إن البحار مليئة بالأسرار العلمية والثروات والكنوز الطبيعية التي وقف الإنسان طويلاً عاجزًا عن النهل منها، ثم راحت مكامنه مع التطور العاصف للعلم والتقنية تتفتح أمام البشر. فانطلق الإنسان يبحث وينقّب عما في البحار من أسرار، وابتكر لذلك الآلات والوسائل والمعدات واستجلى الأمر. وكان حصاده وجهده كمًّا هائلاً من المعلومات تتزايد يومًا بعد يوم، وتشير إلى أن البحار فيها خيرات كثيرة للإنسان، وأنها مليئة بالكنوز التي تستحق السعي وراءها. وتقدمت علوم البحار، وأصبح ارتياد أعماق البحار والمحيطات لا يقل أهمية عن ارتياد أجواء الفضاء واستجلاء أسرار الكون والنجوم، وخصوصًا بعد أن أثبت العالم الفرنسي “جاك إيف كوستو” أنه بمقدرة الإنسان العيش والعمل تحت الماء، كما هو الحال في عيشه وعمله فوقه تمامًا.

إن حلم استثمار البحار داعب الإنسان من قديم الزمان، ولذلك طرق سبلاً كثيرة لتحقيقه، ولعل أقدمها كان في الاستفادة من أسماكه وثرواته الحيوانية عامة، والاعتماد عليها كغذاء ضروري تقوم عليها مقومات حياته، لسد حاجاته من نقص الطعام والغذاء.
ومن عجائب قدرة الخالق عز وجل أن هناك تناقضًا شديدًا بين سعة مساحة المحيط المائي (70% من مساحة الكوكب) وقلة النسب التي يقدمها من غذاء الإنسان التي لا تزيد على واحد بالمئة (1%). ومما يزيد الأمر عجبًا أن الأسماك التي تُستخرج من أعماق البحار، ذات قيمة غذائية مرتفعة جدًّا؛ إذ تحتوي على المركبات الأساسية التي يحتاج إليها جسم الإنسان، مما يجعلها علاجًا ليس فقط لمشكلة نقص الغذاء وسوء التغذية الناشئة عن نقص البروتين الحيواني، بل ولأمراض النقص في الأملاح المعدنية وبعض أنواع الفيتامينات.

عالم الكنوز والأسرار

تؤكد الأبحاث العلمية أن البحار تنطوي على احتياطات هائلة من الطاقة الحرارية والميكانيكية التي يتبادلها جزئيًّا مع الجو، ولذا تلعب العمليات التي تجري فوق المحيط وفي الجو فوق سطحه، الدور الرئيس في حالة الطقس التي تسود اليابسة، بل وفي نطاق انتشار الحياة عليها.. ذلك وأن البحار تشكل رئة اليابسة، فهي تنتج نصف كمية الأكسجين الموجود على الأرض؛ حيث تزخر البحار بالأعشاب الخضراء والكائنات الدقيقة التي تحتوي على مادة الكلوروفيل، وبالتالي تستطيع القيام بعملية التمثيل الضوئي، أي استخدام طاقة الشمس في صنع مركبات غذائية عضوية، مع تحويل غاز ثاني أكسيد الكربون السام إلى أكسجين تستخدمه الكائنات الحية في التنفس.
والبحار مليئة بالثروات؛ فمياهها منجم للأملاح والمعادن المختلفة، ومصدر أساسي للحصول على المواد الأولية، والأملاح المعدنية المفيدة والغنية بكل العناصر الكيمائية بما في ذلك اليورانيوم والذهب والبروم والماغنسيوم واليود.. ويشهد عالم اليوم تصاعدًا مستمرًّا في كمية النفط المستخرجة من البحار، وكميات كبيرة من القصدير والذهب، وغيرهما من المعادن الثمينة.
وتؤكد الكشوف العلمية على أنه توجد في قاعات وعرض المحيطات على عمق 200- 300 م، مناجم هائلة من خامات الحديد والمنجنيز الغنية بالنيكل والكوبالت والنحاس. ولا ننسى أن نشير أيضًا إلى أنه يُستخرج من البحار الإسفنج الذي يستخدم في صناعة الكثير من الأشياء والأدوات، والوسائد والفرش الوثير.. ويستخرج منه أيضًا اللآلئ التي تُصنع منها الحليّ وأدوات الزينة التي تعجب الناظرين.

أهم سبل النقل العالمي

لا تتوقف أهمية البحار في حياة الإنسان عند حدود كونها مزرعة للأحياء المائية، أو مصدرًا للثروات المختلفة؛ فهي واحدة من أهم سبل النقل، ففوق مياهه سارت السفن تمخر عبابه بالشراع ثم بالبخار، وأخيرًا بالطاقة الذرية. ولو أخذنا فكرة عن أبعاد حركة النقل التي تقوم بها البشرية في المحيط العالمي، نذكر أن قيمتها تُضاهي ضعف قيمة ما يدرّه المحيط من غذاء، وزهاء أربعة أضعاف قيمة الثروات الطبيعية المستخرجة. والتطور المعاصر يبين أن هذا الحجم في تزايد مستمر، وبالذات في البحار التي تحيط بالعالم العربي.

في مجال الطب والعلوم

في الكائنات البحرية فوائد جمّة لا تقتصر فقط عند حدود الأغراض المادية، بل عرفت طريقها الآن إلى عالم الطب وفي مجال الجراحة؛ حيث تستخدم الشعاب المرجانية في ترقيع العظام، والإفادة من صلابة تلك الشعاب التي لا يرفضها الجسم ولا تقل عن صلابة العظم.
والبحار غنية بمواد كيمائية مختلفة ذات قيمة علاجية كبيرة تساعد على الشفاء من بعض الأمراض المستعصية مثل السرطان والأورام وعلاج الجروح.. فضلاً عن مركبات عضوية دوائية وعضوية كيميائية، وذلك بقصد الاستعمال والإفادة منها في الأبحاث العلمية.
وتؤكد الأبحاث الطبية أن هناك بعض الأسماك البحرية التي يكثر تواجدها في منطقة الخليج العربي، من أهمها سمكة “السلور”، التي تقوم بإفرازات لها مزايا فريدة تساعد على سرعة التئام الجروح، وهذه خاصية مهمة قد تعتمد عليها حياة الكثيرين ممن تجري لهم عمليات جراحية وخاصة مرضى السكر.
وإذا تركنا مجال الطب إلى مجال العلوم، نجد أن البحار تتميز بالطحالب والأعشاب البحرية التي تعد من أسرار هذا العالم العجيب، بجانب استخدامها كغذاء في بعض المناطق الساحلية في العالم، كما تعتبر مصدر غذاء للكثير من الحيوانات المائية والبرية.. وتستخدم كأعلاف للماشية والدواجن، كما تدخل أيضًا في بعض الصناعات مثل صناعة الأيس كريم، ومعجون الأسنان، ومنظفات البشرة، ومزيلات الرائحة، وأصباغ الأظافر، وفي الكثير من الصناعات الغذائية.. ويستخرج منها مواد كيميائية تدخل في تركيب الأدوية وأدوات التجميل، ومنظمات النمو الطبيعية مثل مشابهات السيتوكينين والبيتايين. كما يطمح العلم في الاستفادة من أنواع الطحالب والأعشاب البحرية المفيدة وغير السامة في مجال تحسين الإنتاج الزراعي، وغيره من المجالات الصناعية المختلفة.

صمام الأمان

البحار والمحيطات هي صمام الأمان ضد تلوث البيئة، فهما يعملان عمل الرئة بالنسبة للأرض، حيث تنقي الجو من الغازات الفاسدة التي تتصاعد من على سطح اليابسة. ويجب علينا ألا ندمر هذه الرئة بهذا الكم الهائل من الملوثات الصناعية التي ينتجها الإنسان على الأرض.. فبمرور الوقت قد يختنق الإنسان -وهو في قمة تقدمه الصناعي- إذا غفل عن أسرار هذا التوازن الدقيق في الوجود حوله، ذلك أن البحار والأنهار تحولت للأسف الشديد إلى صندوق قمامة تلقي فيه البشرية مباشرة كميات ضخمة من النفايات الصناعية والمعيشية، حتى إن مياه البحار أصبحت ملوثة بالزئبق والرصاص والمبيدات ومشتقات النفط، الأمر الذي يوقع أضرارًا بالغة بالأحياء.
وإن استمر ذلك إضافة إلى كثافة حركة النقل البحري وما ينبع عنها من أضرار يمكن أن تؤدي إلى تغيرات لا رجعة فيها؛ فستتحول المحيطات والبحار والأنهار إلى جثث هامدة تخل بالتوازن المناخي الذي يسود اليابسة، ويزيد من مشاكل الإنسان على وجه الأرض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كاتب وباحث / مصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.