الإسلام والتفاعل بين الحضارات

الحوار بين الحضارات والثقافات، بات ضرورة ملحة للعيش في عالم آمن ومستقر. فمَشاهد العنف والفزع العالمية، لا تُبقي مكانًا لحياة إنسانية ذات معنى، كما هو متوقع في الأذهان والفكر البشري السوي المنطلق من ثوابت لا متغيرة؛ هي بمثابة سنة كونية لا تقبل التحويل، مما جعل من موضوع الحوار بين الحضارات والثقافات ليس فقط ضرورة في المساحات الجغرافية، بل بات ضرورة ملحة حتى في المساحات المعرفية.

ونحن اليوم في حاجة ماسة لأن نجيب على كل الاستفهامات العميقة والواقعية التي يطرحها محيطنا، وأن نرصد مسيرة التحولات كما ينبغي. فالعالم اليوم متعطش للسلام والصداقة والحرية والعدالة الاجتماعية، ويصر على أن يحصل على حريته وحقوقه الإنسانية المشروعة التي تَكفلها له القوانين والضوابط السماوية والعرفية. فالسلام والحرية والعدالة لا تنال بالحرب والتعنت، والميز العنصري، وبث روح التفرقة والشتات بين بني البشر. والسلام الذي يتحقق بالحرب، هش دائمًا وغير متين، أما السلام القائم على العدالة والإنصاف والحوار والمنطق، فهو السلام الحقيقي الدائم.

وحين العودة إلى القرآن الكريم، نجد أن الرسالة التي تخاطب الإنسان -كل إنسان- أينما كان وفي أي زمان كان، يتردد خطابها بعبارة “يا أيها الناس”، وهي رسالة عالمية تخاطب الإنسان كإنسان وكل إنسان، دون ميز ولا تحيز ولا إعلاء لطرف دون آخر.. فحياة الإنسان في منظورها، تعادل حياة كل البشر. فمثل هذه الرسالة تستطيع -دون شك- أن تكون سندًا قويًّا للحب والسلام، وإلا فمن الواضح جدًّا أن الإعراض عن الحوار، وإخماد صوت المنطق وسط ضجيج أصوات المدافع والدبابات، لا يستطيع أن يحقق أمنًا ولا استقرارًا ولا سلامًا.

هذا وقد يلعب الخطاب الديني دورًا فعّالاً في الدفع بعجلة الحوار الحضاري نحو أفق أوسع وأشمل لمناحي الحياة البشرية، ويساعد في خلق أرضية صلبة ومتينة تدعم الحوار بين الحضارات على أسس من الاحترام والتقدير المتبادل بين سائر الحضارات، وإن كانت مختلفة -وحتى متضادة- في المبادئ والمرتكزات والمنطلقات والأهداف، إلا أن الخطاب الديني يعمل على تقريب وجهات النظر، بعيدًا عن الحساسية التي قد تتلبس بها حضارة ما في علاقتها بباقي الحضارات البشرية.

وتجدر الإشارة أول الأمر إلى أن نقطة البداية في إقامة حوار حضاري على أسس متينة وسليمة، تكمن في العودة إلى إصلاح الذات وهي اللبنة الأساسية في بناء وإقامة حوار حضاري فعّال، إلى جانب التمسك بكل قيمنا الأصيلة وبديننا الحنيف الذي يدعو إلى القوة والترابط والتراحم والحب والتعاون وإعمال الفكر والإبداع، بعيدًا عن التشنجات المغرضة.

وإذا ما استطعنا أن نقيم حوارًا ذاتيًّا ناجحًا، إذ ذاك سنكون مؤهلين للتحاور مع الآخر وفق المبادئ التي خطها لها ديننا الذي يحض على الحوار والتفاهم والتعارف والتعايش السلمي، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)(الحجرات:13)، وفي هذه الآية الكريمة خطاب يشمل البشرية جمعاء دون تفاضل ولا ميز؛ يدعوهم فيها الله تعالى إلى التعارف ونبذ الفرقة والبعد عن كل ما من شأنه أن يبث روح التفرقة والشتات بين البشر. ويقول تعالى أيضًا: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(النحل:125)، وهذه الآية من عظام الآيات التي تعقد للحوار البناء؛ ففيها دعوة صريحة إلى تقبل الآخر، وسعة الصدر ورحابته والترحيب بالاختلاف، ففي قوله “جادلهم بالتي هي أحسن” دعوة صريحة إلى التناظر والجدال بأحسن الأوجه وأيسرها برفق ولين وخطاب حسن، كما قال تعالى: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)(العنكبوت:46)، فأمر الله بلين الجانب كما أمر موسى وهارون عليهما السلام حينما بعثهما إلى فرعون فقال: (فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(طه:44). فديننا الحنيف يدعو إلى الحوار، والتعايش الحضاري، والتلاقح بين مختلف الحضارات في لين ومحبة وسلام، لأن الحوار في الأصل هو من أجل فهم الذات أولاً، ثم فهم الآخر والتفاعل معه، وليس الخوض في صراعات مقيتة وعقيمة لا تفضي إلا إلى التفرقة ونشوب النعرات بين بني البشر، وانتشار الأحقاد التي لم يستفد منها الإنسان في شيء.

وبقدر ما تعظم الحاجة إلى حوار جدّي بين الثقافات والحضارات لإقامة جسور التفاهم بين الأمم والشعوب ولبلوغ مستوى لائق من التعايش الثقافي والحضاري، تقوم الضرورة القصوى لتهييء الأجواء الملائمة لإجراء هذا الحوار، وإيجاد الشروط الكفيلة بتوجيهه الوجهة الصحيحة. وذلك يتأتى بمعرفة الذات من أجل معرفة الآخر؛ “فالانعزال والتقوقع والانغلاق على الذات في عالم اليوم الذي تحوّل إلى قرية صغيرة بحكم التطور التقني الهائل في تكنولوجيا الاتصال، أمر مستحيل، كما أن الانسياق وراء الدعوة إلى حضارة عالمية واحدة، هو بحد ذاته عملية تكريس لهيمنة الحضارة الغربية، وهو طريق التبعية الحضارية الذي يفقدنا خصوصيتنا الحضارية، ويحولنا إلى مجرد هامش لحضارة الغرب”(1)، وتبقى الدعوة إلى حوار الحضارات، التعبير الأسمى الذي يحقق الذات ويكفل الانفتاح على الآخر، ويثمر مستوى لائقًا من التعايش الثقافي والحضاري المنشود.

وتعتبر مسألة تجديد الخطاب الديني، من ضمن الأساسيات التي يجب ألاّ نغفل عنها، إذ من خلاله يمكن إيجاد حلول بديلة لمستجدات يحتمها التطور المعاصر لكل مناحي الحياة. وبتنا اليوم مطالبين -أكثر من أي وقت آخر- بتجديد خطابنا الديني، تماشيًا وخدمة لإقامة الحوار بين حضارتنا الإسلامية وباقي الحضارات، وأن نتجاوز التقليد والطبع والنسخ من الحضارة الغربية.

ويعتبر عامل إقفال الاجتهاد في الفقه الديني، من أبرز الأسباب التي أفرزت خطابًا دينيًا “يرتكز على النقل والتقليد، ويغيِّب العقل ويهمّشه”(2). والصحيح أن الاجتهاد لم يتوقف قط، بل كان محصورًا في حقبة توالت وتعددت فيها الأزمات، إلا أن لا يعني اندثاره اليوم وعدم حاجتنا إليه كما كان مهمًّا في الخوالي. ولم يكن الاجتهاد مهمشًا قط عند الخلف كما عند السلف.

وبالعودة إلى موضوعنا الرئيس، لا بد وأن نشير إلى مسألة غاية في الأهمية، وهي أن التفاعل الحضاري لا يمكن أن يتم ويتحقق إلا عن طريق حوار بناء وفعّال بين الأديان، “وقد سبق لعالم اللاهوت الألماني هانس كينغ (Hans Kung) أن قال: لا حوار بين الحضارات بدون سلام، ولا سلام بدون حوار بين الأديان، وإذا كان القرن الواحد والعشرون هو قرن الأديان بامتياز كما قال المفكر والكاتب الفرنسي أندريه مالرو، فإن الدين قد أضحى منبع الثقافات وملهمها، ومنه تتأتى معظم خصوصيات الشعوب ومقوماتها”(3).

والإسلام -كدين وحضارة- عندما يدعو إلى التفاعل بين الحضارات، فإنه “ينكر المركزية الحضارية التي تريد للعالم حضارة واحدة مهيمنة ومتحكمة في الأنماط والتكتلات الحضارية الأخرى.. فالصحوة الإسلامية المعاصرة تسعى إلى أن يكون العالم منتدى حضارات متعدد الأطراف، ولكنه مع ذلك لا يريد للحضارات المتعددة أن تستبدل التعصب بالمركزية الحضارية القسرية، إنما يريد لهذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند في كل ما هو مشترك إنساني عام”(4).

والدين الإسلامي وإن كان آخر الأديان السماوية وخاتم الرسالات الربانية إلى بني البشر، إلا أنه ينكر تلك المركزية الحضارية. وفي روح دعوته لا يسعى إلى اعتبار الحضارة الإسلامية هي الحضارة المركزية تلغي باقي الحضارات، وتجبر العالم على التمسك بدين واحد، إنه ينكر هذا القسر عندما يرى في تعددية الشرائع الدينية سنة من سنن الله تعالى في الكون، قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(المائدة:48).

إن دعوة الإسلام إلى التفاعل مع باقي الديانات والحضارات، تنبع من رؤيته إلى التعامل مع غير المسلمين الذين يؤمنون برسالاتهم السماوية. فعقيدة المسلم لا تكتمل إلا إذا آمن بالرسل جميعًا، يقول تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(البقرة:285).

بيد أنه لا يجوز أن يفهم هذا التسامح الإنساني الذي جعله الإسلام أساسًا راسخًا لعلاقة المسلم مع غير المسلم، على أنه “انفلات أو استعداد للذوبان في أي كيان من الكيانات التي لا تتفق مع جوهر هذا الدين. فهذا التسامح لا يلغي الفارق والاختلاف، ولكنه يؤسس للعلاقات الإنسانية التي يريد الإسلام أن تسود حياة الناس.. فالتأكيد على الخصوصيات العقائدية والحضارية والثقافية، لا سبيل إلى إلغائه، ولكن الإسلام لا يريد لهذه الخصوصيات أن تمنع التفاعل الحضاري بين الأمم والشعوب والتعاون فيما بينها”(5).

ولعل أبرز أوجه تأثير الخطاب الديني في تفعيل آليات الحوار بين الحضارات، أن الحضارة الإسلامية أخذت عن الحضارات السابقة، في عدة ميادين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الصحابة والتابعين، لم ينبذوا كل شيء، كما أنهم لم يأخذوا أي شيء. فقد اقتبست الحضارة الإسلامية من ثقافات الأمم والشعوب التي احتكت بها، وصَهَرت حصيلة هذا كله في بوتقة التفاعل الحضاري، فكانت حضارة الإسلام ولا تزال مثالاً نادرًا للتفاعل بين الحضارات.

إن التعايش هو سمة مميزة للإسلام، وملمح جامع يطبع كل جوانبه التشريعية والسلوكية، إنها إحدى أهم قيم هذا الدين وصفاته المميزة التي تعني الحرية للبشر كافة، والمساواة بينهم من غير تفوق جنسي أو تمييز عنصري.

إنه ليس هنالك ثمة ما هو أبلغ وأوفى بالقصد في الدلالة على عمق مبدأ التعايش في الإسلام من الآية الكريمة التي يقول فيها تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)(آل عمران:64)، ذلك أن المساحة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب، مساحة واسعة. وإذا كان الإسلام قد جعل في قلوب المسلمين متسعًا للتعايش مع بني الإنسان كافة، ففيه من باب أولى متسع للتعايش بين المؤمنين بالله. ويشهد التاريخ أن معاملة المسلمين لغيرهم في البلاد المفتوحة، كانت مثالاً رائعًا من التسامح لا مثيل له في التاريخ.. ولعل من أكبر الأدلة وأقوى الحجج على قيام الحضارة الإسلامية عبر العصور على أساس متين من التسامح في أسطع معانيه، هو تعايش المسلمين مع أهل الديانات والملل والعقائد في البلدان التي فتحوها خلال قرون متطاولة وعهود مديدة.. ويدل ذلك على أن التعايش مبدأ من المبادئ التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، والذي يرمي إلى القضاء على أسباب التوتر واضطراب حبال الأمن والسلام وعدم الاستقرار.

فالخطاب الديني الإسلامي، يحمل في طياته معالم نبيلة وسمات كبرى للتعايش ونشر المحبة وإحلال السلام بين البشرية أجمع من خلال الحوار بين الحضارات والأديان، ومن أوجه ذلك أنه لا يرغم أحدًا على الدخول في الإسلام، ولا يدعو إلى الدخول في الحروب إلا للضرورات القصوى. وليس بدعًا -إذن- أن يكون الإسلام -بهذا التفرد- دين التعايش السلمي وليس دين الصدام الحضاري وكم يُتَّهم بذلك. فهو آخر الأديان، أي كلمة الله الأخيرة، وقد استطاع أن يقيم أمة عاش في كنفها المسلمون وغيرهم، وعاشت هي في علاقات مع غيرها أساسها التعارف، مما جعل -ويجعل- للإسلام رسالة تبدأ من التوحيد وتنتهي بالدعوة إلى الوحدة التي يتعايش داخلها كل البشر، تحقيقًا للعدل الحضاري والمساواة والكرامة الإنسانية، بعيدًا عن أي لون من ألوان الصراع وفي منأى عن أي مظهر من مظاهر الصدام الحضاري الذي يستحيل أن يكون الإسلام يحمل شيئًا من بذوره.

 

 

(*) كلية الآداب، جامعة محمد الخامس، الرباط / المغرب.

الهوامش

(1) مستقبل العالم الإسلامي، سلسلة دورية يصدرها مركز دراسات العالم الإسلامي بمالطا، العدد:9، السنة 3/1993، ص:144.

(2) نقد الخطاب الديني، لنصر حامد أبو زيد، الطبعة الثانية 1995، مكتبة مدبولي القاهرة، مصر، ص:18.

(3) الإسلام وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري في عصر الصحوة، للدكتور حسن عزوزي، ص:2.

(4) العطاء الحضاري للإسلام، لمحمد عمارة، الطبعة الأولى، سنة 1997، دار المعارف، القاهرة، ص:121.

(5) الأمة الإسلامية في مواجهة التحدي الحضاري، لعبد العزيز بن عثمان التويجري، سلسلة المعرفة للجميع، رقم، الرباط 1999، ص:74.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.