المقاصد تظهر الصورة الحقيقية لجوهر الإسلام وفلسفته، وتوضح أهداف وتعاليم الشريعة السامية، مما يزيد الإنسان إيمانًا واقتناعًا بما جاءت الرسالات السماوية، يقول الإمام الغزالي رحمه الله: “معرفة باعث الشرع ومصلحة الحكمة، اسـتمالة للقلوب إلى الطمأنينة والقبول بالطبع والمسارعة إلى التصديق، فإن النفوس إلى قبول الأحكام المعقولة الجارية على ذوق المصالح، أميل منها إلى قهـر التحكم ومرارة التعبد، ولمثل هذا الغرض استحب الوعظ وذكر محاسـن الشريعة ولطائف معانيها وكون المصلحة مطابقة للنص، وعلى قدر حذقه يزيدها حسنًا وتأكيدًا”.

المقاصد الشرعية تهدف إلى تحقيق المصلحة للبشرية كلها، ومن ثم لا بد من الربط الوثيق والمحكم بين مقاصد الشريعة والمخرجات الإنسانية التي تتمثل في الأقوال والأفعال والأخلاق والسلوك؛ لأنه لو انضبطت هذه المخرجات بالمقاصد، لأدى ذلك إلى بناء مجتمع منضبط دينيًّا وأخلاقيًّا وسلوكيًّا وحضاريًّا، لأن المقاصد هي جوهر الحفاظ على الدين والأخلاق والحريات والعدالة والفكر والعقل. فمقاصد الشريعة ذات أهداف سامية، لا تقتصر على حفظ الانتماء للإسلام وللأمة فقط، وإنما حفظ مصالح البشر أيضًا.

تحديد معالم الانتماء

من استقراء النصوص الإسلامية ومقاصد الشريعة يمكن أن نعرف معالم الانتماء، فالشريعة الإسلامية راعت في أحكامها وتعاملاتها جميع الجوانب التشريعية والإنسانية والحياتية. فالمقاصد الشرعية تحمي وتحافظ على استمرارية الوجد الإنساني وجودًا وعدمًا، وجودًا عن طريق حفظ دينه وعقله ونسله وعرضه وماله، وعدمًا بحمايته من كل وسيلة تؤثر على هذه الكليات الخمس. وهذه الكليات لا يمكن الحفاظ عليها حفاظ تامًّا، إلا من خلال وطن آمن مستقر، يسير مواطنوه نحو هدف محدد، يؤدي كل واحد منهم واجباته قبل أن يسأل عن حقوقه، ساعيًا سعيًا حثيثًا تجاه تنمية مجتمعية واقتصادية وسياسية، روحها ومبدؤها التعاون والائتلاف، لتكون المجتمعات صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، محققين المصلحة العامة التي لا بد أن تكون في المقام الأول قبل أي مصلحة ورغبة، جاعلين مصلحة دينهم ووطنهم همهم الأكبر، لأنه لا دين بغير وطن ولا وطن بغير دين.

إن الانتماء للـوطن من أهم مقاصد الدين، وإن حب الأوطان والانتماء إليه أمر مشروع، وإنه من متطلبات الإيمان ومن مستلزمات التعايش، وهو ضرورة شرعية وحضارية في حياة الفرد والمجتمع، فبه تتحقق قوة المجتمع وترابطه.

إذن، نحتاج إلى وطن مستقر، كما نحتاج إلى مواطن صالح يعزز ويقوي التلاحم بين أفراد المجتمع، لنصبح جسدًا واحدًا يعيش فيه كل فرد مع أخيه الإنسان في سلم وأمان، يحترم آدميته وحريته التي لا تضر الآخرين، يعمر ويبني بسواعده مجد أمته غير متطفل على موائد الحضارات الأخرى، مواطن عامل فاعل ومؤثر في تشكيل الرؤية الحضارية، يجني ثمارها بعَرَقه وفكره ولا ينتظر نتاج الآخرين، يكـون انتماؤه للـدين بـالالتزام بتعليماتـه والثبـات عـلى منهجـه، والانتماء للـوطن بالتضحية من أجله، تضحية نابعة من الشعور بحب ذلـــك الــوطن وأهلــه.

بين تعزيز الانتماء وتفادي الصراعات

تناول قضية الانتماء من خلال المقاصد، يحفظ الأمن وينمي روح الانتماء لدى أفراد المجتمع. فالشريعة من أهم مقاصدها الحفاظ على الدين والنفوس، من أجل ذلك وضعت التشريعات الوقائية التي من خلالها يستطيع الفرد أن يعيش في طمأنينة وسكينة. فحمت الشريعة دين وتدين العبد من عبث الشيطان ووسوسته، ومن الهوى والشهوات الطاغية، وحمت الإنسان حتى من نفسه كي لا تطغى عليه وتستدركه إلى المهالك فعرفته طبيعة النفوس البشرية، وأنها متقلبة تحتاج إلى من يقودها إلى التزكية، ويرقى بها في ملكوت العطاءات بمنهج السماء.. ووضعت هذه الشريعة الربانية للنفس البشرية أنموذجًا من نفس جنس البشر يتمتع بكمال الخلق والخلق، نموذجًا علا بأخلاقه على المنظومة الأخلاقية. وبهذه التشريعات المنبثقة من المقاصد الجلية للدين الإسلامي، وبهذا النموذج الكامل، تستطيع الأمة أن تختلط بغيرها، تؤثر وتتأثر تعطي وتأخذ، لكن دون خلل وتهاون في هويتها. وهي بهذا الاختلاط الحضاري، ومن خلال الرؤية الإسلامية، تتفادى الصراعات بمختلف أنواعها وأشكالها، وتحمي بلادها من السقوط في الهلاك.

ولا يقتصر دور المقاصد الشرعية في الحفاظ على الأمن الوطني من خلال التشريعات الوقائية فقط، بل هناك التشريعات الزاجرة التي تحقق مصلحة البلاد والعباد، بفرض أشد العقوبات على الذين يريدون أن يمسّوا القيم الوطنية أو يزعزعوا استقرار الأوطان، فجعل لهم عقوبة خاصة لم تتكرر في القرآن إلا مرة واحدة وهي عقوبة المحاربة.. فكل من يهدد أمن الأوطان والمواطنين، فهو محارب لله ورسوله، وعدو للإنسانية وللقيم والحضارة والإعمار، وهو من المفسدين في الأرض.

الانتماء وتفعيل المقاصد المجتمعية

هناك مقاصد مجتمعية للشريعة الإسلامية لا يعلمها كثير من الناس، أقامت الشريعة الإسلامية اعتبارًا كبيرًا لها واعتبرتها من المقاصد الأساسية. ومن هذه المقاصد “القيم” (الحرية، العدالة، الإخاء، التكافل، الكرامة)، وهذه المقاصد المجتمعية تسهم في الابتعاد عن التمركز على الذات، وتهذب الانتماء من نوازع التعصب وأشكال التحيز الذي يؤدي إلى الانقسام والتفرق، ومن ثم إعادة صنع الانتماء وصياغته من جديد وفق الهوية المشتركة الجامعة للأمة.

فالانتماء على وجه العموم والانتماء للدين والوطن على وجه الخصوص، يعدّ صمام أمان لاستمرار العلاقات المجتمعية المشتركة، مما يسهم في بناء المجتمع وازدهاره. فعندما ينتمي الإنسان لمجتمعه ووطنه، فإنه سيؤدي ذلك إلى تشجيعه للمحافظة عليه والدفاع عنه بكل ما يملك، وقيامه بكافة النشاطات والأعمال التي تسهم في تقدمه، كما أنه يقلل من انتشار الظواهر السلبية ويقضي على الأفكار المتطرفة، ويساعد على تعزيز الروابط الاجتماعية.

الانتماء وتحقيق المصلحة العامة

إن تناول قضية الانتماء من خلال المقاصد، يوسع مدارك الانتماء إلى حد قد يصبح شخصه فيها أقل الأطراف نصيبًا وحظًّا، وليس معنى هذا إهمال الذات بقدر ما يعني وجوب الالتفات لأمور الآخرين وتحقيق النفع العام، بل وتقديمه على المنفعة الخاصة. فالقاعدة الفقهية الشهيرة تقول إن المصالح الكبرى مقدمة على المصالح الصغرى، ولذلك قال العز بن عبد السلام: “اعتناء الشرع بالمصالح العامة، أوفر وأكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة”. فمصلحة الأوطان تقدم على مصلحة الأفراد عند استحالة الجمع بينهما، ولا نستطيع تطبيق هذه القواعد إلا عندما نغرس الانتماء للدين والوطن في نفوس أبنائنا وشبابنا ومجتمعنا بالوسائل المختلفة، من خلال العمل الجاد المثمر الدؤوب والمخلص، والأخلاق الفاضلة، لأن الأخلاق درع واقية من العواصف التي تستهدف انهيار المجتمع وشيوع الفوضى.

ومما سبق، يتبين لنا أن الانتماء للـوطن من أهم مقاصد الدين، وأن حب الأوطان والانتماء إليه أمر مشروع، ومن متطلبات الإيمان ومن مستلزمات التعايش، وهو ضرورة شرعية وحضارية في حياة الفرد والمجتمع، فبه تتحقق قوة المجتمع وترابطه، مما يحميه من أعدائه.

(*) عضو في مجمع البحوث الإسلامية / مصر.