لقد شكلت البيئة في البناء الحضاري عبر العصور، نسقًا طبيعيًّا منسجمًا مع سنن الكون. وكل بناء حاد عن هذا الانسجام، حُكم عليه بالفناء لانعدام الأرضية المزودة له بقوة الإنبات. فكان دأب الحضارات عبر التاريخ، البحث عن بناء الإنسان المؤهل للنمط الذي يتماشى مع الأسلوب الذاتي لكل حضارة ومع فكرها العقدي، إلى أن جاءت الرسالة المحمدية بنظرتها الشمولية التي ارتقت بالإنسان من التأهيل النمطي إلى المنظور الكوني. فكان ذلك إيذانًا بانفتاح الإنسان على مقومات الطبيعة الراقية، وطلبه سبر أغوارها لفهم أسرارها، تلك الأسرار التي ما قامت المشاريع الحضارية المتقدمة إلا على محاكاة نماذجها.

لا يمكن للإنسان أن يحسن التعامل مع البيئة بفكر علمي متنور، إلا بحسن قراءته لنصوص الوحي التي هي الدليل على أسرارها، وكذلكالخلق، لتحسن التعامل معه لا بد من الرجوع إلى الكتاب المنزل.

الحاجة إلى نظرة شمولية

إننا اليوم، نظرًا لما بدأت تثيره معضلة التغيرات المناخية من أخطار تهدد معايش الإنسان وتمس استقرار بيئاته الطبيعية، تلك المعضلة التي تجعل الإنسان في صلب موضوعها كمسؤول عنها ومتحمل لعواقبها، ثم نظرًا لكون العلوم بكل تخصصاتها، تقف اليوم عاجزة، ولا تستطيع الإجابة عن كل التساؤلات المطروحة حول هذه المعضلة، وإنما التفسيرَ لبعض ظواهرها وإعطاء التنبؤات، واقتراح بعض الحلول التي تبقى في مجملها جزئية، فإنه بات من الضروري استحضار تلك النظرة العلمية الشمولية التي أصَّل لها الإسلام في معالجة مثل هذه القضايا. ذلك أن المسألة لا تنحصر فقط في قضايا الطبيعة المادية، بل تتعداها إلى أبعادها الغيبية، لأنه ما دام أن الذي خلق هذه الطبيعة هو الذي أوحى لعبده مفاتيح الفهم لمغاليقها، فذلك يعني أن نصوص الوحي تبقى دليلاً أساسيًّا في التعامل مع الطبيعة وحسن تدبير شؤونها.
لهذا فمعضلة التغيرات المناخية التي باتت اليوم تطرح نفسها بحدَّة، يجب أن لا تبقى حبيسة الحلول التقنية، لأن المسألة في أصلها هي أعمق من ذلك بكثير، إذ لها جذور أخلاقية ضاربة في أعماق الفراغ الروحي، الذي أورد الإنسان متاهات البعد عن مقومات الطبيعة الراقية، وضيق التقيد بمحدودية منافعها المادية. وعلى هذا الأساس، فالحوار في هذا الموضوع، أصبح يستدعي اليوم آليات فكرية جامعة بين المعرفة بالطبيعة التي هي واقع الإنسان، والاعتماد على العقل الذي هو مفتاح الفهم لأسرارها، والأخذ بالوحي الذي هو دليل المعرفة بحقيقتها، ذلك لأن هذا الكون الذي خلقه الله محكمَ البناء متناسقَ العلل، إنما جعله سبحانه مرجعًا تجريبيًّا للإنسان، لعله يستدل به على تصوراته الفكرية ومفاهيمه العلمية، فيؤسس على ضوئها النماذج التفسيرية، والنسق البيانية الموصلة إلى فهم المعنى الذي أراده الله من هذا الوجود، لا المعنى الذي يريده الإنسان.

التوعية البيئية

في زمان أصبح فيه العقل عنوانًا للتحدي، صار لا بد للحوار في مجال التوعية البيئية، حتى يكون مجديًا، أن يصاغ وفق آليات كونية تمكّن المحاوِر من نقل مخاطَبه من المشاهدات الكونية المدرَكة بالحواس والعقل، إلى اليقينيات العلمية المستلهَمة من الوحي. فالكون، هذا المرجع العلمي الذي هو القاسم المشترك بين جميع البشر، هو كتاب مفتوح لكل متطلع إلى معرفة الحقيقة، والتفكر فيه يمكّن من خلال القراءة العلمية لظواهره، التي أداتها الحواس ومفتاحها العقل، من تحصيل الاطمئنان وبلوغ اليقين. فإذا استطاع المحاوِر أن يشغّل في نفس مخاطَبه ذلك السلك الذي يصل الحواس والعقل بالقلب، نفذت المعلومة إلى قلب المخاطَب فصارت يقينية علمية مستجلبة للاطمئنان الروحي. وذلك سر الحوار في التوعية البيئية التي هي أساس العلاج لمعضلة التغيرات المناخية.
فالخطاب القرآني لمَّا جاء يدعو الإنسان إلى اليقين؛ (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)(الأنعام:75)، تدرَّج به من القراءة التفكرية إلى القراءة التدبرية، على اعتبار أن القراءة التفكرية هي مطالعة علمية ليقينيات الكون، وبالتالي لها من الخصوصيات ما إن قوته لَتمكن القارئ من الدخول من المفاهيم العقلية إلى الحقائق اليقينية بقلب هيأه العقل فصار متفتحًا على أبعادها الغيبية. وسورة النبأ خير مثال على هذا النهج، حيث سردت على القارئ في نصفها الأول، جملة يقينيات كونية من أرض وجبال وليل ونهار وأعاصير وأمطار وجنات وأزهار، وما إلى ذلك من مكونات الطبيعة المحسوسة عند البشر، أو المدركة بالعقل والنظر، قبل أن تنتقل به في النصف الثاني إلى الحقائق الغيبية من قيام الساعة وفناء وبعث وحساب وجنة ونار وما إلى ذلك، مما هو من الغيب المطلق حتى يحصل له اليقين من خلال تذكيره بمداركه الكونية أن ما جاءت به الآيات الغيبية هو من صميم الحقائق اليقينية.

الخطاب القرآني لمَّا جاء يدعو الإنسان إلى اليقين، تدرَّج به من القراءة التفكرية إلى القراءة التدبرية، على اعتبار أن القراءة التفكرية هي مطالعة علمية ليقينيات الكون.

وهذا ما يجب أن يستحضره المسلم اليوم في إقباله على الآخر ومحاورته في موضوع التغيرات المناخية، لأن الحوار في هذا المجال، لم يعد يستدعي في هذا الزمان فقط الآليات العقلانية بقدر ما صار يتطلب استحضار هذه الأبعاد الغيبية. والمحاوِر، بحكم أدبيات الحوار التي تفرض عليه أن يُقبل على الآخر منتظرًا منه ما يفيد، ثم بحكم مستجدات العصر العالمية التي تفرض على الحوار نقاشًا متطلعًا إلى الحقيقة، أصبح مطالَبًا بإدارة الحوار في حلقة علمية تمكنه تجاذباتها الفكرية من طرح النماذج التفسيرية والنسق البيانية الموصلة إلى فهم المعنى الذي أراده الله من هذا الوجود، لا المعنى الذي يريده الإنسان. فالله لما جلا لنا مشهد هذا الكون، أطلعنا سبحانه على حقيقة السجود، التي تسري على كل مكوناته بحكم قوله عز وجل: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)(الحج:18)، فكان هذا الخطاب جامعًا للمعنى، حيث دلنا سبحانه من خلاله على سر حقيقة الحياة التي تسري في كل ما خلق.
ذلك الخلق الذي دعانا سبحانه إلى معرفة سر حقيقته في قوله: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(العنكبوت:20)، وهي الآية التي تحمل الدوائر المعرفية الثلاث للبناء العلمي الذي هو أساس الفكر البيئي. فالآية من خلال السياق الذي جاءت به صيغتها في البحث في مجالات الخلق، دعت إلى الترقي في هذه الدوائر المعرفية الثلاث، بحيث أشار الشطر الأول منها في قوله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ) إلى دائرة المحسوسات، بحكم أن الأرض تمثل واقع الإنسان المحسوس، والسير فيها يمكّن حواسه من الإدراك المباشر لطبيعتها.
أما الشطر الثاني منها فقد أشار في قوله تعالى: (فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ) إلى دائرة المعقولات، بحكم دعوته الإنسان إلى النظر، أي البحث والتفكير في أسرار بدء الخلق، التي غبرت ولم يعد له عليها رؤية إلا من خلال الآثار، ثم في آفاق النشأة الآخرة التي لم تحدث بعد، وليس له عليها دليل إلا من خلال الاستشعار. وبين هذه وتلك، يبقى عامل الزمن الذي بفعله تتغير الأشياء وتتسلسل الأطوار، فحتى يمكن للإنسان أن يطلع على هذا العالم الغابر بين بدء الخلق ونشأته الآخرة، كان لا بد له من الاعتماد على العقل الذي -كما أشارت إليه الآية- يُختزل بين عبارتي (انْظُرُوا) و(كَيْفَ).
أما الشطر الثالث من الآية المتجلي في قوله تعالى (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فقد أشار إلى دائرة الإخباريات، لأن محتواه من الوحي الذي هو الغيب المطلق، أي الحقيقة التي ليس بعدها إلا الضلال، والتي إليها ينبغي أن تؤول نتائج الشطر الأول والثاني؛ حتى تتحقق الإحاطة العلمية التي من أجلها جاءت الآية مستنهضة الفكر في الإنسان.

عواقب إقصاء الوحي

لكن الفكر البيئي المعاصر، أقصى دائرة الوحي، واقتصر فقط على دائرتي الواقع والعقل، فنتج عن ذلك تدمير الأرض بقوة السلاح النابعة من منطق الهيمنة (النووي)، وإلحاق الكوارث الطبيعية بالبيئة (التلوث). فإقصاء دائرة الوحي، جعل الإنسان يتعامل مع الطبيعة على اعتبار أنها آلة ميكانيكية فتاكة فاتخذها عدوًّا له. لكن هذه الطبيعة بمكوناتها البيئية، كلُّها كائنات تسبّح الله وتسجد له، وهو ما يدل على حياة هذه الكائنات، لأننا إذا تأملنا في قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)(القصص:88) وعلمنا أن الهلاك هو الموت، فسندرك أن كل شيء حي، لكن عقولنا قاصرة عن فهم حقيقة الروح التي تسري في هذه الأشياء.
إذن، ما دامت عقولنا قاصرة، كان واجبًا علينا أن نستلهم من الوحي ما يمكننا من استحضار هذا المعطى الروحي في تعاملنا مع قضايا البيئة، لأن مكوناتها هي أرواح قبل أن تكون أجسام. فالوحي من الله والخلق من الله، وما دام الذي خلق هو الذي أوحى، فذلك يعني أن الخلق والوحي هما وجهان لحقيقة واحدة هي قدرة الله المنزهة عن كل الأسباب. وهذا يدل على أن الإنسان لا يمكن له أن يحسن التعامل مع البيئة بفكر علمي متنور، إلا بحسن قراءته لنصوص الوحي التي هي الدليل على أسرارها، كشأن آلة تريد ضمان حسن استعمالها لا بد أن تحسن قراءة دليل استعمالها الذي هو الكتالوج. كذلك الخلق لتحسن التعامل معه لا بد لك من الرجوع إلى الكتالوج الإلهي الذي هو الكتاب المنزل.
فالكون الذي هو القاسم المشترك بين جميع الناس، يشكل المرجع العلمي الذي على نُظُمه يُجمع كل العقلاء، وظواهره هي حقائق بينة لا يختلف عليها اثنان. فإن استطاع المحاوِر المسلم أن ينطلق منها في إقباله على الآخر ونفوذه إلى عمقه الفكري، من خلال مد جسور التواصل العلمي معه، والإقبال عليه باعتراف مسبق بخصوصيات فكره التي هي المنطلق للتفاهم والمستند للترقي في الحوار، فسيمكن له أن يكون مؤثرًا فيه، فيتمكن من خلال اطلاعه على أبعاد معتقده أن يتجاوب معه فيُقنعه انطلاقًا من خصوصيات فكره بأن هذه البيئة المسخرة للإنسان، هي أرواح ناطقة بعظمة مبدعها، وأمانة هو مسؤول عن حسن التعامل معها لأنها تبقى شاهدة عليه إلى يوم القيامة.

الإنسان هو نفخة من روح الله، فإن استطعت أن تحرّره من رق ذاته التي هي السبب في دائه وعلته، أعدته إلى فطرته فأشرقْتَ فيه أنوار صفاته عز وجل.

العلم والفطرة

ومن هنا، يمكن للحوار المنبثق من عمق هذه الرؤية الشمولية، أن يجعل الكلمة تسري إلى كل القلوب. فالله تعالى لما خلق آدم عليه السلام ونفخ فيه من روحه، بث فيه سبحانه من العلم ما أصبح فطرة في البشر.

فكان ذلك التأصيل العلمي لفكر الإنسان، هو أصل تكريمه وميزان الفطرة السليمة فيه، الذي به يترقى في مراتب الكمال التي من أجلها خُلق. فهو كما يؤسِّس له القرآن، ينبني على أسس الواقع والعقل والوحي. وما صرَف فكرَ الإنسان عن هذه البنية الأصلية للعلم، إلا عللٌ طرأت عليه فأبعدته عن الإحاطة العلمية التي هو مطالب بها. فإذا رأيت العالِم تنزّل علمُه التنزيل المتكامل على هذه الأسس الثلاثة فتوافق عنده الواقع والعقل مع الوحي، فاعلم أن ذلك من سلامة فطرته، وإلا فهو في ضعف من الفطرة، تُبعده تداعياتها عن الإحاطة العلمية بحقائق الأشياء ومضامينها.
وهكذا يتبين أن السر في إعادة تأصيل الفكر البيئي على أصوله العلمية الموصلة إلى إدراك حقيقة التغيرات المناخية والتعريف بأسبابها الخفية، يكمن في أن تعمل -أيها المسلم- على إدماج قناعاتك الفكرية في قناعات مخاطبك عبر السياقات الكونية، التي هي كمجاري الماء وكأشعة الضوء لا يُعيق نفوذها عائق. فتعيده إلى الفطرة السليمة التي بها كمُل الإنسان، والتي ما انحرف عنها إلا لعلل وأمراض طرأت عليه، فتقوم أنت بما يقوم به ذلك المعالج النفساني، الذي يسلك بمريضه مسلك إعادته إلى الحالة السليمة التي كان عليها قبل المرض.
فالإنسان هو نفخة من روح الله، فإن استطعت أن تحرّره من رق ذاته التي هي السبب في دائه وعلته، أعدته إلى فطرته فأشرقْتَ فيه أنوار صفاته عز وجل. فما عليك إلا أن تحرك في مخاطبك تلك الفطرة التي غارت في كيانه، وانطمست بصدأ الزمان، فتستنهضها فيه، لأن ما من إنسان تحركت فيه الفطرة، إلا وعاد إلى إنسانيته المتطلعة دومًا إلى الحقيقة، فكان ذلك دافعًا له إلى الاستقامة مع نسَق الكون المستقيم. وذلك هو الوازع الأمثل لبلورة الحوار، والسبيل الأنسب إلى تحقيق وعي بيئي قادر على استيعاب حقيقة التغيرات المناخية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كلية العلوم، جامعة ابن طفيل / المغرب.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.