يبقى القرآن الكريم يُلهم العقول للإبداع في قراءته وتحليله واستنباط الجواهر النفيسة منه.

وهذا يثبت بأن القرآن هو كتاب جديد، وهو جديد كل وقتٍ جديد. وجديده لا ينفذ، فدومًا ثمة جديد يمكن أن يكتشفه القارئ في القرآن.

كتاب جديد في علوم القرآن لمؤلّفه الروائي والأديب السوري عبد الباقي يوسف، صدر حديثاً 2020 في القاهرة، من منشورات دار اسكرايب للنشر والتوزيع.

في هذا الكتاب، يحوّل المؤلف كل آية قرآنية من آيات سورة التوبة وهي 129 آية، إلى بابٍ مستقلٍ وموضوعٍ مستقلٍ.

وهنا تكمن أهميّة هذا العمل التفسيري الجديد، والذي آثر المؤلّف أن يسمّيه التحليل بدلاً عن التفسير ليبيِّن لنا بأن التحليل هو أكثر عمقاً من التفسير.

المميَّز في هذا العمل أن القارئ يقرأه بتشويق وهو يندهش بالأفكار الجديدة التي يطرحها هذا العمل آية فآية. وبذلك فهو يتجنَّب ما أمكن عن القيل والقال، لأن ذلك قد قيل وكفى كما يبيِّن، فما الذي يمكننا أن نكتشفه من القرآن في ذروة هذه المستجدّات الحديثة.

كتابٌ يزيد القارئ إيمانًا، يزيده وعيًّا بالقرآن.

جاء في مقدمة المؤلف لكتابه عن التعريف بسورة التوبة:

نراها تغتني بأحداثِها وشخصيّاتِها ومواضيعِها وأحكامها وكمالها، لأنها أُنزِلَت في مرحلة الكمال. وهذا أمرٌ مهم للغاية. فهي سورة (التوبة) بامتياز، كما أنها سورة (براءة) بامتياز، فأنتَ أمام كلمتَين تتكامل إحداهما بالأخرى ففي النهاية أنتَ إنسانٌ بريءٌ، وعليك ألاّ تبتعدَ كثيراً عن براءَتِك، لأنَّ بُعدَك عنها يُحدِثُ خللاً في شيفرِتِك البشريّة.

دوماً أنتَ بريءٌ، وصفحةُ البراءةِ تبقى مفتوحةً أمامَك مهما أغلقْتَها، وتبقى الأقربَ إليك، مهما ابتعدتَ عنها. ولذلك بقي بابُ التوبة مفتوحاً في أي وقتٍ من الأوقات أمامَك، مهما أسرفتَ على نفسك، ومهما تعاظمَت ذنوبك، ففي أيةِ لحظة تُقبل فيها إلى التوبةِ، تكونُ بذلكَ قد تبرأتَ من كل ماضيكَ المقيتِ، وبدأتَ صفحةً بريئةً جديدةً في حياتكَ وفقَ البَرَاءَة التي خلقَكَ اللهُ عليْها. ومنذُ آدم عليه السَّلام، كلُّ إنسانٍ هوَ بريءٌ، ويمكنُه العَوْدَة في أيِّ وقتٍ إلى براءَته، لكنْ يمكنُهُ أيْضاً الإصْرارَ على الضَّلال ورفضَ البَرَاءة بعِنادٍ شَدِيد، فيعيشُ بذلك ضالاًّ بعيداً عن كل بَرَاءة، من خلالِ استكبارِه على التَّوبَة. ولذلك كانَ اسمُ (التَّوبَة) هو الاسمُ الأشهرُ لهذه السُّورة، ثم اسم (براءة) الذي هو الاسمُ الأشهرُ الثاني لها.

وإنْ كانَتِ التَّوبَةُ تعني رحمةَ اللهِ من خلالِ قبولِ التَّوبة، فإنَّ براءةً في وجهها الآخر، تعْني إخراجَ الإنسانِ المستكبِرِ من رحمَتِه، أي براءَة التَّوبَة منهُ أمامَ الله، على أساسِ براءَته منْها واستكبارِه عليها.

وهنا مع قراءَتك لآياتِ هذه السُّورة والولوجِ إلى رحابةِ عالمِها الغَنِيِّ، تتعرَّف على تفاصيلِ كيف أنَّكِ يمكنُ أنْ تبقَى في عنايةِ اللهِ، وعندها يتولّى اللهُ عزَّ وجلَّ أمرَك، فترى كيفَ أنَّه يجعلُك تتسرَّعُ في بعض المواضعِ في قولِ بعضِ الكَلِمات، أو تتسرَّع في اتّخاذِ بعضِ المواقفِ، وبعدَ ذلك تندمُ وتقولُ: ليتَني لم أتسرَّع في ذلك، كانَ عليَّ الانتظارُ قليلاً.

لكن فيما بعد سيجْلو لك كيف أنَّ ذاكَ التسرّعَ أصبحَ أساساً لخيرٍ كبيرٍ أصابك، أو مانعاً لأذى كبيرٍ كان سيصيبك. فهذا ما نسمّيه بالترتيبات الإلهيّة لِمَن أولوا أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى، وتوكّلوا عليه. فهو جلّ شأنه يرتّب لهم مقوّمات حياةٍ طيّبةٍ، ويجنّبهم أهلَ الشرِّ والطغيان الذين يحيكونَ مخطّطات الفتك بهم. ولكنَّ العِناية الإلهيةَ لاتلبث

مانعةً إيّاهُم من تنفيذ ذلك، ولو في اللَّحظات الأخيرة والنجاة بأعجوبةٍ، لأنهم يعيشونَ في حصانَة الله.

هذه من المواضيع الحيويّة اليوميّة التي تعرّفك السُّورة على حيثيّاتها، وتجعلُك تنتبِه إلى ما لم تكن منتبهاً إليه. وهكذا تجعلُك السورةُ تعيشُ لحظاتٍ ذهبيةً معها في متعةِ الاكتشاف الثمين، تلو الاكتشاف الثمين، وأنتَ تضعُ يدكَ على هذه البيانات الذَّهبية التي كانت مبهمةً لك، أو لم تكن قد خطرَت لك البتةَ، وتقول: ها هي ذي. وأنتَ تزداد استنارةً، وتزداد معرفةً، وتزدادُ إشراقاً، وتزداد إيماناً بالله. بل قد تكتشف في ذلك شيئاً غايةً في الخطورة، وهو أنك لم تكن بالأصل مؤمناً بالله، بل كنتَ تتكهَّن الإيمانَ، وهو في حقيقته لم يكنْ إيماناً البتة، بل إنك كنتَ ملحداً رغم كل ما كنتَ تؤدّيه من فرائضَ وسننِ الإيمان. أجل فهذا أيضاً ممّا تتيحُ لك هذه السورةُ معرفته، وأنت تقرأ آياتها بذهنية منفتحة.

فأنتَ كنتَ قد رسمتَ تكهّنا لله في مخيّلتك، فتجعله يوافقُك على هذا، ولا يوافِقك على ذاك، يبيحُ لكَ هذا الانتهاكُ على حدوده، يبيحُ لك هذا التجاوزَ على أموال الناس وأعراضهم؛ فبعد قراءتك الاستنارية تُدرك بأن ما تؤمنُ به هو ليسَ رب العالمين، بل هو إلهٌ وثنيٌّ صنعته أنتَ في مخيّلتك، أو صنعه لك بعضهم، وجعلك تؤمن به على أنه ربُّ العالمين. فتوقظُك السورةُ على حقيقة ما أنتَ فيه من وَهْمٍ، وأنكَ في الواقع إنسانٌ وثنيٌّ، أو إنسانٌ منافقٌ. وهكذا تراك تنتقلُ من وهمٍ كبيرٍ إلى حقيقةٍ كُبرى، فتكشفُ لك السُّورةُ الحقيقة من غير حرجٍ، وتأخذ بيدكَ وهي تنقذك من غفلتك التي كنتَ في متاهاتها.

سورة التوبة تمتلك مقدرةً هائلةً كي تنقّيك من داخلك، وتُطهّرك من آثامك، وتُحسّن لك آفاق حياتك بشكلٍ لم تكن تتخيَّله، تجعلُك تستشعرُ بمدى دنُوِّك من الله، ومدى دنوِّه منك، إنّها توثّق علاقَتك بالله وتُعرّفُك على ما لا تعرفُ من بركاتِ ربكَ.

بذلك فإن سورة التوبة تضعُ مخطّطاً لحياتك كفردٍ تقود أسرتَك، تقود نفسَك، تقود علاقاتِك الاجتماعيةَ، تقود عملَك بمهارةٍ، وتحقّق نجاحات. كذلك فهي تضع مخطّطاً لقيادة الدولةِ، وتضع أساسياتِ دولةٍ مدنيَّةٍ متقدّمة. هذه الدولةُ التي يعيش فيها أتباع معتقدات مختلفة، فترشدُ إلى كيفيّة التوافق ما بين المسلمين، وبين تلك الأطيافِ      التي تعيشُ في دولةٍ مسلمةٍ. هذه السورة تضع لبِناتِ وأساسيّات هذه العلاقة السليمة بين سائرِ ِمواطني هذه الدولةِ المسلمة.

تبيِّن لك السورةُ كيفيّة التعامل مع الأمور في بداياتها حتى تتكلَّلَ بالنجاح، فالبداياتُ غايةٌ في الأهمّية، لأنَّ ما سيأتي سيكونُ مبنيّاً وقائماً عليها. وهنا تبيِّن السورة ما قام به المسلمون في العهد المكّي عندما بدأوا في نشرِ الدعوة، هذه البداية التي ضمنت لهذه الدعوة مستقبلَها الزاهرَ، فترى كيف استمرّ الإسلامُ مبنيّاً، وقائماً على تلك البداياتِ الصحيحةِ، وكان الصبرُ أهم مقوّماتها. فلم ينجرّوا خلف ردود الأفعال، أو التسرّع، ولم يشكّلوا جيوشاً قتالية، ولم يعتدوا على أحدٍ، بل لبِثوا سلميين رغم كل ما كانوا يلقونه من اعتداءاتٍ عليهم. وفي النهاية عندما اشتدّ الاعتداء عليهم، ورأوا أنهم إمّا أن يُقاتِلوا، أو يستسلموا، اختاروا الحلَّ الوسطَ بين القِتال والاستسلام، بأن تركوا مكّة كلها، وانسحبوا بهدوءٍ من بيوتهم وأموالهم وذكرياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، وتغرّبوا إلى المدينة حقناً للدماء. وهناك استمرّوا في نشر شريعة الله في الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، فأتت هذه البداياتُ السليمةُ أُكُلُها فيما بعد، وانتشرَ الإسلامُ في أصقاعِ الأرض.

ولذلك نرى أنَّ أيَّ انحرافٍ عن هذه القواعِدِ السلميّة، ينعكسُ سلبًا على المسلمين، فيُصابون بالوهن، وعندما يعودون إلى تلك القواعِد الأساسيّة، تعودُ إليهم قوّتهم التي خسروها، ويتمتَّعون بالقوّةِ مرة أخرى.

فكما أن هذه السورةَ هي سورة ترسيخ البدايات الصحيحة، فهي سورة القواعد السليمةِ كذلك للانطلاق نحوَ تحقيقِ النَّجاحات الكُبرى، بعد اجتياز البِدايات بنجاح.

يقول المؤلف في الباب السادس: غالبيةَ كتبِ التَّفسيرِ والفَقه، تُجمعُ بأن هذه السورةَ الكريمةَ جاءتْ من غير بسملةٍ، لأنَّها تحتوي كثيراً على آيات القِتال. والحقيقةُ هي آياتُ تنظيمِ العلاقةِ الإنسانيةِ والحِفاظِ عليها في حالِ نشوبِ حربٍ بين المسلمينَ وبين غيرهِم، وهي آياتٌ تأمرُ المسلمينَ بألاّ يخرُجوا عن قواعِد إنسانيّتهم عندما يتعرّضونَ للحربِ في ديارِهم، وأن يتّبِعوا إرشادَ القرآن، وألاّ ينجرّوا خلفَ حميَّة الجاهليّة أو منحرفاتِ التعصّب، وتكونُ كفّة التهدئَة راجحةً على كفّة التصعيد.

ومن أركانِ وأساسيّات هذه الأوامر القرآنيةِ الدقيقة، عدمُ التعرّض للمدنيينَ بمختلف أعمارهم، رجالاً ونساءً، وعدم التعرّض للكهنةِ وهم في معابدهم. فسورةُ التوبة، هي سورةُ التسامحِ الإنساني بامتياز، سورةُ الاستجابةِ لاستجارة المخطئ، سورةُ إتاحة المزيد من الفُرَص للمخطئين كي يصْلحوا، سورة التأنّي في اتّخاذ القرارات الحاسمة، سورة التآخي الإنساني، سورةُ بقاءِ أملِ التوبة قائماً بالآخر المُعتدي.

وأمّا ما اكتظّت به كُتَب التفسيرِ بأنها سورةٌ تحضّ على العِقاب، حتى إنَّها وردَت من غير بسملةٍ، وقد تمخّضَت عن تلك التفاسيرِ فتاوى القِتال التي ألحَقَت الويلَ بالمسلمينَ قبل غيرهم، فهي محضُ اجتهاداتٍ، وبعضُها كانت ردَّاً على بعض المُستجدّات، ولكن مع الزمن تبيَّن غير ذلك. وشيءٌ من هذا حصلَ في وقتنا الحديث، فعند ظهورِ التلفاز، قال كثيرٌ من المفسّرين والفقهاء والمفتين، بأنه حرام، ولا يجوز إدخالُه إلى بيوتِ المسلمين. لكن بعد ذلك، أصبحَ بعضُ الذين قالوا بالتحريمِ، يمتلكونَ قنواتٍ، ليست

أرضيةً فقط، بل فضائية، ويظهرونَ فيها أكثرَ من أهل الفنِّ، والأدبِ، والسياسة. ومنهم مَن قال بتحريمِ شرب القهوة، أو ركوبِ الدراجات، ثم استخدموها فيما بعد. وبعضهم قالَ بتحريمِ التَّصوير، ولكنهم بعد ذلك، لم يكتفوا بتصويرِ صورٍ شخصيّة لأغراضٍ اضطراريّةٍ، بل صاروا ينشرونَ صورَهم على صفحات الجرائدِ والمجلاتِ، وأغلفَة الكتبِ، ومنْهم مَن قالَ بتحريمِ ما قامَ به عباسُ بن فرناس، ولكنهم بعد ذلك صاروا يُفضّلون ركوبَ الطائرة، ليس للذهابِ إلى الأماكن البعيدة، بل أحياناً من مدينة إلى مدينة ضمنَ الدولة، والأمثلة عديدة عمّا حصل بمثل هذه الاجتهادات.

كذلك الأمر مع ما ورد في بعض التفاسير والفتاوى من مختلف العصور، لكن بعضهم ما يزال يعملُ بها رغم كل ما تُحدثه من ويلات بحق المسلمين. فقد أصبحْنا أمامَ حشودٍ من المفتين الذين يُحرّضون المسلمينَ على بعضِهِم بعضاً، وفق تفسيرٍ ورد منذ ألف سنة، أو أكثر، أو أقل.

والحقيقةُ؛ فإنَّ كلَّ هذه الحشود من المفتين لا لزومَ لهم. والدولةُ بأكملها يمكن أن يفتي فيها مفتيٌ واحدٌ يكونُ المرجعُ الأساس لكل مدُنِها وضواحيها، فيكون هو مفتي الدولة. وما نتجَ عن كل هذه الحشود، أنها شتَّتَت لمّ المسلمينَ، وبثَّت فيهم الفِتَن والنعرات، ومن ثَمَّ بات الآخرونَ يتقدّمون في المنجزاتِ الحضارية، والمسلمونَ يتأخّرون عنها تحت ذريعةِ التفرّغ لعلوم القرآن، ولا يكون الإنسانُ عالِماً إلاّ إذا كان مختصّاً بعلوم القرآن. فصارت المدنُ تضجّ بهذه المظاهرِ التديّنيّة، وانحرَم كثيرٌ من أطفال المسلمين من الإبداعِ في الفنون، أو الآداب، أو الجغرافيا، أو الطب، أو الفلك، أو العمارة، أو التكنولوجيا، أو الكيمياء، أو الهندسة، أو الفيزياء، أو الرياضيّات. فهؤلاء يُصوّرون للناس بأن اجتهاداتِهم هي دِينٌ، ومن ثَمَّ بات الناسُ يعملونَ بها على أنَّها بالفعل دِين. وهي محضُ اجتهادات، لأن العالمَ مهما ارتقى في علمِه، فهو لا يكونُ رسولاً يُوحى إليه.

إلى جانب ذلك فبعضُ هذا الإنتاجِ لا يزيدُ عن كونِه محضَ تكهّنات لا يرتقي إلى مرتبةِ الاجتهاد، لأنه يصدرُ من أشخاصٍ غير متبحّرين في علومِ القرآن.

ولذلك جاءَ الأمرُ الإلهيُّ فقط بطاعةِ الرسولِ، لأنه ينطقُ عن الله بمقتضَى الوحي الذي يتلقّاه من الله. وما دون الوحي فهو اجتهادٌ، حصلَ وفقَ ظرفٍ ما، اجتهد به عالمٌ ما مهما كان متبحّراً في علمه، ومهما كان حجّةً في علمهِ، فهو نتاجُ فكرٍ بشريٍ يخضع للخطأ بدرجات فادحةٍ، كما أنه يخضع للصَّواب بدرجاتٍ متقدّمة، فهو غيرُ معصومٍ من الخطأ، ولا يمكنُ له أن بأي حالٍ من الأحوال أن يرتقي إلى صحّة القرآن المطلقة، وصحّةِ الحديثِ النبوي المطلقةِ الذي صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

من هنا فإن كثيراً من هذه الاجتهاداتِ تفصُلُ المسلمين عن تفاصيل واقعهم الذي يعيشون فيه، وغدتْ الطرقاتِ تكتظ بالذين يتمظهرونَ بالمظاهرِ التديّنيّة، فلا يمتهنونَ مِهَنا، ولا ينتجونَ شيئاً، وفقط يستهلكونَ، ويدفعونَ الناسَ إلى الاستهلاك. فكانتِ النتيجةُ الطبيعيةُ في تفاقمِ البطالة، وانتشارِ الجوع، وتفشّي الجهل، وبالتالي التخلّف عن ركْبِ الحضارةِ البشريةِ حتى بات المسلمونَ يعتمدونَ في غالبيّة مقوّمات حياتِهم على ما ينتجُهُ غيرُ المسلمين. ثم أخذ هؤلاء يوظّفونَ الطاقاتِ الشبابيّةَ العاطلة عن العملِ، والجاهلةَ، والجائعَة، في الغلو والتطرّف من خلال حروبٍ أهليّة، وقتل بعضهم بعضاً بدمٍ باردٍ تحت هيمنةِ هذه الفتاوى، وبذرائعَ قوميّة أو عقيديّة، لأن غالبيّةَ الدولِ الإسلامية تتكوَّنُ من أناسٍ متعدّدي الأعراقِ والمعتقدات. ونتيجة ذلك يحدث الاشتباك مع رجل الأمن يؤدّي إلى خسائرَ بشرية وماديةٍ في المجتمع، وكذلك زعزعةُ الأمنِ، أو الفلَتانِ الأمني في بعض المراحل، ودفع الناسِ إلى ترك بيوتهم واللجوء إلى دولٍ آمنةٍ.

إذن، فحتى تكونَ جزءاً من العالم، عليكَ أن تقدّمَ منتجات تُنافس بها الأسواقَ العالمية، وتُحقّقُ ارباحاً طائلةٍ لشعبك.

ومما جاء في الباب العاشر: فيتبيَّن بأن اللهَ سبحانه وتعالى لا يتركُ عبادَه في غفلةٍ، بل يُكرمُهم بنوره. فالمؤمنُ عندما ينظر إلى شخصٍ ما، يمكنُ أن تبلغَه بعضُ الإشارات الذي لا تبلغ غيره، وذلك وفق درجات ومراتبِ إيمانه.

كمْ مرَّةً كنتَ تريدُ أنْ تطلبَ شيئاً من شخصٍ، لكن نظرَكَ إلى عينيه هو الذي شجَّعَك أن تقدِمَ إلى ما تريد، أو تتراجعَ قبل أن تلفظَ حرفاً واحد اً، وكأنك ولجتَ موضعاً عن طريق خطأ.

كم من العيونِ باحَتْ لك بأسْرار؟

نظراتٌ علِّقَت في أرشيفِ ذاكرتِك ليس بوسعك نسيانَها،

نظرات لا تملكُ قوةَ نفوذِ البقاءِ لحظةً واحدةً،

أشخاصٌ لا تتذكرْ منهم إلا نظراتِهم.

ويمكنُ أن تبلغَ المؤمنَ بعضُ الإشارات من خلال الصَّوت فقط، دون أن يرى الشخص رأي العَين، فعندما يسمع صوته سواء في الهاتف، أو في تسجيل، تبلغه إشارات ما من خلال نبرات الصوت، فلا يطمئن له مهما كان الكلام الذي يسمعه جيداً. وعند ذاك، مهما سعى ذاك الشخص إلى إرضائه كي يوافق على أمرٍ ما، فتراه يتردَّد رغم أنه لم يره رأي العَين قط. فهذه من حصانةِ اللهِ لعِبادهِ المؤمنين. ويمكنُ أنْ يكونَ أيضاً من خلالِ نبراتِ الصَّوت، فتظهرُ على نبراتِ صوتِه علاماتٌ مِمّا ارتكبَ من أفعالٍ، وبعضهم يمكنُ أن تَصلَه إشاراتٌ من خلال تلك النبرات.

هذه هي ثقافةُ القرآن التي تجعلُ المؤمنَ في بيّنةٍ من أمرهِ، فيعلمُ الرشدَ من الغيِّ، وبذلك لا يمكنُ استدراجَه من قِبَل أولئك الذين يُقحمُون الشعاراتِ الدينيَّةَ على مآربِهم، لأنه يكون قد تحصَّن حصانةً سليمةً بالقرآن. فحتى النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما اجتهَدَ من غير وحي، وأخفى في نفسه شيئاً، لم يدعْه اللهُ سبحانَه وتعالى في ذلك، بل بيَّن له هذه الحقيقة التي مفادُها أن اللهَ يُطلع بعضَ المؤمنين على شيءٍ من الغيبِ من خلال علاماتٍ ما.

فمهما أراد الإنسان أن يُخفي الحقيقة، فإن الله يُبديها، ولكن ليسَ كلُّ الناس يمكن أن تبلغهم هذه العلامات، بل أناسٌ حَباهم الله، دون غيرهم.