برجوعنا إلى حديث أم السنة نجد الإحسان هو الركن الثالث من الدين، وبلغة العلم سُمي التصوف،  وهو مقام رفيع شفيع، يصل به  وعبره المسلم درجة الصائم القائم، فبعد العقيدة  في مقام وركن الإيمان، والفقه والشريعة في ركن الإسلام، يصل المسلم درجة الخلق  و التحقق في ركن الإحسان.

وعلى هذا التقسيم النبوي الجبرائيلي الرباني، نسير في ورقات هذا الموضوع بنور الله وتوفيقه.

في مقام الإسلام الركن الأول من الدين، يمكننا إدخال كل علوم الشريعة من فقه وأصول وحديث ومقاصد وغير ذلك، ليدرسها الطالب على بينة من أمره، ودراسة شرعية متينة، وفي مقام الإيمان يقرأ الطالب الفقه الأكبر، أصول الدين، علم الكلام، وكل ما تدور عليه في الغيبيات بأركان الإيمان من علوم فاعلم أنه لا إله إلا الله، ثم بالإحسان يكون الطالب قد وصل مقاما يهذب خلقه ليكون طالبا شرعيا متخلقا يدخل في حديث (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله). ثم إن شاء الله أكمل الركن الرابع من الدين وتعلم علم أشراط الساعة، ليكمل الدين، ويكمل حديث أم السنة الجامع للشخصية الإسلامية، وإن اكتفى عند الإحسان كان مقتصدا في أمره، نافعا لأمته.

التصوف يهذب المتعلم سلوكا وقلبا وروحا، ويجعل علمه ومعارفه في أبهى حلة، تخالط السكينة صحته والنور اشتغاله، فيكون رحمانيا لا شيطانيا، متحققا بمقام ورثة النبوة، ويكون وارثا محمديا حقا، شاهدا في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم مبشراً بالبشارة الأحمدية منذراً بالزيغ والمروق والخذلان، حاملا هم الدعوة إلى الله بسلوكه وحاله قبل مقاله.

إن العلوم الإسلامية اليوم قد وصلت أوجها ونضجها على مختلف التخصصات، والمدارس الدينية وطلبة الدرسات الشرعية يرفعون لواءها عاليا كمصابيح مرشدة، في دجى الظلمات، وسراجا منيرا في غلس المادة، ولكن النقص يظهر إن فقد الشطر الأخلاقي، فهو بمثابة لجام جامع، ووازع كابح،  كلما طغت النفس وتشيطنت، كما وقع لإبليس مع أبينا آدم عليه السلام، وكان يومئذ من اعلم ما يكون، فالعلم غير مقوم لسلوك النفس، ولكنها التربية تقوم بذلك، فهو رغم  علمه، حاجج  وجادل الله  في حضرته غير مراع لقدسية الملأ الأعلى، وطالب العلم الشرعي ما ترك التصوف إلا خرج من عناية وسعة الرحمانية إلى تيه وانحلال الشيطانية، فيصير في عقائده مجادلا، وفي فقهياته محتالا، يتيه مع البحث عن الرخص بين المذاهب .

العالمون 

إن كانت الأمة بحاجة إلى علماء اليوم، فإنها بحاجة إلى علماء وطلبة علم من هذا الصنف، تطبعهم الربانية الحقة، علمهم ممزوج بالخلق، ييسيرون ولا يعسرون يبشرون ولا ينفرون، مهمتهم مهمة النبوة كاملة غير أنهم لا يوحى إليهم بالتكليف.

إن قال قائل لم التصوف خاصة، وهل هو كاف لإصلاح أمر الأمة الأخلاقي في مجال العلوم، نقول نعم كاف مع خير كبير، وحلول الأمة لا بد وأن تخرج من صيدليتها، لأنها أمة الاكتفاء الذاتي، غير مفتقرة إلى استيراد القيم، فقد قرأ حفص عن عاصم ” دينا قيما ” كله قيم، كله أخلاق، كله سماحة،  وهي خاصية في الدين السمح منذ ابراهيم (ملة ابيكم ابراهيم)،  فهي حنيفية في العقيدة، سمحة في الأخلاق، وأمة الوحي الخاتم تصدر القيم، ولا تفتقر إلى الاستيراد، وقد جاءت نصوص الوحي، تنبئ بهذا الأمر في مقامات قرآنية عديدوة، وفيها يخاطبنا ربنا خطاب أصل، حتى يكون الخطاب جامعا موجها للجميع، لا خطاب فضل، موجها لأحد دون آخر، ففي القيم والأخلاق والمعاملات يطلق ربنا لفظة الناس بدل يأيها الدين آمنوا وهكذا.

هذه القراءة وشبهها، أصلها تدرسه علوم الشريعة، من علوم قرآن وفقه ومقاصد ، وغير ذلك، ولكن للتخلق بهذه القيم، والتحقق بهذه المقامات، يحتاج الأمر إلى الركن الثالث من الدين، لتتحرك علوم التزكية من أجل تحقيق المناط  بلغة الأصوليين، ويقرأ الطالب أو الشرعي عامة، بعين البصيرة لا بالبصر فقط:  ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن ابصر فلنفسه ومن عمي فعليها)، وهو فهم قلبي،  وشرح للصدر يرثه الشرعي بالصلاح، والله جل شأنه ارشدنا إلى سلوك ذلكم الطريق في قوله تعالى:  ( واتقوا الله ويعلمكم الله)، وهذا مستوى عال من التعلم، إذ المعلم الله والمربي الله، وهنا نشرب من معين” أدبني ربي فأحسن تأديبي”، ومن عين قول الحق( وعلمك ما لم تكن تعلم)،  تتذوق عذبة زلالة، ثم  بمشكاة ( ففهمانا سليمان)،  يرفع حجاب الحيرة  فيستيقن بذلك الشرعي ليكون من الموقنين.

القراءة الإسمية

في أول آي الوحي نزولا، نبه الله إلى هذا الأمر فخاطبنا باقرأ مرتين، وكل منهما لا تشبه الأخرى  ولكنهما إن امتزجا اكتملا، فالقراءة الأولى اسمية تقع باسم الله، والثانية قراءة قلمية تقع بالتفهم، وسبق الإسمية على القلمية، كأني بربي جل شأنه يلفت انتباهنا إلى خويصتنا، وميزتنا، إذ القراءة القلمية شأن الجميع، من سلك طريقها عرف واغترف، مسلما كان أو لادينيا أصلا، ولكن القراءة الإسمية كأنه اختص بها أهله، واختار لها خاصته،  وطالب العلم الشرعي إن انتبه لهذا الأمر حاز فتحا مبينا، وكان في أهله وأمته سراجاً منيراً، عقل وقاد بالعلوم والمعارف، وجسد سني بالخلق الزكي، تستهدي به الأمة كافة في الخلق والمعاملة  قبل العلم والمعرفة .

القرآن الكريم

في الكتاب الخاتم، النور المبين، والبرهان القائم ( آيات بينات)، تحت كل حرف منهما وعاء نور، تعيه الأذن الواعية، ويذّكره القلب الطاهر، اشتملت على شتى معاني ومواضع، خص الله من بينها بضعة يسيرة بالأحكام، هي على أقل تقدير 250 ءاية، وعلى أعلى تقدير خمسمئة آية، واشتهرت في علوم القرآن بآيات الأحكام، نقوم بحساب نسبتها المئوية، نجدها لا تشكل سوى 5 ٪، وبقي حتما  95٪، في قضايا أخرى، أخلاقاً ومعاملات، إلى غير ذلك.

السنة النبوية الشريفة

الوحي الثاني في الأمة، المزكاة بقول ربنا: ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) ، وقول نور الله صلى الله عليه وءاله وسلم: (و إنه يوحى إلي بالقرآن كما يوحى إلي بالسنة) عدد احاديثها بغير المكرر تقريبا هي 4000 حديث، توزعت على أركان الدين الأربع كلية، وأخذ مقام الإحسان منها حيزا كبيرا، ومن بينها أحاديث يسيرة  في الأحكام، وهو ما يشكل بنسبة  6٪ من السنة .

وعقب هذه الأرقام يظهر الطريق واضحا أمام متخصصي علوم الدين ( لا نقول – توكيداً – الشريعة فقط، بلغة علمية جمعية) سعة المسؤولية، ورحابة أفق البحث تحت منطلق التخلق دائما، ولا نشتغل فقط بسفاسف الجدال حول الأحكام، التي اوضحتها المذاهب الفقهية ثانيا والوحي أولا، ويتسع مقروؤه، واطلاعه وبحثه، ونقاشه لخارج الخمسة بالمئة.

لغة الوحي

إن الوحي الخاتم القرآن الكريم، يتكلم بلغة راقية لغة اهتداء، وتبصر، وتنور، فمع الصفحات الأولى من كتاب الله  مطلع الزهراء الأولى، قال ربنا واصفا كتابه ، ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى) ومهما حاولنا تقزيمه في كتاب أحكام أو قانون حياة، بدل اسلوب ومنهج حياة ضاقت علينا الدائرة، وبقي الكتاب حمالاً يستمد قوته من قائله جل شأنه.

من هذه القوة القرآنية المباركة، يستمد التصوف قوته، وبذلك يدخل ساحة النورانيات، التي تنعش روح المتعلم، فيقرأ بقلم الله، تحت اسم الله، قراءة اسمية كاملة، تورثه علوم الدين كاملة، عقيدة وشريعة وحقيقة،  فيكون في أمته على أثر النبوة،  وتتحقق له الوراثة المحمدية كاملة، فيكون سراجاً منيراً حكيما خلوقا عدولاً .

إن مزج التصوف بالعلوم الدينية، يحررنا من كثير جدالات العقيدة، وتحفظنا من حيل الفقه، والضياع  والشتات بين رخص المذاهب، كما نرث به مناعة  من التيه  بين شطحات السلوك، وكذا تنبؤات فقه التحولات، فالتصوف السني الحق، إن خالط العلوم عصمها من الشيطانية، وجعلها رحمانية خالصة لا يزيغ طالبها بين متاهات التطرف،  والاستجابة لدعاة جهنم،  وغلاة التدين، المحكوم على  رائده  بالضياع والفشل بنص الحديث (إن هذا الدين متين،  فأوغلوا فيه برفق).

قد لا ينتبه الفرد لهذه الأهمية البالغة حين تكون الأمور عادية،  ولكن حين يسمع عن التحاق آلاف الشباب الذين لهم حظ  كبير من دراسة علوم الشريعة بالتنظيمات المتطرفة، أو ممن لم يلتحقوا ولكن تفكيرهم يتقبل كثيرا من أفكار تلك التنظيمات، أو ممن ألحقوا بالأمة وأعلامها سلفا وخلفا بأسا شديداً، نتساءل بجدية وحيرة: ما الذي سمح لهؤلاء من المحسوبيين على دائرة العلم الشرعي بالتأصيل للظلم، أو بالتصفيق للطاغوت، فكراً كان أو تنظيماً أو غير ذلك وهو سؤال ثقيل له حمولته؟

إني أرى التصوف بمثابة روح لابد من نفخها في جسد علوم الدين، كي تحيى هذه العلوم، وتحيى الأمة فرادى وجماعات، تحقيقا بقول الحق: ( يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، فهو بمثابة الروح للجسد بدونه لا قيمة ولا قيم، به تُخلّق علوم الدين وتحيي،  والصحابة الكرام ومن خلفهم من جيل التابعين، عاشوا نورانية نبوة الحبيب الخاتم  صلى الله عليه وءاله وسلم، ولنا في إمامنا مالك رضي الله عنه عبرة وعظة، وغيره كثير،  وحسبنا تلك المقولة الخالدة، التي ينبغي للمشتغل بعلوم الدين أن يكتبها بماء زمزمي كوثري بين دقات قلبه، حتى لا يخالطها غيرها، وهي التي خرجت من بين ثنايا تلك المرأة الصالحة أم الإمام مالك رضوان الله عليهما: (اجعل علمك ملحا وأدبك دقيقا)، تغليبا للخلق على العلم،  وبوصلة  وضاحة  لكل  طالب علم ، مهما استرشد بها أرشد واهتدى.

في مدينة تطوان العريقة الأصيلة عاش ابن الفارض الصغير، سيدي الشيخ محمد الحراق رضي الله عنه، وكان عالماً كبيراً مشتغلا بشتى فنون الشريعة ، قبل أن يخوض طريق التصوف،  وحيكت له وشاية ونكاية من علماء عصره،  وأقرانه بهذا الربع،  بأمر لم يخطر له على بال،  كي يسقطوا سمعته، ولما فعل به ما فُعل ، جلس رحمه الله مع نفسه ساعات وساعات يقول : ما الذي ينقص هؤلاء؟ ان العلم الذي بين جنبي هو ما عندهم نفسه؟ ! إذا لا بد وأن خيطا ضائعا من هذا النسيج،  وهذا التساؤل هو ما كان سببا في خوضه مسلك التصوف، حتى طوى الله له المسافات طيا، وورث المقامات وراثة كاملة، وحصّل علوم الظاهر والباطن،  وجمع الله جل شأنه له بين  الحسنيين، وهنا يتضح لك الأمر جليا من خلد الله ذكره، ومن طوى التاريخ اسمه، والأربعون الذين افتوا بضلال الصديق الثاني في هذه الأمة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، لم يعد  لأسمائهم أثر، وكتب الله لابن حنبل رضي الله عنه خلوداً وحضوراً،  وهكذا تتأمل لتجد روح العلم، تزكيته وتخليقه بأخلاق الأسماء والصفات.

على طالب علوم الدين، ان يتيقن علم اليقين، ويقتنع أنه وارث بنص الوحي، وانه على قدم النبوة، إن هو تحمل الأمانة كما ينبغي، قال ربنا جل شأنه وتبارك اسمه: ( ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)، وقول الحبيب المصطفى والمعلم الأول في هذه الأمة (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل غير انه لا يوحى إليهم).

هذا هو الهدي وهذه هي البوصلة، ما زاغ عنها طالب علوم الدين إلا خرج من سعة الرحمانية، إلى ضيق الشيطانية، وهنا تختلف النيات،  وتتلوث القلوب على بعضها،   فيعيش الطلبة بينهم في ضغائن ومكر وخداع، سواء بمنصات البحث او بمجالات الدراسة على اختلاف أشكالها والوانها ، ويصبح فكر المتعلم، او الباحث عامة يطبعه المزاج الطائفي الضيق، لا يميل الا لبني مذهبه وطائفته خاصة،  متعاليا وقادحا ومفسقا لكل من خالفه ولو كان شيخه ، وهنا يفقد صبغة الربانية ، المطبوعة بالعالمية،  كما في مفتتح الكتاب الخاتم (الحمد لله رب العالمين)، ويفتقر إلى الرحمة المحمدية التي من شأنه هو أن يكون سفيراً لها وهي المشمولة بقول الله: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وفي الحقيقة هنا طالب علوم الدين مهما علت رتبته واختلفت أوصافه، يبقى ممثلا لنفسه فقط، غير مؤهل لأن يكون من الصفوة التي تمثل دين الله، بكل سعته وشموليته، اسلاماً وإيمانا وإحسانا وفقه تحولات، على اختلاف المدارس والمذاهب والطرق والتأويلات.

تصوف مواكب

التصوف في جانبه النظري، يعيش اليوم يقظة ولعله مشروع الأمة الأنسب لهذه المرحلة تحديداً،  مرحلة الغثاء حيث المسلمون فوق العدد،  ولكن غثاء بلا مدد،  جسم بلا روح،  ومبنى بلا معنى،  فالأمة أحوج ماتكون إلى روح التصوف،  ليحي جسمها،  وتقوى شوكتها بعد صراعات انهكتها جسما وعلما، ابتداء بالاستعمار والسلب وتوغل وحش الانبريالبة العالمية،  ثم ما أعقبه من مشاريع متأسلمة،  وأخرى قومية،  كلها تتحدث  بلغة الجمع،  ولكن كل واحد ساهم في تفريق شمل ما كان مجموعا، فنصف قرن من الاستقلال،  لم يكسر حدودا وهمية بين الأمة، او يرد بيت المقدس كما ادعى مرارا،  ولكنه زكى وولد صراعات دينية وطائفية عدة،  فبدل كسب بيت المقدس خسرت الأمة سكينة واطمئنان الشام ومصر واليمن والعراق… الخ،  وهو الأمر الذي زاد الأمة وهنا وضعفا.

اليوم الحاجة ملحة إلى اعتماد منهج السلامة المتولد من رحم الوحيين، وخلاصته : سلامة اللسان من الذم، واليد من الدم، والقلب من الهم، هذا باختصار جامع  مانع لعدة علوم نبوية محضة،  كي يترفع المؤمن الوارث المحمدي الجامع، عن سفاسف الأمور، ابتغاء تنفس هواء الإيمان النقي، وهو ينظر ويرسم خريطة النجاة للأمة ، وهذه المهمة  موكولة إلى دارسي علوم الدين بالدرجة الأولى، الذين جمعوا علوم أركان الدين الأربع، وإلا أصبحوا أئمة خاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمته منهم (الأئمة المضلون)، وقال عنهم ربي جل نوره: (أئمة يدعون إلى النار) ، يخرجون الأمة من أزمة إلى أخرى أكثر منها.

التصوف الذي يمكن أن ينقذ الوضع، ويجفف منابع التطرف على اختلاف أشكال وقوعه، هو تصوف يشرب من عين الوحي، عين نورانية محمدية ربانية،  فياضة سيالة معطاءة، لا تجف مهما أعطت، فعطاء ربي ما كان محظوراً، وخزائنه ملأى، تستمد هذه العين قوتها المتجددة، من تجليات الرحمان في كل ليلة (ألا من سائل فأعطيه، ألا من مستغفر فأغفر له ..)،  وهكذا يبقى العبد مرتبطا بربه باحث لأمته، يصنع الحل بدل العزل في متاهات، ودوامات بأسها بين، وخيرها مستبعد، فالأمة الخاتمة موكول لها أمر الناس وملزمة بتقديم نماذج كاملة، بدل أجنة مشوهة،  وشبه مشاريع لا تنقذ حتى شعبا،  بدل أمة بكاملها، سواء على المستوى الأمن العالمي، أو الاقتصاد قاطبة، وغيرها كثير، فالأرضيات موجودة ، وحياة رسول اللهصلى الله عليه وءاله وسلم جد شفافة تسمح بالرؤية للجميع، والاستمداد على قدر الاستعداد،  فمن أعد آنيته وأصلح حاله، أفاض الله عليه  من علوم الوحيين ما شاء،  فبصلاح الحال، وعلو الهمة يرث العبد من النبوة ما يرث.

والعلم كما هو محقق في القرآن الكريم،  يتم تحصيله بطرق ثلاث، لابد لطالب علوم الدين أن يبحث لنفسه على سبيل يناسبه:

  1. علم مكتسب:  وطريقه التحصيل والكسب وبذل السبب (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم) ، وهو السبيل الأشهر في تحصيل العلوم .
  2. علم موهوب : وطريقه إصلاح الحال وتطهير الباطن ، فصلاح الآنية  يهيئها للتحصيل والشهود، فيقذف الله في قلب السالك ما شاء،  وإن لم  يحصل علما مستقلا، حصل فهما رشيداً وقولاً سديداً، المهم أنه محصل لا محاله، وعن هذا قال ربي جل شأنه ( واتقوا الله  ويعلمكم الله)، وهو تعلم من غير واسطة، ولكن هو فضل الله يؤتيه من يشاء.
  3. النوع هذا بالغ الأهمية، وعظيم المرتبة، وجليل المقام، نظراً لأنه علم لا تسعه أدوات التحصيل،  ولا يبلغه كل محصل،  لذلك ربي يورثه  لمن يشاء، لعجز الناس عن بلوغ تلك المنزلة، وهو الذي تحدث عنه ربنا فقال: ( وورث سليمان داود) ، وراثة كاملة وزيادة علوم عظيمة،  وفهوم حكيمة، أوتيها بيت داود، وبقيت فيه محفوطة رافعة شافعة، وهذا كان من دأب الأنبياء والصالحين، يسألون الله أن يحفظ في نسلهم ما أوتوه من خير وعلم وفهم، كما قال سيدنا زكرياء: (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من ءال يعقوب)، وهنا يسأل المؤمن ربه أن يحقق له الوراثة، وينيله المرتبة، بهمة وإلحاح على الله.

لغة التصوف

بالرجوع إلى كتب أهل الله، واعتماد جمع كلمة الأمة، على أركان الدين الأربع، سنتجاوز   لغة التفرقة، ولغة الكراهية، ولغة التنابز بالألقاب، ونأمل اعتماد لغة صوفية خالصة، لغة محبة، لغة جمع لشمل الأمة الخاتمة، ترفعاً عن لغة الإنية، إلى منهج الجمع ، ومنهج ( وأن هذه أمتكم أمة واحدة)، ولعل هذه هي لغة الوحي الخاتم، لذا كان منهج الجمع ولم الشمل، واعتماد منهج السلامة، هو أسلم الطرق لحماية الأمة وصون عرضها ودمها، لذا قال الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم: ( لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في ءاخرها، والمهدي في وسطها) ؛  فسيدنا عيسى عليه السلام حسب السنة والكتاب هو مجدد منهج السلامة  للأمة  قاطبة  والمحيط كله،  بما فيه المجال الحيواني، وحسب التصوف فإن أهل الله يقولون بأن الولاية في بني آدم ستختم بسيدنا عيسى عليه السلام، بعد أن افتتحت بآدم عليه السلام، وهو من أوجه القراءة لباطن آية (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) ، فسيختتم الولاية بمنهج السلامة وتخليق الحياة  العامة  كلية على الشريعة  المحمدية  السمحة .

التصوف الذي ندعو إليه هنا في هذه الورقة المتواضعة والذي بإمكانه أن يسهم في تخليق علوم الدين، هو تصوف يعتمد الوحيين، تصوف الشريعة والحقيقة، تصوف العلم والعمل، تصوف قوامه الفكر والذكر، تصوف الأقوال  والأحوال، تصوف باعث على التعلم بطرقه  ووسائله،  وعلى التزكية  والتخلق، في مسار واحد متكامل.