ لا يسهل على “العربي” أن يستحضر أسماء “علماء” في الشريعة أو دعاة مشهورين، بينما يسهل عليه أن يذكر بعض أسماء سلاطين آل عثمان أمثال سليمان القانوني، وسليم الأول، ومحمد الفاتح، وعبد الحميد الثاني، كما يسهل -على العربي أيضًا- أن يستحضر بعض أسماء قادة وزعماء سياسيين في عهد “الجمهورية التركية” من أتاتورك، إلى تورْغُوط أُوزال، إلى عبد الله كول.
أغلب تلك الأسباب التي أضعفت التواصل العربي التركي في مراحل سابقة، بدأ يزول منذ عقد من الزمان أو أكثر قليلاً. فهناك سلسلة من الجهود المبذولة منذ نحو عشر سنوات من أجل تجديد الصلات بين العرب والأتراك على مختلف المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية وأحيانًا العسكرية.

“الخدمة” من المحلية إلى العالمية

ترجع النشأة الأولى لحركة الخدمة التي أسسها الأستاذ فتح الله كولن، إلى ستينيات القرن العشرين. وقد تطورت حتى وصلت إلى العالمية مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة. وكلمة “الخدمة” هي المستعملة في أوساط المنخرطين في الأنشطة والبرامج التعليمية والتربوية والثقافية والصحية على نهج الأستاذ فتح الله. وأغلب ظني أن استعمالهم لكلمة “الخدمة” هو مظهر من مظاهر تأثرهم بالفكر الصوفي الوجداني وتراثه الذي يجعل “الخدمة” وسيلة للقرب من الله تعالى. وللتصوف وطرقه تاريخ عريق في بلاد الأناضول بصفة عامة، ومنه استمد الأستاذ فتح الله قسطًا كبيرًا من بنائه الروحي والأخلاقي برؤية تجديدية أوضحها في مؤلفاته ومنها بصفة خاصة “التلال الزمردية”، وكتاب “ونحن نقيم صرح الروح”.

أعتقد أننا في العالم العربي لا زلنا بحاجة إلى كثير من المجهودات البحثية والفكرية والثقافية من أجل الانفتاح على اجتهادات الأستاذ فتح الله كولن، وبخاصة من زاوية “العالمية” وهي -كما أسلفنا- أهم زوايا مشروعه التجديدي على الإطلاق.

وتشير كلمة “الخدمة” في الواقع إلى مئات المؤسسات التعليمية والتربوية والإعلامية والثقافية والفنية والروحية. وهي تنتظم مئات الآلاف من المقتنعين بفلسفة الخدمة وبأفكار الأستاذ فتح الله، من رجال الأعمال (الأصناف) والشباب والطلاب، والنخب الفكرية والثقافية… وإذا كان لنا أن نؤكد على خصوصية هذه الحركة فخصوصيتها هي أنها “عالمية” و”إنسانية”، وهي تستند إلى أصول ومبادئ المرجعية الإسلامية، وفق فهم وسطي منفتح ومستوعب لمتغيرات العصر ومهموم بمواجهة تحدياته وحل مشكلاته. ولعل أهم أسباب نجاح حركة “الخدمة” هو أن الأستاذ استطاع أن يصوغ أطروحاته الفلسفية والفكرية التربوية والعملية على أساس إدراك عميق لخاصية عالمية الإسلام وكونه دينًا منفتحًا على الإنسان حيثما كان وعلى الحياة بكل جوانبها، إضافة إلى إدراكه العميق لخاصية العصر، وخاصية الإنسان المعاصر وكونه متعدد الاهتمامات، متسع التطلعات، وتتناوشه نزعات متنوعة ومتعارضة في آن واحد.
تضييق الفجوة بين النظرية والتطبيق
انفصال القول عن الفعل هو من أهم الآفات التي أصيبت بها المجتمعات الإسلامية منذ عدة قرون. وهذه الآفة جعلها الأستاذ فتح الله في بؤرة اهتمامه وهو يبحث عن طرائق تجديد عناصر القوة في جسد الأمة. وقد استطاع الأستاذ أن يحقق إنجازات ملموسة في مجال تضييق الفجوة بين النظرية والتطبيق، أو بين القول والفعل إلى حد كبير، وذلك من خلال منظومة فكرية مستندة إلى عناصر تفعيل القدرات الإنسانية واقعيًا؛ فمصطلح “الإيمان” بالمفهوم الذي قدمه الأستاذ وغرسه في كيان تلامذته، يعتبر مفتاحًا ضروريًّا وَلَجَ من خلاله في تغذية جذور الإنسان الروحية بالحياة والحيوية، وذلك بالدعوة إلى ضرورة التمثل العميق لقيم القرآن الكريم، وضرورة طبع العمل والبناء بمسحة قرآنية تطوعية وفق منهج السلف الصالح، وبخاصة منهج الصحابة الكرام، وبروح اجتهادية تجديدية تساير روح العصر.

وبالنظر مليًّا في الأصول التربوية والروحية لدى الأستاذ كولن، نجد أنها تعتبر مجالاً حيويًّا بالغ الثراء في إمداد حركة الخدمة بالقوة والدافعية للإنجاز وفق أعلى معايير الجودة المعروفة عالميًّا في ميادين التربية والتعليم والفن والثقافة… إلخ. وعلى يد إنسان مفعم بالهمّ والهمّة، وقادر على ترجمتها في الواقع مستلهمًا عصر الصحابة، أو “عصر السعادة” كما يطلق عليه الأستاذ. والأمر المهم عند الأستاذ فتح الله ليس شكل التدين، وإنما “جوهره” الذي يتجلى في فاعلية الإيمان والدين والقيم. ويأتي تركيزه على هذه القيم استجابة لتحديات هذا العصر المليء بالأزمات، والباعث على التشاؤم من المستقبل من فرط الحديث عن “النهايات” التي تطرحها المنظومات والمذاهب الفكرية المختلفة: كنهاية التاريخ، ونهاية إنسان القيم والأخلاق، ودعوى موت الإله، ونهاية الأيديولوجيا. ووسط هذه النزعة التشاؤمية يلح “الأستاذ” على أن الإسلام يمدنا بالتفاؤل، ويفتح أمام الإنسان بدايات جديدة باستمرار، ولا يتركه يقع فريسة للشكوك التي لا نهاية لها.
ولا يفوت الأستاذ أن يقدم رؤاه التجديدة في أعقد المسائل الكلامية ذات الصلة بإرادة الإنسان وقدرته على الفعل والكسب؛ فتحليلاته وانتقاداته المتعمقة للمذاهب الشاطحة بعيدًا عن شواطئ الإيمان مثل الداروينية والإلحاد والمادية والنفعية، لم تُنسِهِ مهمّته الأساسية في تثبيت عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر وفق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وخاصة الأشاعرة. وفي هذا السياق، وجدناه يقدم اجتهادًا معتبرًا تفسير “إرادة الإنسان” في ضوء مشيئة الله تعالى. وقد ميز الأستاذ بين ما سماه “الإرادة الكلية”، و”الإرادة الجزئية”، وقال إلى معنى الإرادة هو التوجه والمشيئة، وهذه تعود إلى الله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)(الإنسان:30)، ويوضح فكرته فيقول: “إن الله خالق كل شيء، ولكنه من أجل التكليف والامتحان، ومن أجل أسرار وحكم أخرى، قبِل عزم البشر على الفعل وكسبهم شرطًا عاديًّا”(1).
وفي ضوء الرؤية الشاملة التي قدمها الأستاذ فتح الله، يبرز مشروع “خدمة الإنسان” -مطلق الإنسان- وهذا المشروع لم يتوقف عند حدود تركيا، بل تجاوزها -كما أسلفنا- ليصبح ملكًا لعموم الأمة، بل ملكًا للإنسانية كلها، وصار محل اهتمام وتركيز دوائر فكرية وفلسفية وأكاديمية متنوعة الاختصاصات.

تشير كلمة “الخدمة” في الواقع إلى مئات المؤسسات التعليمية والتربوية والإعلامية والثقافية والفنية والروحية. وهي تنتظم مئات الآلاف من المقتنعين بفلسفة الخدمة وبأفكار الأستاذ فتح الله، من رجال الأعمال (الأصناف) والشباب والطلاب، والنخب الفكرية والثقافية…

إن أهم ما تتميز به “حركة الخدمة”، هو استحضارها للوحي في كل مرتكزاتها. فالوحي -حسب رؤية الأستاذ كولن- لحظة فاصلة في غاية الأهمية في مسار الإنسانية كلها. هو يرى أن حال هذه الإنسانية قد تغير بنزول الوحي على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-. وتفصلنا اليوم عن زمن الوحي مسافة زمنية طويلة، كما تفصلنا مسافة أطول منها عن امتداده في المستقبل. وفي رأيه أن الأسئلة المعلقة هي أسئلة تخص الإنسان ووظيفته في هذا الوجود، والجواب عن تلك الأسئلة هو الإيمان بهذه الرؤية الجديدة، أي البدء من جديد، وعدم الاستسلام لليأس. فكل إنسان مهيأ لأن يتنزل عليه معنى الوحي. ولما كان الإسلام فوق الزمان والمكان، كان الوحي كذلك فوق الزمان والمكان.
لقد نجحت حركة الخدمة في ترسيخ قيم الحوار والتفاهم في العالم الغربي بشهادات متوترة وموثوقة. فهل تنجح في أن تقدم للعالم العربي في ظل الواقع الراهن ما يرسي جو الحوار وبث الثقة بين أفراد المجتمع الواحد، وأن تقدم ما يمكن أن يمنح الثقة للآخر؟
إن الجواب على السؤال السابق تعترضه عقبات وتواجهه تحديات كثيرة لعل من أهمها ما يمكن تسميته “تحدي المصطلح”. فالخطاب الذي تقدمه “حركة خدمة العالم” له نسق مصطلحي خاص؛ إذ للأستاذ كولن قاموسه الاصطلاحي الخاص الذي يتغذى من روح القرآن الكريم وعمق السنة النبوية. فهو مصطلح واضح وجلي يدل على اقتناع واضعه بعمق ما يؤمن به. ولذلك فإن البحث في هذا المجال واستقصاء معانيه ودلالاته المكثفة يعتبر مفتاحًا ذهبيًّا لكل مغاليق المشروع الإصلاحي عند الأستاذ فتح الله. فمعقولية المصطلح وانضباطه، دليل على معقولية الفكرة، ودليل على انطلاق صاحبه من جهاز مفاهيمي واضح المعالم.
ابتعاد الخدمة عن “التسْيِيس”
أعتقد أننا في العالم العربي لا زلنا بحاجة إلى كثير من المجهودات البحثية والفكرية والثقافية من أجل الانفتاح على اجتهادات الأستاذ فتح الله كولن، وبخاصة من زاوية “العالمية” وهي -كما أسلفنا- أهم زوايا مشروعه التجديدي على الإطلاق. وأنا أدرك أن ثمة كثيرًا من التحديات والعقبات التي قد تعترض سبيل انفتاحنا في العالم العربي على اجتهادات الأستاذ فتح الله ونموذج “الخدمة” بصفة عامة. و”التسييس” هو أول وأكبر تلك العقبات؛ فجلّ الحركات الإصلاحية في العالم العربي، هي حركات سياسية اجتماعية في كثير من الأحيان خلافًا لما يميز “حركة الخدمة” باعتبارها حركة مدنية تنأى بنفسها عن العمل السياسي. فميزة “حركة الخدمة” الأساسية هي الرؤية العميقة للواقع، وبناؤها لرصيد مهم من الثقة. والسؤال هو: كيف يمكن الاستفادة من هذا المنهج في العالم العربي، وهل تستجيب الشروط التاريخية والموضوعية في العالم العربي للتفاعل مع خصوصيات الخدمة، وقدرتها الكبيرة على الحوار والتسامح والانفتاح؟
إننا في العالم العربي في أشد الحاجة للتأمل في آليات الانفتاح على الفلسفات العالمية كما تتجلى في رؤى واجتهادات الأستاذ فتح الله، وكما تترجمها مشروعات ومؤسسات الخدمة. وهذا في رأينا واحد من الدروس الكبرى التي يقدمها مؤسس الخدمة الأستاذ فتح الله. فالخدمة في نهاية المطاف “فكرة” اقتنع الناس بجدواها وبمعقوليتها فتبنَّوها.

إن أهم ما تتميز به “حركة الخدمة”، هو استحضارها للوحي في كل مرتكزاتها. فالوحي -حسب رؤية الأستاذ كولن- لحظة فاصلة في غاية الأهمية في مسار الإنسانية كلها. هو يرى أن حال هذه الإنسانية قد تغير بنزول الوحي على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

ويتجدد السؤال هنا أيضًا: هل الأستاذ كولن هو مجرّد رجل أوحى بهذه الفكرة أم هو الساهر على تطبيقها وتفعيلها؟
من الواضح أن الجواب على هذا السؤال أصعب من نفي الارتباط بين الأستاذ والحركة في الوقت الذي يؤكد فيه أبناء الخدمة أنهم يتحركون مسترشدين بأفكاره الملهِمة. وبهذه المناسبة أثرنا في إحدى مداخلاتنا ضرورة إعادة تعريف مفهوم “العالم” من واقع التراث الحضاري الإسلامي. فمن هو العالم؟ وما دوره في ظل فكر الخدمة وواقعها وعلاقة الأستاذ فتح الله بها؟ وبعبارة أخرى ما مفهوم العالم من خلال الفكر والممارسة عند الأستاذ فتح الله كولن؟ وهل من الممكن إعادة بناء نماذج في مستوى الأستاذ فتح الله وتطلعاته العالمية المستندة إلى المرجعية الإسلامية؟
ابتعاد حركة “الخدمة” عن التسييس، كان من أهم آلياتها للإسهام في تحقيق “عالمية الإسلام”. أجل، فبالرغم من أن الخدمة بدأت “تركيّة” المنشأ، إلا أنها أخذت في الاتساع والامتداد إلى عديد من البلدان الأوربية التي تسمح بهامش كبير جدًّا من الحريات الجماعية والفردية. وإذا كان لكل بلد خصوصيته، فإن أسئلة كثيرة تطرح عن كيفية تعامل الخدمة مع هذه الخصوصيات وكيف بلورت مناهجها لإرساء دعائم عملها في واقع الثقافة الأوروبية.
وبوصول “الخدمة” إلى الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، اكتسبت أفقًا جديدًا، وواجهت تحديات جديدة كذلك. وفي هذا الإطار، أتصور أننا في حاجة ماسة إلى دراسة جميع المستويات النصية للأستاذ في ظل هذه المرحلة. فقد تم إنشاء العديد من مراكز الحوار، وأقيمت العديد من الندوات العلمية التي تناولت فكر الأستاذ كولن بالبحث والتحليل. ومن الأكيد أن نظرة المثقف الأمريكي هي غير نظرة المثقف العربي، الذي تحركه الحاجة إلى معرفة نظرة المثقف الأمريكي لشخصية الأستاذ فتح الله كولن وللخدمة ومعرفة صداها عنده، ومعرفة مدى التغيير الذي لحق نمط التفكير الأمريكي عن الإسلام والمسلمين. هل نجحت الخدمة فعلاً في ترسيخ نظرة جديدة وفي تغيير الصورة النمطية عن الإسلام والمسلمين؟
ختامًا؛ الأستاذ فتح الله ومن منطلق الثقة في الذات ينظر للعالم الغربي باعتباره شريكًا وليس عدوًّا، بناء على أن الإسلام يستطيع أن يقدم للغرب ما عجزت عنه مختلف النظريات المادية بمختلف مظاهرها، بما يتوفر عليه من قيم أخلاقية نبيلة تحترم إنسانية الإنسان، وتريد له الخير. ولذلك عمل الأستاذ فتح الله على مأسسة الخدمة وفق نمط يقدم الإسلام في صورته الحقيقية كما مثلها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته . وكانت وسائله وأدواته في ذلك، هي مؤسسات الثقافة والحوار والتعليم المتنور ومراكز الخدمات الثقافية والاجتماعية وغيرها. وفي هذا الإطار يبرز بشكل قوي المفهوم الجديد الذي يربط مشروع الخدمة بالعالمية التي يركز عليها الأستاذ فتح الله، ألا هو مفهوم “دار الخدمة” في مقابل ثنائية تقليدية تتحدث عن “دار الإسلام ودار الحرب” ولم يعد لها وجود في واقعنا المعاصر. ومن شأن هذه النظرة الجديدة للعالم أن تجدد العلاقة بين الإسلام والعالم، ومن شأنها أنها تسهم في إدماج المسلمين في المجتمع العالمي، باعتبارهم جزءًا منه وباعتباره دار خدمة ودار هجرة في آن واحد.

(*) أستاذ العلوم السياسية – جامعة القاهرة / مصر.
الهوامش
(1) الرد على شبهات العصر، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة 2013، ص:190.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.