تأملتُ في نفسي أولاً ما الذي ينقصها، فوجدته الخُلُق الحَسَن. تأملتُ فيمن حولي، فوجدتهم يُشْبهونني وقد يكونون أحسن مني. ولكنا جميعًا أفلسْنا في مستوى الخُلُق الحَسَن المطلوب في هذه الشريعة، والمطلوبِ من حامل هذا الدين. وتأملتُ في حال المسلمين جميعًا من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها، فوجدت المسألة الخُلُقية مسألة تستحق عناية أكبر مما يعطى لها، ليس فقط في الجانب النظري أو في جانب الدراسة أو في جانب التحليل أو في جانب الحديث والخطابة، وإنما في الجانب العمَلي على وجه الخصوص، وهنا النقص الشديد الفظيع، المسؤول عن الكثير من الويلات التي نعاني منها أفرادًا وجماعات.

“الخُلُق”، من نفس المادة التي منها “الخَلْق”، إذ الفرق بينهما مجرد تغيير طفيف في الحركة، وهذا الأصل يُشعِر بأن ما يُطلَق عليه هذا، هو من جنس ما يُطلق عليه هذا. فالخُلُق إذن هو تلك الصفات والسجايا التي ترسخت في الإنسان إلى حدّ أنها صارت تشبه خِلْقتَه… فهو اللباس المعنوي، وإن شئتم هو لباس النفس الإنسانية، والنفس من الداخل تلبَس لباسًا خاصًّا هو “الخُلُق”.
اللباس الذي يَسْتُر به الخَلْق جسمه هو لباسٌ مادّي يَسْهل تغييره وإعادة ترتيبه وتنظيفه وتزيينه، ولكن اللباس المعنوي ليس من السهل تغييره، وليس من السهل إصلاحه، وليس من السهل إحداث الترتيب فيه بسرعة ليعود على الصورة التي نحبّ أن يكون عليها، بل لابد من مجاهدة ومكابدة ورياضة شاقة عسيرة تُسْهم فيها أمور كثيرة؛ مادية ومعنوية، داخلية وخارجية، ومن جملتها البلايا التي يُسْلِّطها الله على عباده ليطهّرهم بها ويزكّيهم.

الخُلُق لباسٌ معنوي

هذا اللباس المعنوي ليس من السهل إحداث تغيير فيه، فلابد من مجاهدة ومجهود كبير -وهذا الأمر يغفل عنه- إذ حين يتم الانتقال إلى هذا الدين بسرعة، تَحدُث التغييرات الشكلية في لابس الدين، ولكن التغييرات المعنوية لا تسير بنفس السرعة، هذا إذا حرص عليها وواجهها وراضَ نفسه على التغييرات المطلوبة… أما إذا أهملها فسيظل فقط مخلوقًا مستورًا بزيٍّ يخالف ما هو مستور تحته، وهذا يعني ظاهرٌ يخالف الباطنَ، ويعني ظاهرٌ يصبح وسيلة للخداع من حيث لا يشعر الإنسان.

إن الإنسان يبتدئ من الحكم على الظاهر أولاً، وينطلق في التعرّف على أي شخص من ظاهره، لأن ذلك الظاهر له دلالة وله معنى، فهو بمثابة لفظ يدل على معنى؛ فإذا ساوى اللفظ المعنى (أي ساوى الظاهرُ الباطنَ) أو كان هذا اللفظ أقل من المعنى (أي الباطن أحسن من الظاهر) فذلك يشير إلى أن خلقه أكثر من اللفظ الذي هو الصورة الظاهرة. وها هنا يفرح الإنسان. أما إذا كان العكس، أي الظاهر جميل والباطن خرِب فيا خسارتاه… لذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- يقول في دعائه المشهور: “اللهم اجعل سِرّي أصلحَ من علانيتي، وعلانيتي صالحة”.

الأساس الذي يتم عليه الحساب

اللباس المعنوي هو الأساس في الشخصية لا اللباس الخارجي، وهو الأساس الذي عليه يتم الحساب يوم القيامة، وهو الأساس في نظر الله -عز وجل- إلى العبد، وهو الأساس من الناحية العملية في التقويم الصحيح لكل إنسان، وينبغي أن نقوّم أنفسنا من هذا الجانب لا من الجانب الشكلي الخارجي. والشريعة اهتمت أول ما اهتمت بهذا الجانب، وعليه ركزت. ولتقريب المعنى يمكن أن نستعير ما يقال في مجال البناء؛ فهناك البناء الأساس أسوارًا وأسسًا وحديدًا، وهناك التحسينات والتزينات المسماة بـ”Finition” (لفظة أعجمية ولكنها طغت على اللفظة العربية). هذه المحسنات وهذه المزينات التي تعطي البناء شكله النهائي -تأتي في الأخير عادة- لها أهميتها، وهي أساسية في الأصل لا نستطيع أن نسمّيها كماليات زائدة لا معنى لها، بل هي من الشيء ومن ذاته ومن صميمه، وهي ضرورية للشيء، وهي التي تعطي للشيء شكله الحقيقي… ولكن ينبغي أن تكون في إبانها، وساترة لكيان آخر في غاية المتانة والصلابة. أما إذا حدث العكس، فالشكل الذي يُرى جميلاً والبناء المستور تحته في غاية الهشاشة، فهنا تكون الكارثة، إذ قد يسقط البناء كله في لحظة من اللحظات فتحدث كارثة إنسانية.

هذا اللباس المعنوي أنواع، فيه جانب يمكن أن نسميه خُلُقًا مع الله -عز وجل-، والثاني يمكن أن نسميه خُلُقًا مع النفس، وفيه جانب يمكن أن نسميه خُلُقًا مع الناس.

عناية الإسلام بالجانب الخُلُقي

الإسلام عنِي بهذا الجانب عناية كبيرة، ولا بأس أن نقف عند بعض الأحاديث وبعض الآيات الكريمة لننظر أين يضع الله -عز وجل- هذه المسألة. من الآيات الصريحة في هذا الموضوع، قول الله -عز وجل- مخاطبًا رسوله -صلى الله عليه وسلّم- في سياق اتهام الخصوم له بالجنون وبغير الجنون: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(القلم:4). من جملة ما فسَّر به العلماء الخُلُق ها هنا بـ”الدين” وهو الخُلُق الذي أشارت إليه السيدة خديجة -رضي الله عنها- في بدء الرسالة حين قالت للرسول -صلى الله عليه وسلّم-: “كلاَّ والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لَتصِل الرّحِم، وتُكْسِب المعدوم، وتقْري الضيف، وتعين على نوائب الحق وتحمل الكَلّ”، أو كما قالت -رضي الله عنها- جزء من حديث متفق عليه. “كلاَّ والله ما يخزيك الله أبدًا”؛ أي مثل صاحب هذا الخُلُق لا يمكن أن يعاقَب بنقيض ما هو عنده. يعني أن الخُلُق الحسَن يؤدي إلى الثواب الحسَن. هذا منطق الأشياء، وبهذا المنطق الفطري الطبيعي تكلمت السيدة خديجة -رضي الله عنها-. والله -عز وجل- أعدّ رسوله هذا الإعداد بهذا الخُلُق العظيم ليحمل هذه الرسالة العظيمة ليكون كفؤًا لها. فإذن الخُلُق الحسن نفسه، هو أول المؤهلات وأعظمها لحمل الأمانة.

الخُلُق الحَسَن تعبير عن الإيمان الكامل

كان رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- يحثّ على حُسن الخُلُق، لأنه اللغة المعبرة بصدقٍ عن حُسن الإيمان وكماله، قال -صلى الله عليه وسلّم-: “أكْمَلُ المؤمنين إيمانًا، أحسنُهم خُلُقًا”، وقال -صلى الله عليه وسلّم-: “خِياركم خِيارُكُم لِنسائه”. والتعبير عن الكمال والحُسن باسم التفضيل في هذا الكمال، يشعر بالثمرة الحسنة للإيمان التي يتم التعبير عنها في شكلِ أرفعِ الأخلاق وأسماها، لأن الإيمان الذي وقَر في القلب لا يمكن أن لا يعبّر عن نفسه، أي مستحيل أن لا يعبّر عن نفسه في صورة خُلُق حَسن، بل الحقيقة أن كل ما هو واقر في القلب، لابد أن يعبّر عن نفسه في الخُلُق إن حَسَنًا فحَسَن، وإن سيّئًا فسيّئ، قال الله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)(محمد:30)، وقال الشاعر:

ومهما تكُنْ عند امرئ من خَليقة

وإن خَالَها تَخْفى على الناس تُعْلم

إذن فكما أن الإيمان يؤدي إلى كمال الخُلُق، فحُسْن الخُلُق يؤدي أيضًا إلى كمال الإيمان. والإيمان ليس -كما يقال- “موجودًا في القلب بدون أثر يُرى في الخارج”، فالحقيقة هو شيء معبّر عنه في الخارج بعدَّة طرُق، من مثل قول الرسول -صلى الله عليه وسلّم-: “إذا رأيتم الرجلَ يَعْتاد المساجدَ فاشهدوا له بالإيمان” (رواه الترميذي). هذا فعل وهذه ممارسة تدل على شيء؛ فالإيمان يعبّر عن نفسه، فإن لم يعبِّر دلّ على ضعف، مثل ما في أحاديث الجهاد من مثل قوله -صلى الله عليه وسلّم-: “ما من نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسُنّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخْلُف من بعدهم خُلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خَرْدلٍ” (رواه مسلم)، وذلك هو أضعف الإيمان. هذا حال ضعيف جدًّا حين لا نجد تعبيرًا خارجيًّا صريحًا متجاوزًا الذات، وهو لابد له من تعبير في الذات، على الأقل في هذا المستوى الذي عبر عنه الحديث، لابد للإيمان من تعبير، وهذا التعبير يترجَم إلى خُلُق حسن. فأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا… فحسن الخُلُق هو كمال الإيمان… فهذه الدرجة العلية التي وضع فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- الخُلُق، تطابق الحقيقة، وهي أن أعلى درجة في الإيمان هي درجة حُسن الخُلُق، وأن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا. ومثل ذلك في البِرّ، وقد سئل عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلّم-: ما البِرّ؟ قال: “البِرُّ حُسْنُ الخُلُق”، والبِرّ كما ورد في كتاب الله -عز وجل-: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ)(البقرة:177) إلى آخر الآيات التي تشمل جميع الجوانب الباطنية الخاصة والعامة، إلى أن يقول: (الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)؛ هؤلاء هُم الأبرار، هم الذين صدقوا، وهم المتقون، وهم الذين اتصفوا بصفة البرّ، والبرُّ حُسْنُ الخُلْقُ، بل نجد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- يقول في الحديث الصحيح: “إنما بُعِثْتُ لأُتمِّم مكارم الأخلاق”، أيْ جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- ليتمّم مكارم من الأخلاق سبقت وجاء بها أنبياء سابقون، وهو جاء ليتمّ هاته النعمة. ولأهمية الأخلاق نجد رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- يركّز عليها في كل حالة؛ مثل حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- المشهور: “أنا زعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَض الجنة لمن ترَك المِراءَ وإن كان مُحقًّا، وبِبَيْتٍ في وسط الجنة لمن ترَك الكذب وإن كان مازحًا، وببِيْتٍ في أعلى الجنة لمن حسّن خُلُقه -أو لمن حَسُن خُلُقه-” (رواه الإمام أحمد)؛ فالمدار على حُسْن الخُلُق لأنه رأس الأمر. الدّين كله عبارة عن خُلُق، أي إن طبيعته ليست طبيعة نظرية، وليست معلوماتية، بل هي طبيعة عملية؛ هي طبيعة اللباس الذي يُلبس، لباس تلبسه النفس الإنسانية فتصير به خلقًا آخر. فالدين خُلق، أي ذو طبيعة عملية، طبيعةٍ يُتخلق بها فتصير كالخِلقة؛ كخلقة الشخص سجيةً راسخةً فيه وهذا هو المطلوب. ومحمد رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- عبارة عن خُلُق أيضًا، قالت سيدتنا عائشة -رضي الله عنها- وقد سئلت عن خُلُقه: “كان خُلقه القرآن”، والقرآن نفسه كان عبارة عن خُلُق تخلَّق به رسول الله -صلى الله عليه وسلّم-. إذن الدين “خُلُق”، ومحمد -صلى الله عليه وسلّم- “خُلُق”، والقرآن “خُلُق”. فالخُلُق في منزلة عليّة جدًّا وهو نوعان؛ حَسَن وسيّئ. أما الخُلُق الحَسَن فهو الذي ينبغي على المسلم أن يتخلق به، وهو الذي جاء به الإسلام ليتمّمه، وهو الذي دعا إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- وكان مثلاً له، وكان لنا أسوة في هذا الخُلُق الحَسَن لا في سِواه، ولا يُوجَد سِوَاه لدى رسول الله -صلى الله عليه وسلّم-.

(*) الأمين العام لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) / المغرب.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.